صلاح منتصر، كاتب وصحفي مصري شهير بجريدة الأهرام وصاحب عمود يومي بعنوان مجرد رأي. كان صديقاً للكاتب المصري الراحل عبد الوهاب مطاوع. بتبنى حملة ضد التدخين ويركز على ذلك في عموده اليومي في شهرفبراير تزامنا مع اليوم العالمي لمكافحة التدخين.
صاحب كتاب الذين غيروا في القرن العشرين يعرض فيه بطريقه شيقة أهم الأحداث وأهم الشخصيات التي أثرت في القرن العشرين ويلقي الضوء أيضا على أهم الاختراعات التي أثرت في هذا القرن.
كتاب يقع في 143 صفحة صادر عن "دار أخبار اليوم"، وهو شهادة الكاتب الصحفي الكبير صلاح منتصر وقد ناهز الرابعة والثمانين عامًا، يُقدم عبر صفحاته قراءته لجزء مهم من تاريخ مصر، وهو تاريخ حركة الضباط التي عُرفت بثورة 23 يوليو 1952 وحكم جمال عبدالناصر.
يقول صلاح منتصر في مقدمة الكتاب:
"وجدت أنه إذا كانت هناك شهادة يمكن أن أقولها عن ثورة يوليو، وقد عاصرتها من أول يوم وبدأت مشواري الصحفي في يناير 1953، بعد أقل من ستة شهور، فهي في هذه السن، وإلا متى يمكن أن أكتب هذه الشهادة، ومتى أكون أمينًا في شهادتي، وقد أصبح بيني وبين محطة الوصول النهائية إما ساعات أو أسابيع أو شهور أو سنوات، الله أعلم! أمنيتي أن أكون رويت بأمانة شهادتي كما رأيت وسمعت وعاصرت، وأن تكون عونًا لأجيال لم تكن حاضرة، أو حضرت ولم تعرف، أو عرفت ولم تفهم."
يتكون الكتاب من ستة فصول، جاءت كالآتي:
الفصل الأول: حركة يوليو ونهاية عصر الملكية
- الحركة المباركة - رحيل فاروق وإعلان الجمهورية - الإصلاح الزراعي وحل الأحزاب - سنوات الكفاح والانفراد بالسلطة
ص 9 - 21
في 23 يوليو 1952 قامت حركة الضباط الأحرار بإنقلاب عسكري نتج عنه رحيل الملك فاروق عن البلاد. في 9 سبتمبر 1952 صدور قانون الإصلاح الزراعي وصدور قانون تنظيم الأحزاب السياسية. في 10 ديسمبر 1952، أعلن مجلس القيادة سقوط دستور 1923 م. في 17 يناير 1953، أعلن مجلس القيادة حل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها. في 17 يناير 1953 أصدر القائد العام مرسومًا بقانون حل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها، وتم تطبيق قرار الحل على جميع الأحزاب السياسية، بينما استثنيت جماعة الإخوان المسلمين رغم كونها جماعة سياسية تتخذ الدين لترويج دعوتها. في 18 يونيو 1953، ألغيت الملكية وأُعلنت الجمهورية، وأصبح محمد نجيب أول رئيس للبلاد. في 14 نوفمبر 1954، اعفاء محمد نجيب من رئاسة الجمهورية. في 23 يونيو 1956 أصبح جمال عبدالناصر رئيسًا لمصر.
كتب صلاح منتصر صـ 17: "احتاج جمال عبدالناصر إلى أربع سنوات كاملة، من يوليو 1952 حتى يونيو 1956، حتى يتمكن من الانفراد بالسلطة والظهور عالميًا، وانتخابه لأول مرة رئيسًا للجمهورية في استفتاء جرى يوم 24 يونيو 1956، حصل فيه على 99.88%، وذلك بعد إقرار الدستور الجديد في 16 يناير 1956."
الفصل الثاني: ثورة يوليو وعلاقتها بالأمريكان
- محاولة أمريكية لحل الصراع العربي الإسرائيلي - إهانة أمريكية شديدة لمصر - معركة كرامة أولًا - سنوات القوة والزعامة
ص 23 - 42
الخطة الأمريكية "المشروع ألفا" لحل الصراع العربي الإسرائيلي. في 27 سبتمبر 1955، عبدالناصر يعلن عن صفقة سلاح سوفيتية. سحب أمريكا والدول الغربية تمويل مشروع بناء السد العالي عقب صفقة الأسلحة السوفيتية وتوجه عبدالناصر تجاه الشرق. أمم عبدالناصر قناة السويس ردًا على ذلك.. فحدث العدوان الثلاثي على مصر.
يقول صلاح منتصر صــ 25: "يحمل تاريخ القضية الفلسطينية فرصًا كثيرة ضاعت لعل أهمها وأكثرها جدية تلك التي حاولتها أمريكا مبكرًا عام 1954 لإنهاء الخلافات العربية الإسرائيلية والتوصل إلى سلام بين الطرفين يمكن بعده تعاون دول المنطقة لمنع وصول النفوذ السوفييتي لها."
وصــ 33: "رفض عبد الناصر محاولة أمريكا - تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل - خوفًا من تأثر زعامته، بينما الزعيم الحقيقي هو الذي يقد شعبه إلى ما يجب، وقد أضيف أيضًا أن الشعارات التي كانت تغلب وقتها على العرب ما كانت تتقبل المحاولة بسهولة.. وانطوت صفحة من أهم صفحات الأمل وسرنا في الطريق الذي قطعناه ما بين الانتصار والانكسار."
وصــ 41: "في ذلك الوقت - الخمسينيات - كانت الزعامة تقوم على الخطابة، وكانت وسائل الإعلام محدودة، فلا تليفزيون لا فضائيات أو إنترنت أو فيسبوك، وعن طريق الراديو نشر عبدالناصر عربيًا زعامته، وكانت الهتافات تتردد باسمه، خاصة في سوريا: "عبدالناصر يا جبار.. يا محطم الاستعمار". تغير ذلك كثيرًا فيما بعد، ولم يعد الزعيم هو الذي يُجيد الخطابة ويُشعل حماس المواطنين، وإنما أصبح الزعيم هو الذي يبني ويُصلح بلده ويدفعها للتقدم كما فعل "لي كوان يو" في سنغافورة، و"مهاتير محمد" في ماليزيا، و"زايد بن سلطان" في أبوظبي وغيرهم.. ولكن حتى بداية عام 1958 كان اسم عبدالناصر يُحلق في سماء المنطقة كنسر طليق قوي تتطلع إليه شعوب المنطقة."
الفصل الثالث: مصر وسوريا.. وحدة وانفصال ومؤامرات
- بين مصر وسوريا - العبارة الشهيرة للقواتلي - وبدأت المشاكل والمؤامرات - في يوم الانفصال - ضحايا الانفصال - ثورة في العراق - تأميمات وحراسات واعتقالات
ص 43 - 78
الوحدة بين مصر وسوريا، ثم الانفصال.. وإصابة عبدالناصر بعقدة سوريا، مما أدى لقراره بتأميم كافة المصانع وشركات القطاع الخاص المصرية. صدر القرار بـ:
- تأميم نحو 800 شركة مصرية. - تحديد الحد الأقصى للمرتبات بمبلغ 5000 جنيه سنويًا، أي 416 جنيهًا شهريًا. - فرض ضريبة تصاعدية على الدخل تصل إلى 90% لمن يزيد دخله السنوي عن 10 آلاف جنيه، زيدت بعد ذلك إلى 95%. - وضع ضرائب تصاعدية على العقارات والمباني السكنية. - قصر عمل أي فرد على عمل واحد فقط وعدم جمعه أكثر من عمل وإلا تعرض للعقوبة.
نقل منتصر عن مذكرات عبداللطيف البغدادي، الجزء الثاني، صــ 121: "من ضمن الأسباب التي أوصلت الحال إلى ما وصل إليه أسلوب عبدالناصر في الحكم، فالشعب لم يكن له دور إيجابي في السياسة التي تُرسم له. وكان هذا الوضع له خطورته في سوريا ومصر على السواء. فتنظيم الاتحاد القومي كان تنظيمًا فاشلًا ولا يُشارك في وضع السياسة العامة للبلاد. ومجلس الأمة، سلطة الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة، أصبح أضحوكة للجميع. والصحافة لم تقم بدورها الطبيعي في ابداء الرأي الحر ومناقشة ما كان يجري من أخطاء، وإنما اقتصر دورها في الغالب على التمجيد والتهليل للحاكم. وكانت هناك محاباة زائدة لضباط الجيش الذين تركوا خدمته، فقد أصبح لهم الأولوية في شغل المناصب الرئيسية في الشركات أو التعيين في سفاراتنا بالخارج، والشعب كان ينظر إلى ما يجري حوله ولا يملك من أمره شيئًا إلا أن يُعلّق على ما يجري كعادته بنكاته وقفشاته."
كتب صلاح منتصر صــ 71: "كانت لسنوات تربيتي في مدينة دمياط تأثيرها الكبير على تقديرب الشديد للقطاع الخاص وكفاح أفراده في العمل الشريف الذي يؤدونه، فقد تربيت في مدينة عبارة عن خلية نشاط وعمل في صناعات الأثاث والأحذية والألبان والأسماك والأرز والتجارة والسياحة - مصيف رأس البر -، وفي أسرة متواضعة تعمل في صناعة الحلويات، ومن معمل صغير راح ينمو حتى أصبح معملًا من ثلاثة أدوار، وعربات تجوب الدلتا حاملة إنتاجها مُحققة ربحها الشريف. ولم تكن الأسرة إلا نموذجًا لآلاف الأسر في كل مصر، ومن عاش الحرب العالمية الثانية بين ٣٩ و١٩٤٥ يتذكر كيف أنه رغم إغلاق موانئ الاستيراد بسبب الحرب إلا أننا لم نشعر بالحرمان من أي سلعة باستثناء الغاز والكيروسين الذي كان أساس الإضاءة بلمبات الجاز وتشغيل "بوابير الجاز"، الوسيلة الأساسية للطبخ وتسخين الماء، فأصبح بيعه بكوبونات. غير ذلك لم نُحرم من أي شئ، وقد استطاع القطاع الخاص أن يُعوض بجهده نقص لمبات الجاز والأكواب الزجاجية التي كُنّا نستوردها ونقص السكر بإنتاج ما عُرف بالجلوكوز، وهي مادة سكرية تُنتج من البطاطس، ومن يقرأ كتاب الأستاذ عمر طاهر الذي أسماه "صنايعية مصر" يستطيع أن يعرف دور القطاع الخاص في مصر قديمًا، وهو دور لم يختف، فقد كتب عمر طاهر عن الراحلين، بينما في خريطة الأنشطة المختلفة حاليًا كثيرون أقاموا عشرات المدن والمصانع وعمّروا صحاري كانت في شرم الشيخ والغردقة والساحل الشمالي، حولوها إلى أجمل البقاع. ولهذا لم أستطع أن أجد سببًا مقنعًا للتأميمات التي صحونل عليها ٢٠ يوليو ١٩٦١، وأن يذهب أصحاب المصانع هذا الصباح فيجدون مصانعهم محاصرة بالدبابات والحاسبات في البنوك تم وضع اليد عليها، وحتى السيارة التي ذهب بها صاحب المصنع إلى مصنعه لم يعد يستطيع أن يستقلها. وكان تأثري كييرا بالفنان محمد فوزي الذي مازلنا نعيش على أغانيه وأفلامه، وقد جمع كل ما كسب لانشاء أول شركة في الوطن العربي للإسطوانات من جهده وتعبه، لكنهم يرحموه واستولوا على ثمرة كفاحه، فأصيب بسرطان العظام وانخفض وزنه إلى ٤٠ كيلوجرامًا، ومات في حسرة أصابت كثيرين جرى تأميم ممتلكاتهم."
وصـــ 73: "كان معنى قرارات التأميم وزيادة الضرائب التي أصدرها عبدالناصر في ٢٠ يوليو ١٩٦١، بصرف النظر عن أهداف الدولة، إلغاء الحافز الفردي الذي هو أساس أي نجاح وتحويل أي كسب إضافي يُحققه الفرد للدولة في صورة ضرائب، الأمر الذي نتج عنه توقف حركة بناء المساكن، وتآكل نشاط الأفراد، وانتهاء دور القطاع الخاص، وانفراد القطاع العام بسباق للتنمية بلا منافس، واعتماد الفرد على دور الدولة في توفير احتياجاته بشرط أن يبقى مطيعًا في ظل الاتحاد الاشتراكي. وفيما بعد ظهرت نتائج هذه القرارات في أزمة المساكن الطاحنة التي شهدتها مصر وارتفاع معدلات البطالة بعد أن جاء الوقت الذي عجزت فيه الدولة عن الاستمرار في التعيينات، وانتشار الفساد الذي وُلد ونما في ظل القطاع العام."
الفصل الرابع الصراع العربي بداية الطريق إلى النكسة
- الحرب في اليمن - بين مصر والسعودية وحرب اليمن - جرائم لجنة تصفية الإقطاع
ص 79 - 92
عقدة سوريا قادت عبدالناصر لإرسال الجيش المصري إلى اليمن عام 1962 ودخوله في صراع مع المملكة العربية السعودية وحرب على الأراضي اليمنية. حادثة كمشيش وجرائم لجنة تصفية الإقطاع التي ارتكبت في عهد عبدالناصر.
كتب صلاح منتصر صــ 82: "لولا جرح الانفصال عن سوريا الذي ترك آثاره العميقة في نفس عبدالناصر لما قرر "طريق الحرب" في اليمن."
وصـــ 84: "إذا كان هناك حرب ينطبق عليها وصف "الاستنزاف" فعلًَا فهي هذه الحرب التي دخلتها مصر في اليمن، وكانت نموذجًا يتم تدريسه لاستنزاف قدرات وطن وإمكانيات شعب ودماء قوات نظامية وجدت نفسها ضحية الجهل والتآمر."
الفصل الخامس
النكسة ونهاية ثورة يوليو
- أمريكا والعرب والقرار 242 - حرب الاستنزاف ومشروع روجرز
ص 93 - 120
اعتبر صلاح منتصر أن نكسة 5 يونيو 1967 هي شهادة وفاة ثورة 23 يوليو، فقد هزمت مصر في ثلاث ساعات ونصف فقط! بدأت مصر بناء جيشها من جديد، ثم خاضعت معركة الاستنزاف.. ثم رحل جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970م.
كتب صلاح منتصر صــ 95: "لا تقع الأحداث الكبرى - مثل هزيمة يونيو 67 - فجأة، بل إنها تبدأ صغيرة وتكبر في طريق واضح أنه سيؤدي إلى ما وصلت إليه، ولكن إحساس التعالي والخداع والحكم ا��فردي والثقة المفرطة يحجبون الحقيقة إلى أن تقع، فنكتشف أن ما حدث لم يكن مفاجئًا."
وصــ 103: "آمنت بشدة بعبدالناصر، وفي كل خطبة ألقاها كان يُسعدني أن أتولى تقديم هذه الخطبة في الصفحة الأولى للأهرام بمقدمة وافية تُغني من يريد عن قراءة كامل الخطاب. كم عدد الخطابات التي ألقاها؟ عشرات أم مئات؟ لا أذكر، فقد كنت حاضرًا في كل منها. لكن مصيبتي كانت في الإحساس الذي استولى علي عندما اكتشفت أننا هزمنا من أول يوم، بل من أول ساعة. ومع ذلك قدمت للقراء أخبارًا فاسدة مغشوشة وكاذبة على مدى أربعة أيام، وصفت لهم النصر بينما الهزيمة تُذل رءوسنا من أول لحظة. كانت الحقيقة على بعد أمتار منّي في غرفة وكالات الأنباء، لكن لا أحد في هذا المبنى الذي ينقل الأخبار إلى الناس عرف شيئًا منها، ولم يتح لي أن أقرأ سطرًا منها. ولم يُتح لي أن أقرأ سطرًا منها. ولم يكن هذا حال الأهرام، وإنما حال كل مصر!"
وصـــ 120: "وبرحيل جمال عبدالناصر غربت شمس ثورة يوليو، ولم تعد التنمية كما كانت في بداية جمهورية عبدالناصر هي الهدف، وإنما أصبح تحرير الأرض المحتلة هو الهدف الأول والثاني والثالث."
الفصل السادس
شهادتي على الثورة
- حصاد ثورة ناصر - أهل الثقة وأهل الخبرة - حصاد إنسان الناصرية - أليست هناك إيجابيات؟
ص 121 - 142
حصاد ثورة ناصر
أولا: سوريا أضرت بنا ثانيا: القضاء على الإقطاع وتفتيت الملكية الزراعية ثالثا: تخفيض الإيجارات وأزمة السكن رابعا: الديموقراطية والفنون خامسًا: أهل الثقة وأهل الخبرة سادسًا: قيادات القوات المسلحة سابعًا: الحل الاشتراكي ثامنًا: حصاد إنسان الناصرية
كتب صلاح منتصر صــ 124: في فترة عبدالناصر تعودنا التصفيق لكل مايتخذه عملا بقول العبقرى صلاح جاهين فى أحد أغانيه: "قول ما بدا لك إحنا رجالك"، إلى أن جاءت موقعة الخامس من يونيو 1967، وتوليت دون أن أعرف تقديم الأكاذيب للقارئ عن معارك لم تحدث، وطائرات لم تسقط، في الوقت الذى كانت الحقيقة ترسلها وكالات الأنباء فى الغرفة المجاورة لي، لكن لا أستطيع دخولها بسبب إغلاقها ومنع الإقتراب منها إلا لسكرتيرة الأستاذ هيكل. وكانت صدمة ما بعدها صدمة عندما تكشفت الحقائق، جعلتنى أعيد التفكير فى القداسات التى آمنت بها وأن استعيد بعد وفاة عبد الناصر «الوعى المفقود» الذى عبر عنه بعبقرية بالغة الكاتب الكبير توفيق الحكيم فى كتابه «عودة الوعى». ورغم هذا يشهد الله أننى لم أكره عبدالناصر بل كنت أقول بينى وبين نفسى أننى مغتاظ منه لأنه لم يسبق أن أعطى شعب لحاكم ما أعطاه شعب لعبدالناصر، وأنه لو أحسن اختيار الوسائل لكانت مصر اليوم رغم الهزيمة فى وضع آخر مختلف."
وصـــ 126: "لم تنته آثار سوريا بالإنفصال، بل ظلت حاضرة في مختلف الأحداث والقرارات المصيرية التي شهدتها مصر. فعقدة سوريا هي التي كانت وراء قرار تورطنا في إرسال قوات إلى اليمن لتحارب لمدة خمس سنوات على بعد ثلاثة آلاف كيلومتر في أرض جبلية لم يسبق لقواتنا أن عرفتها، وطريقة حرب عصابات لم يسبق أن مارستها، وطبيعة غريبة للعدو الذي تُحاربه تتميز بالغدر والخيانة، وجبهة بلا مطارات مما جعل الطيارين المصريين يقومون بغاراتهم من مصر وعند وصولهم اليمن يُسرعون للتخلص من حمولاتهم للعودة إلى قواعدهم في مصر مع ما تتكفله كل رحلة. وعلى أرض اليمن استشهد عدد كبير من رجاب قواتنا، كما تبدد رصيد مصر الذهبي، وأيضًا قيمة ما جرى تأميمه من شركات الأفراد والقطاع الخاص عام 1961. وبسبب حرب اليمن تأجلت مناورات الجيش المصري وانخفضت ميزانية الصرف على قواتنا في مصر، مما جعلنا ندخل حرب يونيو، التي تورطنا فيها، دون أي ملاجئ بنيناها لتحمي طائراتنا في المطارات، لعدم وجود الأموال اللازمة لذلك. وهكذا ففي ساعات قليلة، وفي مطارات مفتوحة وطائرات عارية، تمكنت إسرائيل يوم 5 يونيو وفي 3 ساعات من تدمير 85% من سلاحنا الجوي، وقد كان السبب في حرب يونيو لهفتنا على استرضاء شعب سوريا، وهكذا ما أن جاءنا خبر حشد إسرائيل قواتها على الجبهة السورية، وهو ما تأكد عدم صحته بعد 24 ساعة، إلا أن القيادة السياسية بدافع من عقدة سوريا أسرعت وقررت دفع البقية الباقية من قواتنا الموجودة في مصر وكأننا دولة عظمى، لتعبر القناة إلى سيناء دون أن يكون لديها مهمة واضحة أساسها هل تهاجم أم تدافع. وهكذا دخلت مصر حربًا افترضت إسرائيل، وأيدتها أمريكا، بأننا أعلناها بينما لم نكن مستعدين لها، وغيرت نتيجتها تاريخ الصراع، فرغم حرب أكتوبر، إلا أن المنطقة مازالت تدفع الثمن. وحتى بعد حرب 73 يوم السادس من أكتوبر التي عبرت فيها قواتنا بشرف وكرامة هزيمة 67، فإن استرضاء سوريا والتخفيف عنها في هذه الحرب، هي التي دفعت القيادة السياسية إلى تحريك القوات المصرية يوم 14 أكتوبر وهي في أوج انتصارها لتتقدم خارج مظلة الصواريخ، مما أدى إلى خسارتنا في هذا اليوم ضعف كل الدبابات التي خسرناها في الأيام العشرة السابقة وحدوث الثغرة. ورغم أن السادات قام بزيارة دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد قبل يومين من زيارته القدس في 19 نوفمبر 1977، شارحًا به نواياه في الزيارة، مناشدًا إذا لم يستطع الأسد مساندته فعلى الأقل لا يغمد خنجرًا في ظهره وهو يبدأ مهتمه التي يضع فيها روحه على كفه. إلا أن الرئيس حافظ الأسد - من أول لحظة - وقف ضد المبادرة وساعد على تكتيل العراق وليبيا ضد السادات، وهو ما شجع إسرائيل على استغلال الفرصة وتبديد المبادرة الشجاعة حتى يستسلم السادات لشروطهم. وصحيح أن السادات لم يستسلم، ولكن كان لموقف العرب بالتأكيد أثره على عدم تحقيث المبادرة كامل أهدافها التي كان يمكن أن تحققها، خاصة بالنسبة لسوريا والفلسطينيين، لو أن العرب ساندوا السادات أو على الأقل يوجهوا له الطعنات التي وجهوها له في أصعب المواقف. لقد كان مطلوبا أن ترهن مصر تحرير أراضيها في سيناء حتى يرضى الأسد، لكن مصر نجحت في استعادة جميع أراضيها المحتلة، وبعد عشرين عامًا سار الفلسطينيون في الطريق الذي رفضوه، وتغيرت ملامح الأرض السورية المحتلة في الجولان بسبب المستوطنات التي جرى بناؤها هناك، في الوقت الذي ازدهرت فيه سيناء بالمنتجعات والمشروعات التي غطت سواحل البحر الأحمر."
وصــ 131: "لم يكن ممكنًا لعبدالناصر أن يحكم مصر بدون قوة شعبية يستند إليها، فكانت البداية "هيئة التحرير"، ثم "الاتحاد القومي" الذي تغيّر إلى الاتحاد الاشتراكي بمفهوم جمع فئات الشعب في إطار واحد يُؤيد الحاكم، وأهم من ذلك يحارب "أعداء الثورة". ونتيجة لذلك اتجه العمل السياسي إلى دعم العمال والفلاحين على حساب الأفندية والمثقفين، مما أدى إلى تدهور الطبقة الوسطى التي تولت على مر السنين حماية قيم وفنون وآداب مصر، وهي التي يستطيع أن يراها جيل اليوم في جمهور حفلات أم كثلثوم عندما تنتقل الكاميرا من مسرح "الست" أمام الميكروفون إلى المستمعين الذين يتجمعون في صالة إحدى دور السينما، رجالًا وسيدات، يجلسون في شياكة، يستمتعون بالأغاني التي استخدمت كلماتها أرقى المعاني والأوصاف، والتي تدهورت اليوم إلى ما وصلت إليه، باستثناء فلتات قليلة، لكنها في كل الأحوال لا تصل إلى مستوى ما كانت عليه. لم يعد السبب في تدهور الفنون مؤخرًا خافيًا، فعصر ثورة يوليو ورث الكفاءات والابداعات والقدرات التي وُلدت وتعلمت في سنوات قبل 1952 وطرحت ثمارها في سنوات الثورة. محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي وسيد مكاوي وغيرهم من عمالقة الموسيقى، ومحمد التابعي والأخوين مصطفى وعلي أمين وبهاء ومحمد حسنين هيكل وإحسان عبدالقدوس وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس وأنيس منصور وبنت الشاطئ ولويس عوض وغيرهم من عمالقة الأدب والفكر، جميعهم ولدوا ونشأوا قبل الثورو وامتد عطائهم بقوة بعد الثورة، هو ما ميز فترة الستينيات بعظماء الموسيقى والغناء والتأليف والأدب والفكر.. وكان منتجو الأعمال الفنية يعرفون الجمهور المثقف الذي يُقدمون له أعمالهم ويحترمونه ويخافونه. فلما تدهور هذا الجمهور وانقلب الهرم الاجتماعي التقليدي وأصبح "جمهور الترسو" قديمًا هو زبون الفن اليوم، أصبح المنتجون يهمهم تقديم ما يُرضي هذا الجمهور من "السح الدح إمبة" إلى "إيه"!"
صــ 132: "كانت ثورة 23 يوليو تتشكك في غير العسكريين الذين ينتمون إلى الذين قاموا بها، ومن ثم راحت تتوسع في الاستعانة بهؤلاء العسكريين في مختلف أنشطة الدولة حتى ظهر ما عُرف باسم "مندوب القيادة" في كل مصلحة وإدارة. وبسرعة ساد ما أصبح معروفًا بأهل الثقة الذين أصبح الاعتماد عليهم في مقابل التقليل من أهل الخبرة، وقد أدى ذلك إلى نتائج بالغة أثرت في موروثات المجتمع. فبعد أن كان أساس الترقي هو الكفاءة، ارتفعت درجة التملق لأهل الثقة حتى أصبح لكل منهم حواريون يتنافسون في التقرب إليهم، فانتشر النفاق وساد المنافقون والجهلة الذين يُبلغون عن زملائهم تقربًا، وأصبحت الواسطة هي الأساس في شغل معظم الدرجات وضعفت القيادات التي أصبح اختيارها أساسه "أهل الثقة".. مما أدى إلى ضعف أجهزة الدولة، في الوقت الذي وصل فيه المرض إلى الجامعات والإعلام وربما القضاء."
صــ 139: "كان طبيعيًا أن تُثمر سنوات الناصرية وما بعدها، إنسان اليوم بكل ما اكتسب من "خداع".. فهو يعيش أزهى عصور الديموقراطية، وهو فرعون ابن فرعون، وهو مُعين في عمل لا يعمله، ويقبض مبلغًا لا يكفي حوائجه، يعتمد على الدولة في استكمال حاجته، أو "يفتح الدرج" للحصول على حقه من المواطنين مباشرة."
صــ 140: "كان حلم محمد على باشا أساسا ان يكون لمصر جيش قوى وبالتالى فقد صبت أعماله الإصلاحية من أجل خلق هذا الجيش. التعليم، الزراعة، تنظيم إدارات الدولة وغير ذلك كله، كان الهدف منها بناء جيش قوي مر بتجارب عديدة لإنشائه، وأخيرا وجد أنه لا يسعفه لذلك سوى المصريين، فقرر أن يكون جيشه من المصريين، إلا أنه فى سبيل هذا الجيش حقق الأعمال الإصلاحية العديدة التى حققها وصنعت نهضة مصر.
وعندما شاهد الخديو إسماعيل أوروبا وزار قصورها وميادينها، فقد حلم أن تصبح القاهرة قطعة من أوروبا، فأقام فيها حشد القصور التى أقامها والتى نفاخر بها اليوم، ولولاه لما كان لدينا قصر عابدين أو القبة أو رأس التين أو المنتزه أو الطاهرة.. إلخ.. والتي بلغ ثمن أى واحد منها أضعاف الديون التى اقترضها فى ذلك الوقت.
جمال عبد الناصر كان فى رأيه، وهذا ماكرره فى خطبه، أن مصر هى « كفر البطيخ» وهى قرية صغيرة فقيرة من قرى محافظة دمياط ، وكان أمله رفع مستوى أهالى القرية وتعليمهم وتحريرهم من الإقطاع، والقضاء على ظاهرة عمال التراحيل الذين كان المتعهد يقوم بجمعهم ونقلهم من قرية لأخرى لأداء العمل الشاق المطلوب منهم نتيجة « فحل بصل ورغيف عيش» بثلاثة قروش يتناولونها فى آخر اليوم الشاق.
ولذلك كانت آمال عبدالناصر بالنسبة للمواطن محصورة في الأكل والشرب، وعندما وجد ناس أغنياء اعتبر أن ثراءهم خروج على الدين والشرع، وأن العدل الاجتماعي الذي رفع شعاره "تذويب الفوارق بين الطبقات"، الذي يقتضي الاستيلاء على أموال الأغنياء ومساواتهم بالفقراء.
أما العمل السياسي وتعدد الرأي فكان يعتقد أنه يُعطل مشروع عدالته الاجتماعية، لذلك لم يشجع التفكير الحر وأطلق أوصاف أعداء الثورة والرجعية وغير ذلك من الصفات التي تركت تأثيرًا في تفكير الملايين الصاعدين، حتى بدا لهم أن من يكسب مالا فهو حرامي يمص دم الشعب وهو تفكير ظل تقريبًا حتى اليوم!"
كتاب مهم.. شهادة مهمة.. رصاصة جديدة في جسد الحكم العسكري الممتد منذ 66 عامًا في مصر.
ما أسوأ ما تتسبب فيه القرارات السياسية المنفردة والمحفوفة بحسن النوايا من خسائر لا حدود لها والتي أسوأها علي الاطلاق التدهور في ثقافة المجتمع الذي يدوم ومن النادر أن يعود الي الرقي مرة أخري بعد ما تنحصر دوائر الانتماء وتفسد الأذواق وتموت الضمائر ويصبح مبدأ أنا ومن بعدي الطوفان هو العنوان. تضيع أراضي وأموال وكرامة لا تعود
الأستاذ صلاح منتصر بعدما أفنى عمره الذى يتجاوز 85 سنة فى الدفاع عن السلام مع إسرائيل ، والترويج لسياسات الرئيس السادات ونهجه الاقتصادي والاجتماعى ، قرر إصدار شهادته على عصر الرئيس عبد الناصر ، وفيها كتب ان عبد الناصر أخطأ لما رفض المشروع الأمريكي للسلام مع إسرائيل فى عام 1955، وهو مشروع كان يقضي بعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين لوطنهم ، كما انه كان يفصل مصر عن المشرق العربي ، وعبد الناصر هم سبب خراب الشخصية المصرية لأنه قدم الدعم للمصريين وجعلهم يعتادون على وجود دور للدولة فى حياتهم!!! وعبد الناصر كان حاقد على الأغنياء وتمركس منذ بداية بداية الستينيات من القرن الماضي ، وسرق أموال الأجانب واليهود والأثرياء المصريين ووضعها فى خطط اقتصادية فاشلة ، وعبد الناصر أفسد الفلاحين عندما أعطاهم أراضى ليزرعوها ، فدمر الزراعة ، كما انه قتل الصناعة عندما قرر الزج بالدولة فى عملية التصنيع!! وكان عليه ترك الصناعة لأهلها وهم رجال الأعمال والقطاع الخاص. وعبد الناصر وقع فى شباك إمراة لعوب هى سوريا التى تملك حبها من شغاف قلبه ، وقاده للمهالك ، فقد ساند ثورة اليمن بسبب عشقه لسوريا!!! ووقع فى مصيدة حرب 1967 بسبب غرامه المشبوب بسوريا الفاتنة!! وعبد الناصر بدد ذهب مصر فى جبال وصحاري اليمن ، وحارب الفنون والثقافة وأفسد الصحة والتعليم ، وعادى الأمريكان الطيبين واختار طريق الروس المفسدين!!1 وعبد الناصر قتل الفنان محمد فوزى ، وعبد الناصر هو سبب أزمة الاسكان وطفح المجاري ومطبات الشوارع وإضاءة أعمدة الكهرباء نهاراً واطفاءها ليلاً!! وان عبد الناصر خدع المصريين عندما قال انه يخوض حرب استنزاف ضد إسرائيل ، فحرب الاستنزاف الحقيقية التى خاضها هى حربه فى اليمن التى استنزفت قوة جيشه وثروات شعبه!! - سيل من الترهات والسخافات التى يرددها قطيع اليمين السياسي المطبع مع إسرائيل ، اللاعق لنعال أحذية الأمريكان منذ أكثر من 40 سنة يعيد الأستاذ صلاح منتصر سكبه بحبر أسود على صفحات كتابه. الجديد فى الكتاب ليس فقط هجوم الأستاذ صلاح منتصر على الرئيس عبد الناصر وعهده ، بل ان الأستاذ صلاح يهاجم أستاذه محمد حسنين هيكل الذى كان حسب رأى الأستاذ صلاح يبرر لعبد الناصر كوارثه ، والذى صاغ بيانات حرب 1967 الكاذبة ، فى حياة الأستاذ هيكل كان صلاح منتصر مقرباً منه ، ولم يحدث أن ذكر تلك المعلومات عنه ، ولكن برحيل هيكل أصبح فى شهادة صلاح منتصر ، مبرراتى ومدلس!! أما النظرية السياسية التى يقدمها الأستاذ صلاح منتصر فى شهادته التاريخية فهى ان سوريا هى سبب كل مصائب مصر فى التاريخ المعاصر ، فالوحدة المصرية السورية أضرت مصر ، وكانت سبب لتوقف خطط التنمية!! والسعى للانتقام من انفصال سوريا عن مصر كان هو دافع عبد الناصر لإرسال جزء من جيش مصر لليمن!! وحرب 1967 حدثت بسبب ان النظام السوري تحت حكم " صلاح جديد - يوسف زعين - إبراهيم ماخوس - حافظ الأسد" كان خائناً ومخترقاً من الأعداء ومتآمراً على مصر. والنظام السوري الخائن أضاع فرصة تاريخية لعودة الأراضي المحتلة فى حرب 1967 بمراهقته السياسية. والنظام السوري تحت حكم حافظ الأسد هو سبب الثغرة وفشل معركة تطوير الهجوم فى سيناء خلال حرب 1967. وحافظ الأسد غدر بأنور السادات وطعنه فى ظهره عندما رفض مبادرة السادات للسلام مع إسرائيل. بل ان حافظ الأسد وابنه بشار هما سبب الثورة على مبارك فى مصر لأنهما نشرا ثقافة توريث الحكم فى النظم الجمهورية ، ومبارك أخذ عدوى منهما وأراد توريث الحكم لابنه جمال وفشل. القارئ للكتاب سيخرج منه بانطباع ان وجود سوريا هو وبال على مصر ، وان مصر ستتبوأ مكانها الطبيعى فى صدارة الأمم لو اختفت سوريا من الوجود!!! - فى صفحة 70 من الكتاب ذكر الأستاذ صلاح ان حكم الرئيس عبد السلام عارف للعراق استمر لمدة خمس سنوات من 1963 حتى 1968 ، بينما الرئيس عبد السلام عارف حكم العراق لمدة ثلاث سنوات وشهرين (8 فبراير 1963- 13 أبريل 1966) لأنه توفى فى حادث تحطم لطائرته فى 13 أبريل 1966، وخلفه فى رئاسة العراق شقيقه عبد الرحمن عارف الذى حكم العراق من 16 أبريل 1966 حتى أطاح به انقلاب بعثي فى 17 يوليو 1968، ولكن الأستاذ صلاح دمج عبد السلام وعبد الرحمن عارف فى رئيس واحد!!! شكرا للاستاذ عمرو الصباح