لو كانت للحرب السورية حسنة واحدة فهي الأعمال الأدبية الجميلة التي تفجرت في أعقابها و ربما بسببها و هذا واحد من تلك الأعمال المميزة. تذكروا اسم وهاج جيدا فهو اسم على مسمى إن استمر في هذا الطريق فتذكروا أنني أول من أعلنها على الملأ. لا تخدعنك النجوم الثلاثة أبدا فهي لا تقلل من تميز هذا العمل الذي هو العمل الأول لكاتبه الذي أحسن اختيار موضوع من قلب معاناة الحرب السورية و نسج قصته بحرفية كبيرة معددا من أصوات رواة العمل بكل تمكن و اقتدار و بشكل مشوق للغاية و لغة عربية جميلة و سليمة و رصينة.
تحاشي الكاتب دروب السياسة و آثر أن يمشي بين ألغامها ما استطاع إلى ذلك سبيلا و هي نقطة سلبية لا نستطيع أن نأخذها عليه في ظل الظروف الراهنة و إن كنت أتعشم أن يغطي هذا النقص ببعد فلسفي أكثر و أعمق إلا أنه اختار هذا الإطار البسيط ربما للوصول إلى شريحة أكبر من القراء في عمله الأول.
رواية تخرج منها مثقلاً، مندهشاً بجمال المحاولة الأولى والخطوة الأولى التي تنبأ بدرب أدبيّ يخطف العقل والقلب. تدور الأحداث في بلد الأحداث، سوريا وتُحكى هذه القصة بلسانين، تجعلك تتعاطف مع كل ما يرويه كل طرف بأسلوب مشوّق يشدّ القارئ حتى الكلمات الأخيرة، مغزى اسم الرواية. وتنقلنا أحداث الرواية بين فترات زمنية قريبة وبعيدة مع بعض الإسهاب اللطيف في بعض المواقف، إسهاباً أتاح فرصة الظهور لأساليب أدبية إبداعية رائعة يمتلكها الكاتب "ذلك المشهد الذي سجلته عيني طفا على مستنقع ذاكرتي، الذي كان أمر جفافه وشيكاً لولاها." ولكن عند قراءة الرواية يحق للقارئ الامتعاض من أمرين هامين: وهما خيالية الحبكات الغير منطقية أحياناً، لأنها تجعل القارئ يتساءل: كيف ذلك؟ بدلاً من الاندماج في الأحداث، والأمر الثاني الذي أود الإضاءة عليه هو مشكلة نسيان ضمائر المتصل المتكررة في الرواية والتي كذلك الأمر تشتت القارئ. الأسلوب كان متناسباً مع الأحداث العاطفية والسريعة، كلًّ في مكانه. اللغة كانت سهلة وسلسة نسبياً محاولة الكاتب تسليط الضوء على قضية اللاجئين في المخيمات والحرب السورية وجمال العطاء بدون مقابل، كل ذلك يجعل للرواية هذا الوهج الجميل. نحو محاولات قادمة أفضل..
اجمل مافي الاطفال النقاء والعفويه كلما كانت الفتاه كطفله كانت ارق واحن وارقي وكلما كان الرجل طفل كان انقي واصفي -------------------- 191 مكالمة فائتة! أين أنتِ؟ في محاولة أبدية، لإثبات خطأ نيوتن، والتأكيد على إمكانية السقوط للأعلى، أو الهبوط نحو السماء، تقول لي: يوما ما سأقفز. كيف حالك اليوم؟ لقد اعتدت ذلك، تجيب على سؤالي عن حالها بمقطوعة موسيقية، ومن المفترض أن أفهم من المقطوعة إن كانت تشعر بتحسن أم لا... بعد الاستماع للموسيقى التي أرسلَتْها هذه المرة، تمنيت أن أكون قد أخطأت الظنّ، وألا يكون إحساسي في مكانه هذه المرة. بم تفكرّين؟! ما يخطر ببالها، لا يمكن أن يخطر ببال أحد، أدهشتني فكرتها عن الأحلام، وأثارت في نفسي عشرات الأسئلة: يجب أن يكون هنالك متجر للأحلام، نذهب وننتقي منه ما نشاء، ندخل إلى غرفة القياس، نقيس أحلامنا التي لطالما حلمنا بها، كما نقيس الثياب، نعاينها قبالة المرآة، ثم نقرر إن كانت مناسبة أم لا، معللة ذلك بقولها: "كتير أحلام حلمتها... ما لبقتلي" ما هي أمنيتكِ الوحيدة؟ أن يبدو الأمر كما لو أنه حادث، وألا يبقى خلفي أيّ أثر، أن تنتهي الحكاية بأقل قدر من التراجيديا والحزن، وألا تبكي أمي. لم أفهم؟! Please! Don't call anyone! ---------------------- لقد صدّقت دام حين غنّت لي: "بكرا الهوى بيسأل علينا... نحنا اللي على دربه مشينا"،
وشعرت بالخيبة، لأنّه لم يفعل، أبداً. كنت أعلم أنني سأكتب عن دام، حين لن يبقى لدي ما أكتبه، وسأستذكر وجودها حين تغيب، كنسمة باردة في ظُهر أيّامي الحارّة. لن أنسى أبداً ما فعلته، سأذكر جميلها بعد عقود من الزمن، حين ألعب مع أحفادي، لعبة الذبابة والجرس، وأنا أغنّي لهم، بصوتٍ لا يشبه صوتها أبداً، كلّ الأغاني التي كتبتها لها. سأتخيّل حين أغمض عينيّ، كيف سيغدو بريق عينيها بينما تتقدم في السنّ، وكيف ستنمحي الهالات السوداء بعد انتظام نومها، وكيف ستكون النتيجة النهائية للعملية الجراحيّة التي ستجريها على جفنيها. لم أصادف في حياتي امرأة عاطفيّة مثل دام، ولم أجد في قلب إنسان رِقّة كالتي في قلبها، أنثى تشفق على الكون بكل أجزائه كما تفعل. تفكر دام بمصير القلم الذي لن تتسع له المقلمة، وتحاول الاعتذار من القميص الذي لم يكن مناسباً للخروج، وتجد طريقة تصالح بها أدوات المطبخ بعد أن تطلب وجبة ما من المطعم، وتسألني عن الأشخاص الذين يجلسون بمفردهم في الحديقة. لذا، أقدّر ما فعلته دام لأجلي أيضاً، أقدر عودتها في ذلك اليوم، وعدم إجابتها على اتصالاتي لاحقاً، أقدر بقاءها في الباص، حين نزلْت، وعدم تلويحها لي وأنا ذاهب، أقدر جيّداً أن ذلك كان يصب في مصلحتي، بطريقة ما، لم أكن أودّ أبداً حدوثها. وهاج🔮
-------------- حليمة! بتتذكريني؟ - لأ، مين أنت؟ لم تكن حليمة شقيقة محمود وحده، بل كانت شقيقتنا كلنا، شقيقة كل الأطفال الذي دفعوا ثمن ساعات اللعب مصروفهم اليوميّ وتوبيخ الآباء، ولم يكن دكّانها الواقع قرب المدرسة "الفوقانية" دكّاناً عادياً فحسب، بل كان رغم ضيقه مساحته فسحة واسعة للسعادة. كنّا نسير إلى حليمة في كل وقت، نطرق الباب الحديديّ، وننتظر بينما تصل بكرسيّها المتحرك، لتفتح لنا الباب، فنتسابق إلى المقاعد الموضوعة قبالة كل تلفاز، ونتشاجر للحصول على "قبضة التحكم الأساسيّة"، ثمّ نبدأ. تمّ إغلاق الدكّان، وذكرياتنا به أيضاً، منذ أن ساءت حالة حليمة الصحيّة، بعد وقوعها عن كرسيّها، وارتطام رأسها بالأرض، حينها إجريت لها عملية جراحية على مستوى الدماغ، ثم طلب الطبيب المختص أن تبقى تحت المراقبة. لحليمة قلب طيّب، أعرفه منذ أن كانت تسامحني كثيراً على تجاوزي وقتي المخصص للعب، ويدان حين ترفعهما ببطء وصعوبة للدعاء، يستجاب قبل أن تنزلهما، إذ يحكي لنا شقيقها محمود أنه في أكثر من مناسبة، ذهب للامتحان دون أن يدرس جيداً، لكنه نجح بفضل دعوات حليمة. كانت لدى حليمة مهارة كبيرة في اجتياز أصعب المراحل في أي لعبة كانت وضد أي وحش كان، نستعين بها حين نشعر بأن الفوز بدا مستحيلاً، الآن، أحاول دون أن تطلب مني حليمة المساعدة، أن أعينها في الحقيقة هذه المرة، على الانتصار بمعركة غير متكافئة ضد: قرحة الفراش. - يا حليمة تذكّري منيح! أنا وهّاج اللي كلما ضيّعوه أهله يلاقوه عندك...