الغرانيق، ثورة لتحطيم الأصنام في العقول، ودعوة لتحرير العقل قبل الأرض.
مازن عرفة
كم هو بديع ذلك النص الذي التهمتني صفحاته الأخيرة صبيحة اليوم، وكم هو غريب ما حوته هذه الرواية من غرائبية ومجازات وإسقاطات، وترحال بين نواصي سردية ظننتها لا تجتمع بين دفتي كتاب! زلزلتني هذه الكتابة، وابتلعتني كما الرمال المتحركة، فاحتلت قسمًا غير يسير من عقلي، ومن نوبات شرودي لقرابة شهر كامل، رغم صعوبتها، كتابة وقراءة، فهي بالأساس كتابة مرهقة، لم تكن لتنبع إلا من قلم ينضح وجعًا، وروح تتمزق اغترابًا.
كانت تلك هل سابقة القراءة الأولى لي، لأعمال الروائي السوري مازن عرفة، وهي حتمًا لن تكون الأخيرة، رغم كونها الرواية الثانية فقط لهذا المبدع، إلا أنها حملت – من خلال قرابة ٩٠ ألف كلمة - طوفانًا من الشواش والألم، يحمل القارئ العربي، ويدور به مع مدارات الإعصار، حتى يستقر به في قلبه الساكن، لتتشكل أمامه الحقائق تباعًا، ويتوحد الحلم، والخيال، والرواة، في صورة واحدة موجعة، فضّاحة لكل ما جرى ويجري في أوطان العرب في العموم، والوطن السوري الحبيب، على الأخص.
وإذا ما وقفت اليوم على عتبة مكتبتي الصغيرة - التي تحوي مالا يتجاوز ألف كتاب، رتبتهم أبجديًا في البداية، ثم أعدت تصنيفهم حسب تعلقي بالرواية دون إغفال للتصنيف الأبجدي الأول – أقول أنني إذا بحثت اليوم عن موضع للغرانيق بين الأرفف العامرة بالحكايات، فإنني حتمًا سأجد نفسي حائرًا، ميالاً لأن أضع الغرانيق في رف منفصل، يخصص لها، ولا تجاورها أية روايات أخرى. ذلك أن الرواية، من حيث البنية السردية، والتنقل بين عدة أساليب للسرد، وانفصام الرواة، وجرأة التناول، ووجع الحكاء الصادق، مختلفة عن باقي العناوين المتراصة، مع الاحتفاظ بذات القدر من التقدير لكل ما أسكنته أرفف المكتبة من أعمال أدبية متميزة، وفذة.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار معيار تباين الرؤى، وتنوع الذائقة الأدبية من قارئ لآخر، يظل انطباعي هذا منتميًا لذائقتي الخاصة، وتظل القراءة أدناه، قراءة تخص صاحبها، ولا يقصد بها فرض آراء محددة على القارئ.
أستهل قراءتي باقتباس من الصفحة 169 من الرواية:
"في لحظة موته، أوصى أبو فارس ابنه قائلاً:
ذهب الحصان الأبيض الشامخ الجبهة مع الحقول الخضراء، وذهبت معه الحكايات وأيام الرخاء والعز والكرامة، أخذ العسكر كل شيء يا بني، وتركوا لنا بيوت صفيح دون أحلام، وصحونًا نحاسية صدئة نتسول بها بقايا الطعام من معسكراتهم، قاتل يا بني حتى تسترجع الحصان الأبيض، فتستعيد كرامتنا، بدونها لن نرفع رؤوسنا أبدًا"
من هنا يتكئ النص على عتبته الأبرز، ويقف الكاتب مُشهرًا قلمه، ليقدم لنا راوٍ تجاوز مرحلة الفصام، فأمسى أشبه بقنبلة عنقودية تتفجر فتُطلق بين الصفحات عدة رواة منفصمين، الكل يحاور القارئ بذات اللسان، وربما ذات الجسد، والخطاب إما كافكاوي "كما يسميه الكاتب نسبة إلى فرانس كافكا"، والمقصد سوداوي كئيب، وإما مؤلم مغرق في وصف السادية الإنسانية، وإما خيالي سحري يستدعي الكثير من جراب أمريكا اللاتينية الأدبي، وإما غارق في التهكم والسخرية السوداء.
الزمان مُسال بين صفحات الرواية، فلا ماضٍ ولا واقع واضح المعالم من حيث ترتيب الأحداث، لدينا فقط شخوص تتلخص في ذات الراوي، وحكايات تسري بضفافه، وعوالم متباينة تتشكل تباعًا، حتى تكتمل، فيعود الكاتب ليمحوها وكأنها قلاع رملية، قبل أن يبدأ في تشكيل عوالم جديدة، بشخصيات جديدة، تمر حكاياتها بضفاف حكاية الراوي المشطور على عتبات الفصول. ويظل القهر، والزعيم الجنرال، والمواطن المهمش الخوّاف، وأميرة الحلم، حاضرين طيلة الوقت.
غيَّب الكاتب البعد الزمني، فيما اكتفى بوصف دقيق لمطارح تتبدل طيلة الوقت، بما يتسق مع الحالة التي تتلبس الراوي، وحسب الشخصية المستحوذة على فرس لسانه، ووفق الروح الطوافة في عقله المشوش إبان الحدث والحديث، وكل تلك الهويات تتباين بين الفصول، بل وربما تتحول وتتبدل في بعض الأحيان داخل الفصل ذاته. تتباين الأمكنة، دون البوح بالمكان المقصود بالحدث، وإن كان ثوب المروية يمكن إلباسه لأي قرية عربية، ويتسع حتى ينكمش بداخله وطن كامل، هو الوطن السوري الحبيب.
الراوي، المتبعثر كما الشظايا بين الفصول، رجل على هامش الحياة، موظف حكومي، يهرب من الواقع، ومن خوفه الدائم، في ذروة اندلاع الثورة السورية، عبر استدعاء نوبات الخيال، والانخراط في أحلام يقظة تستدعي ماضيًا ولّى بغير رجعة، وتنقله ما بين التاريخ متمثلاً في بيت طيني تجتمع فيه قطع من الماضي، والحاضر مُختزلاً في شرفة تطل على الثورة، ويمتزج فيها الخوف، بالسادية، والأمل.
ذات الخيالات تجمع الراوي المنسلخ من جسد لآخر، بفتاة تتسرب بين الأماكن كثابت أوحد يتجمد الزمان في حضرته، فتاة أميرة، جريئة، تحمل كل نقائضه في ثنايا وجهها، وتحبه في كل صوره؛ تحبه شابًا ثوريًا، وتقبله رجلاً هامشيًا يعيش منبطحًا في شرفته، وتستسلم له في حلمها زعيمًا أسطوري الفحولة. تمثل تلك الحبيبة كذلك، نقيضًا حيويًا لزوجته المترهلة الديناصورية الحجم في القسم الأول من الحكاية، وزوجته الملولة في قسم آخر من الرواية، حيث تضيق بجنونه ونوبات شروده، وتهجره، ليظل الراوي المفصوم في جميع الحالات زوجًا مهجورًا، هجرته زوجته وأبناؤه الأربعة، وللرقم رمز يمثل -ربما- الاتجاهات المختلفة للانتماءات والأيدولوجيات ما بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب. تلك الأحلام، التي تخترق نوبات صحو الراوي، تصور له نفسه في صور مختلفة، يصعب على القارئ الوقوف على شخصية واحدة منها كشخصية حقيقية واقعية، فالعبث هنا يتسع ليشمل عدة مونولوجات متداخلة بين صور متغيرة لذات الشخص، فهو الواقف في الشرفة متابعًا نحر الثورة في ساحاتها، وهو الشاب مطعون الأمل الذي يلملم أشلاء رفاقه ويهرب إلى الأفق الأخضر ليبحث عن فرس أبيض، وهو الزعيم الجنرال الذي يشاطره الرعب، ويتلذذ بتعذيب معارضيه، وهو أمير الأمارة الإسلامية الذي يمر طيفًا في أواخر الصفحات، كانعكاس مماثل للجنرال في استبداده.
ذلك الراوي الممزق بين الفصول، هو إيجاز للذات البشرية المتحولة ما بين أطوار الثورية الحالمة التي أراها فطرة البشر، والعنصرية العسكرية، والسادية بشتى صورها، والتي تتحور في وجدان كل منا وفقًا لمدى النفعية المتحققة على إثرها، فالزعيم في داخل كل منا يتحيّن فرصة الظهور، والموروث الثقافي في العقود السبعة الأخيرة، وما يحويه من قهر وكبت وجوع ومرض وجهل، يمهد الطريق لمشروع دكتاتور مستبد داخل كل منا. والثائر فينا خامل وإن لم يمت، ينتظر معادلة التحفيز ليفور حممًا تفني ولا تبقي، والأمير يسكن معظم العقول المنغلقة، والأمر برمته يفضح شهوة الإنسان للسلطة، وركوب الأعناق الملتوية، عبر عدة أقنعة تحجب ذات الوجه. فكلنا ضحايا، وكلنا جلادون، كلنا عاجزون، حتى عن حك ظهورنا فيما لا تطاله أكفنا، وكلنا جبارون، كلنا متعلقون في شرانق الخيال، وكلنا محطمون لأساطين الدكتاتوريات العربية، كلنا أوفيا نبلاء، وكلنا وشاة جبناء، كلنا نحلم، وكلنا نيأس، وكلنا نَضيع، ونُضيع.
نحن صناع الغرانيق، ونحن عابدوها، ونحن من يحطمها قبل أن يعيد البناء في شكل مغاير، وليس ذلك فحسب، فإنما نحن الغرانيق ذاتها.
لم أدرس النقد، ولا أملك ما يؤهلني لتقديم قراءة نقدية تليق بالخبراء، والقراء، وبالنص، ولكنني أختتم كلماتي عن الغرانيق التي آن الأوان لأن نحطمها في عقولنا، قبل تحطيمها في هيئة التماثيل الصخرية التي تكتظ بها ساحات العرب، بأمرين، أولهما آخر سطور الرواية حين يقول الراوي الذي توحدت فيه كل الوجوه:
"تمسك يدي المسدس الفضي نفسه، أوجهه إلى صدغي، وإصبعي على الزناد، يحكني عندئذ ظهري بجنون في المنطقة التي لا تطالها يدي، ويتصاعد الشواش في رأسي إلى أعلى درجاته وكثافته في تلك اللحظة، فيضغط الإصبع بثقة ودون تردد على الزناد، لتخرج الطلقة... لا أموت أنا، تموت البلاد."
أما ثاني الأمرين، فهو جزء مقتطع من كلمات الكاتب السوري المبدع، الباحث والدكتور مازن عرفة، حين قال في شهادته الشخصية عن كتابة الرواية، والأجواء المحيطة به – إذ غادر سوريا في 2017 فقط:
" أكتب دائماً عن إنسان مأزوم، منفصم، متشظٍ، ولا مكان لدي لتمجيد شخص سيكشفه الزمن “ديكتاتورا عسكرياً”، أو “أمير حرب إسلامياً”، ولا أتحمس لمجموعة سيكشفها الزمن لاحقاً مجموعة إرهابية أو إسلامية متطرفة… أكتب عن المجرم، الذي سيبقى أبد الدهر مجرماً بأفعاله، وأكتب عن الإنسان البسيط المعذب، الذي سيموت بسيطاً ومعذباً… أكتب كي لا تشوه دعاية “المنتصر” حقيقة الموت والخراب الذي نال منا جميعاً… أكتب الحكاية كي لا ننسى، حكايات الشوارع البيوت والحقول، التي دمرتها الحرب، حكايات المصاطب الطينية التي تظللها أشجار الجوز ونشرب عليها الشاي في البلدات، وحكايات الأسواق الشعبية في المدن. حكايات بلا “عسكرة” و”أسلمة”، بلا “بوط عسكري” و”سيف إسلامي”
شكرًا أستاذ مازن على نصك الرائع...
شكرًا على توثيق الثورة السورية الحقيقية كشاهد صادق على أحداثها...
شكرًا لأنني استدعيت خلال كتابة كلماتي هذه، كلمات والدي رحمة الله عليه، عقب انكسار ٦٧ بأسابيع، حين صرخ في وجه أنور السادات بأن تحرير الأرض مرهون بتحرير العقول، لأن العقول المظلمة، لا يمكنها أن توقد مشاعل الحرية...
أ.مازن، لن يهدأ لي بال حتى أقتني روايتك الأولى "وصايا الغبار"
شكرًا لدار نوفل / هاشيت أنطوان على تقديم هذا العمل، وكاتبه، في صورة بهية تليق بكليهما، وفي ثوب أنيق يليق بالدار وجماهيرها.
وللقارئ العربي أقول، رجاءً؛ لا تدع هذه الرواية تفوتك.
#محمد_سمير_ندا