"في البداية تكون الحكاية، وفي النهاية أيضا. هذا ما صرت أومن به. وبرأسي حكايات كثيرة، خلفها تتوارى تلك التي أسميها حكايتي خمس سنوات تلك التي أمضيتها بهذا المحلّ، بهذا الحيّ، بهذه المدينة. خمس سنوات قضيتها مع هؤلاء الناس، مع هذه الحرفة، في هذا العالم الاستثنائي الذي جعلني أعيش بحكايات الناس وأنسى حكايتي، حتّى ظننتني شهريار زمانه، الذي يتلذّذ بسماع الحكايات قبل أن يضرب بمقصّه آخر شعرة زائدة على رؤوس زبائنه. حكايات صارت تجري جريان الدمّ في شراييني، تعمر ذاكرتي، وتثير خيالي. حكايات توقظ فيك شغف الطفولة في تتبّع تفاصيل حكايات الجدّات، حيث تنتصب الأذنان في انتباه، ويَسيل الفضول لعابا لا يجفّ إلا بطرح سؤال جديد قد يزيل بعض الغموض عن شيء مثير للاهتمام
نبيل الفتى القروي المهاجر إلى الرباط في سبيل إتمام دراسته الجامعية والحصول على وظيفة يفتخر بها أهله، ينتهي به المطاف حلّاقا بصالون بحيّ شعبي بتمارة ضاحية الرباط. بعد مدّة يجد نبيل نفسه منغمسا في عالم استثنائي من حكايات يتناقلها ويرويها على مسامعه روّاد صالونه من ساكنة الحيّ. حكايات ترصد عبر تطوّر شخوصها وتفاعلها واقع المجتمع المغربي وتحوّلاته في السنوات الأخيرة، بدء ببحث الفرد عن ذاته وتخبّط الأسرة في مشاكلها الاجتماعية، مرورا بالصراع الأيديولوجي وجشع الرأسمالية الحديثة وغزو تكنلوجيا الاتصال، وصولا إلى إلقاء الضوء على مشاكل مجالات حسّاسة كالصحة والتعليم والسياسية والصحافة... إنها رواية متعدّدة الأصوات، متشابكة الرواة. يحاول عبرها شهريار (نبيل)، إعادة حكي ما التقطته ذاكرته من حكايات عبر صوته هو أو عبر أصوات أبطالها مباشرة
" شهريار يحكي ويقص" هو ثاني عمل روائي للكاتب توفيق باميدا. هو عمل تتعدد خلاله الحكايات وتتقاطع أحيانا دون أن تتقيد ببناء خطي ولا براو واحد للأحداث، ما يجعل من هذه الرواية عملا غير تقليدي يتطلب تركيزا حتى يتمكن القارئ في النهاية من ربط كافة الخيوط وحتى تكتمل لديه حبكات كافة القصص.
فضلا عن بناء الرواية الذي نجح فيه الكاتب بنظري، فهي تتسم بأسلوب لغوي جميل وبقصص تلامس شغاف القلوب وإن كانت قصصا واقعية يعرفها الكثير وربما قرؤوا مثيلاتها أو حتى عاشوها، فهذا لا يقلل من شأنها، بل ربما يغدو العمل الواقعي مرآة لرؤية الذات أو بلسما يخفف الآلام عبر التماهي مع الشخصيات.
ما عاب الرواية في نظري هو تلك المثالية التي اتصف بها عدد من شخصياتها بدءا من الدكتور عمر مرورا بكاتب المقالات أشرف وصولا إلى السياسي فالح، بل حتى زواج عبد الإله المنصوري من نادية كان به شيء من المثالية بعد كل ما تعرضا له من بعضهما البعض.
على العموم تبقى رواية " شهريار يحكي ويقص" عملا مميزا يستحق أن يقرأ وأن ينال حقه من الدراسة والنقد، فترشحه لجائزة زايد لم يأت من فراغ.
في البداية تكون الحكاية وفي النهاية أيضا. شهريار يحكي ويقص! وماذا عن شهرزاد؟ كثيرا ما سمعنا عن الأصل في حكايات ألف ليلة وليلة دور الراوي يستند لشهرزاد. لكن مع باميدا الامر مختلف. تقريبا بنفس الحبكة ماأن تنتهي القصة حتى تبدأ الأخرى، داخل فضاء المحل، حيث نبيل شهريار عصره. الفتى الذي تقوده أقدار العمل من البادية نحو وكر المدينة. حيث تعاش مئات الألاف من الحكايات. بعضها يبقى طي الصمت والأخر يحكى ليذهب مع الريح أو الغرباء...