سمعت بدعد حداد بسبب فيلم تسجيلي طويل يأخذ عنوانه من إحدى قصائدها: «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» للمخرجة السورية هالة العبد الله. رغم ما قد يوحي به ذلك السطر من كآبة مراهِقة، كان الفيلم جميلًا، لدرجة أعدت معها مشاهدته ثلاث مرات خلال أقل من عامين، ولم يكن الكتاب كذلك. https://youtu.be/vEVBgoyC7gQ
الفيلم ليس عن دعد حداد بالتحديد، إنما يؤرخ لشعور جمعي بالهزيمة لدى ثلاث نساء سوريات من أصدقاء المخرجة (ومن نفس جيل دعد على الأغلب)، إلى جانب حكايات أخرى عن هالة العبد الله وابنتها وزوجها ووالدته، عن العمر والحب والسجن والغربة والتغييب.
باستثناء عنوان الفيلم وإلقاء المخرجة لأجزاء من قصيدة «أنا مَن تحمل الزهور إلى قبرها» بنهايته، هناك مشهد واحد فقط يكون فيه الحديث مباشرةً عن دعد حداد، حين تلتقي المخرجة بصديقٍ يبدو أنه يشاركها عشق شعر دعد حداد أو أنه كان على صلة ما بالشاعرة الراحلة. تقصده هالة العبد الله ليساعدها في «استحضار روح» دعد حداد على نحوٍ أبرز في الفيلم. يجلسان معًا يتذوقان تلك القصيدة بالذات التي اختارتها هالة لتخيِّم على الفيلم بالكامل، ويبدو الرجل لا مُحِبًا فقط لشعر دعد حداد، بل مهووسًا به. يتوقف طويلًا عند «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها.. (إلى قبرِ نفسها).. وتبكي.. من شِدة الشعر!»، ويعجَب لجرأتها على ادعاء شِدة الشعر. يقول: «فيني ضل ساعة هلأ عم عيد نفس الجملة، وبالنهاية ما بتمكن إني وصِّل المغزى الحقيقي إلها». أعرف بعدها أنه أيضًا شاعر حين يصل به الأمر إلى القول بأنه لو لم تنشُر دعد حداد شعرها لكان نسبه إلى نفسه «بكل راحة ضمير».
كان من الطبيعي عندما يحل معرض القاهرة الدولي للكتاب أن أبحث عن دار النشر التي صدرت عنها الأعمال الكاملة لدعد حداد (التكوين)، لعلي أجد نسخة منها هناك. بحثت عن الدار ووجدت أنها بالفعل مشاركة في المعرض. دوَّنت رقم القاعة والجناح وذهبت. كان الواقف في المكان رجلًا في الخمسينيات أو الستينيات، تعرف من هيئته وملامحه أنه ليس مجرد بائع، وعلى الأغلب قادم من سوريا. سألته: «ديوان دعد حداد موجود؟» صمتَ لثلاث أو أربع ثوانٍ لم يبدُ فيها أنه لم يسمعني لكنك تحسبه منشغلًا بالتفكير فيما قاله شخص آخر، ثم أجابني بتأنٍ وهو يتلذذ بوقع الأحرف ويضغط عليها مليًّا: «أنا التي تبكي من شدة الشعر».
جلبَ الكتاب من بين أربع أو خمس نسخ كانت موضوعة أفقيًا على رفٍ مهمل بما لا يشي بنيَّةٍ لعرضها. تصفحته بينما كان الرجل يجيب عن سؤال مشترٍ آخر عن كتاب مختلف، ثم يستوقفه ليعرض عليه شراء الأعمال الكاملة لدعد حداد، فيجيبه الشاري بأنه لم يسمع بها من قبل، وأنا لا أزال أتصفح الكتاب ولا أجد فيه شيئًا يجعلني أتكلف حتى عناء سؤاله عن السعر، إلى أن وقعت عيناي على صفحاته الأخيرة، حيث يتضمن صور قصائد مكتوبة بخط اليد في جهة وتفريغها المطبوع في الجهة المقابلة... لم يخطفني الشعر. خطفني خط اليد، ذلك الدليل على وجود إنسان لم يعد موجودًا.
أخيرًا سألت عن سعر الكتاب. قال الرجل مبلغًا فاوضته فيه بطريقة أقرب إلى المزاح، كنت سآخذ الكتاب على أي حال، فعرض أن آخذه دون مقابل، لأن السوريين يؤثِرون دائمًا أن «تِكرَم عينك». رفضت وعدت إلى الرقم الذي اقترحته، فاقترح هو رقمًا أقل. في الواقع، اقترح نصف السعر الذي قاله أول مرة، وبينما كنت أبحث عن المبلغ في حقيبتي، بان على وجهه الإمعان من جديد وعاد يصر على أن آخذ الكتاب مجانًا، فرفضت وأعطيته المبلغ المتفق عليه ومضيت وأنا أشعر أني قد حصلت للتو على كنز خاص لا يعرف به سواي، وفوقه حكاية جميلة.
الكتاب يبدأ بتقديم ثلاثة من أصدقاء الشاعرة الراحلة، ونفس الأسماء الثلاثة تجدها على ظهر الغلاف تذيِّل كلماتهم عن شعر دعد حداد. فكرتُ أن واحدًا من هذه الأسماء لابد أنه الرجل الذي ظهر في الفيلم الذي بدأ كل هذا. بحثت عن الاسم الأول فلم يكن هو. بحثت بالاسم الثاني، فعرفته فورًا، كان هو، نفس الرجل المهووس بدعد حداد، المتعصب لها حتى النهاية، والذي أصادف اسمه لاحقًا ضمن قصائدها: الشاعر السوري نزيه أبو عفش.
كل ما بعد ذلك لا يهم حقًا، فالكتاب فعلًا لا يخطف. لم يخطفني، ولا أظنه قادرًا على أن يأسر أحدًا. معظم القصائد غامض وتجريدي إلى درجة لم أتمكن معها من الشعور بشيء أو تفسير أي شيء. يبدو لي أنه إما أن هناك شيئًا عميقًا جدًا لست قادرة حاليًا على إدراكه في شعرها، أو أن حياة دعد حداد وظروف موتها المفاجئ هما السبب وراء تقديس أصدقائها لها وتعصبهم لشعرها.
هكذا صارت لديَّ حكاية لن أنساها.. عن كتابٍ يسهل نسيانه.
كتبت الصديقة فدوى العبود مشيدة بدعد حداد، وأنا الذي لأول مرة أسمع بها؛ فطرت فرحا بمعرفة أحد المبدعين الذين لا أعرفهم.. إن معرفة كاتب مبدع يعد كنزا من الكنوز.. اقتنيت هذا الديوان لأنه يجمع عدة دواوين في مجلد واحد.. هذه الأعمال الكاملة مصدرة بثلاث تقديمات لبندر عبدالحميد، ونزيه أبو عفش وسوزان علي وكلهم أجمعوا على أن دعدا متفردة ولا تشبه أحد؛ وكانت أجمل مقدمة مقدمة سوزان علي وسأنقلها حرفا حرفا لأنها ربما هي أجمل ما في هذا الديوان: تحملين معك المرآة أينما ذهبتِ، تقولين للجبل" انظر هذا حزنك، كي يموت عصفور بين الأسطر الأخيرة، على سطح المدينة تجلسين وتتساءلين: أين تعيش الحرية؟ ثم تكتبين قصيدة عن الحب. أتخيل غرفتك وعينيك متسمرتين في شقوق الباب، صوتك يشتم العالم ويتسلق شجرة الظهيرة، وذباب الموت، يأخذك الشعر معه، الخارج الآخر الذي تحلمين به، تضحكين بين الأزقة وتسألين المارة عن دمشق، لو كنتِ معنا الآن دعد، أخبريني هل من شيء آخر ستضيفينه إلى قصائدك؟ لقد كتبتِ كل شيء، من يقرأ قصيدة لك اليوم، سيسأل عن عنوانك كي يزورك وفي يديه باقة من شقائق النعمان، إنك تسمعيني الآن..هذه حقيقة، كما قصائدك الآن تحوم في بيتي. تعرفين أكثر من الوقت عن الدوران، أكثر من الحجر عن السقوط، أكثر من الحب عن الحضن، أكثر من المحطة عن الوداع، لكن لماذا رحلتِ هكذا مبكرا؟" لقد قرأت الديوان كله، وأنا أسمّيه ديوانا مجازا؛ لأني قرأت نثرا، ولم اقرأ شعرا.. نعم هناك حساسية عالية في الكلمة، وهناك غضب على العالم كله؛ ولكن رغم العاطفة الشديدة إلا أني شعرت أن دعد في بعض الأحيان كانت تكتب لنفسها ولم ترد أن تنتشر هذه الكلمات.. هناك بعض الكلمات بسيطة جدا وليست شاعرية ولا عاطفية، وإنما كأن الكاتبة تريد تجربة قلمها لا أكثر.. وإني استغرب أشد الاستغراب من المقدمات الثلاث وثناءهم العطر على ما قرأت؛ بيد أني رجحّت في الأخير أنهم لربما كانوا يمدحون دعدا الإنسانة لا دعدا الشاعرة، وإنما المعرفة والمعاصرة حملتهم على هذا الثناء الجائر.. أحببت دعدا الإنسانة التي تكتب كل شيء؛ ولم أحب دعدا الشاعرة.. قرأت 294 صفحة من أجل أن تدهشني أن تفوز بإعجابي لكنها لم تستطع.. هناك بعض الإشارات والرمزيات، ولكنها قليلة قليلة قلية جدا جدا.. هناك خيبة أمل كبيرة بعد قراءة هذا الديوان، وفي نفس الوقت أنا سعيد بمعرفتي بإنسانة جميلة وادعة رحلت عن دنيانا عام 1991م. الكتاب من إصدارات دار التكوين يقع في 294 صفحة الصادر عام 2018، وهو من القطع الكبير.
مراجعة #الأعمال_الشعرية_الكاملة للشاعرة السورية الراحلة #دعد_حداد تحت عنوان #أنا_التي_تبكي_من_شدة_الشعر 📝 :
شعر ممتع قرأته على مراحل كعادتي حين قراءة الشعر. شعر مميز ومنفرد،شعر سوداوي ،بين السيريالي والرومنطيقي وهذا ماجلبني.أظن أن هذا ما جعل دعد "إمرأة لا تشبه إلا نفسها" كما يقول الشاعر السوري نزيه أبو عفش.
ينقسم الكتاب إلى 3 دواوين ومقدمة.
يحتوي على المجموعة الشعرية الأولى "تصحيح خطأ" والمجموعة الشعرية الثانية "كسرة خبز تكفيني"اللتان نُشِرتا في الثمانينات ومجموعة شعرية ثالثة صدرت إثر وفاتها سنة 1991 بعنوان "الشجرة تميل نحو الأرض" كانت أشعارهذه المجموعة دون عناوين وآخرها "ثمة ضوء"وبه كل ما كتبت قبل وفاتها.
الكتاب به مقدمة مفصلة للأعمال كتبها الشاعر والروائي السوري بندر عبد الحميد ،حيث يقول بندر أنه سمع دعد تقرأ بعض قصائدها من مخطوط يدوي بحضور الشاعرين علي كنعان وممدوح عدوان،فاستعار المخطوط وكتب عنها مقالا مطولا وأعطاه لزكريا تامر لينشره في مجلة الموقف العربي سنة 1973.
الكتاب أيضا يحتوي على بعض صور لمخطوطاتها وقصائدها التي كتبت خاصة قبل وفاتها وقد احببت جدا ذلك.
في منتصف السبعينات إلى اول التسعينات كانت دعد حداد تنشر قصائد مختلفة عن معاصريها تتميز بأحلام واحزان تخصٌها وتتميز بالإنسانية وكانت منفردة في أسلوبها مع نزعته السريالية. نُعِتت دعد حداد بالشاعرة المارقة والساخطة والمتمردة على الواقع والقيود الإجتماعية وقيود كتابة الشعر ويظهر هذا جليا في هذا العمل.
أحببت كثيرا هذه الأعمال لما تحمله من مشاعر وأحاسيس.كل ديوان من الدواوين الثلاث يتميز بطابع خاص،لكن ثلاثتهم يشتركون في الثورة والسخط الداخلي للشاعرة وخاصٌة الرغبة في الرحيل وصور الموت القريب.
الديوان الأول"تصحيح خطأ الموت" يتميز بالصور الطبيعية المختلفة والجميلة،صور الأطفال طاغية وصور الطفولة والبراءة ومن جهة أخرى هناك حزن وعتمة و ظلام وكل ما يمثل الاماكن المغلقة والمعزولة، يعكس على ما يبدو وحدة الشاعرة وآلامها. أحببت كثيرا قصيدة " المرأة"،"شاي معقم"،"تصحيح خطأ الموت"،"الحب"،"لماذا تعصف الريح بي وحدي","العيشمر".
الديوان الثاني "كسرة خبز تكفيني"،جميل جدا رغم كل الآلام والتشاؤم الذي يحمله.دعد تكتب عن الشيخوخة،مرور الزمن،عن العمر وعن الفناء. تكتب عن الذكرى والنسيان والوداع والرحيل والسفر. تكتب عن الحب والحرية وعن السجن والمجهول. تكتب عن الهجران والجفاف والقحولة والأماكن الخالية والموحشة. عذابات،بكاء،قهر وألم متواصل. كل هذا يتخلله صور عن وحوش ودماء وقبور وخلاء وأرواح وإنت_حار. أعجبتتي العديد من القصائد في هذه المجموعة منها "أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها،أنا إبنة الشيطان","ال��حيدون"،"فوق الأرصفة المعتمة","إقبضوا على ناتاشا تولستوي"،"كسرة خبز تكفيني"،"لا تحزني يا نجوم السماء"
الديوان الثالث "الشجرة التي تميل إلى الأرض" هذه المجموعة هي الأكثر سوداوية وبدت كرسالة رحيل للشاعرة،تُعلن فيها موتها بين السطور. فيها كالعادة حزن وألم وبحث عن الراحة الأبدية وعن النهاية. تشكو الهموم والشعور بالوحدة وتشكو من عزلتها القاتلة والصمت الذي يحوم حولها. تعبر عن أمنيات وأحلام لن تتحقق. وجود الأطفال في هذه المجموعة طاغ. وأخيرا "ثمة ضوء" تبدو كخربشات لم تكملها الشاعرة كلها وجع. شعر دعد حداد كان إكتشافا،يعكس روحها المتألمة وشعورها اللامتناهي بالقيود والوحدة. ماتت وهي وحيدة ومنعزلة كما ذكرتةفي كلماتها.
رغم سوداوية شعر دعد إلا أنه جميل جدا ومنفرد وقد وجدت فيه تشابها بعض الشيء مع شعر الشاعرة المصرية الفرنسية جويس منصور. أعمال تستحق القراءة♥️
In her poetry world, the sun is red. The moon is purple. Snow is ubiquitous. Winter is eternal. Childhood is made too ephemeral. Love is a tattered draft. Lonely women have mastered the game of waiting. Everyone is watching everyone through stained glass—sometimes through shattered glass. A khaki sweater is a poor woman’s fluffy mattress. There’s a guard at every place worth the trip. Mice carry guns. Monsters steal love, not money or Solomon’s mines. Silent poets destroy the world. Books open their mouths, hungry for freedom. A flower blooms in the throat at the break of silence. Death dries up.