ينقسم الكتاب إلى قسمين: الأول بعنوان “ماتريوشكات العائلة وأنا” وفيه تسرد الكاتبة مقاطع متسلسلة ومتصلة بعضًا من سيرتها االذاتية، وسيرة نساء عائلتها.
أما القسم الثاني فعنوانه “ماتريوشكات من هنا ماتريوشكات من هناك”، وفيه تتحدث الكاتبة عن عدد من النماذج النسائية في التاريخ العالمي، أو في الأعمال الدرامية العربية والغربية.
تقول سلمى أنور في مقدمة الكتاب إنه مستوحى من اسم عروسة الماتريوشكا: “الدُمية الروسية التقليدية الملونة التي تبلغ من العمر ما يزيد على قرن من الزمان، والتي تتخذ شكل بيضة مُغلقة، تفتحتها فتجد بداخلها دُمية أخرى تشبهها تماما لكن تصغرها في الحجم، وهذه الصغرى أيضا تحوي بداخلها دمية أخرى تصغرها وهكذا دمية من داخل دمية حتى تصل إلى القلب الذي هو دمية الماتريوشكا الصغرى في هذا النسق”.
“ماتريوشكا” هو الكتاب الخامس للكاتبة سلمى أنور، بعد كتابها “الله..الوطن.. أما نشوف”، ورواية “نابروجادا”، “الصعيد في بوح نسائه”، وديوان ”سأعيد طروادة إلى أهلها ثم أحبك”.
فكره الكتاب شيقه .. فكره انتا جميعا اجزاء ونماذج مصغره من النموذج الاكبر وهنا تقصد الكاتبه الام والجده وام الجدة الى اخره .. تركيزها على قصص نسائيه سواء كانت واقعيه او من روايات مشهوره او افلام ممتع رغم اعتراضي على بعض الاختيارات الا انها اعطت نظره اخرى من وجهة نظرها لقصص معروفه المحزن مع ان اسلوب الكاتبه بسيط الا انه غير جاذب.. كثره الاخطاء المطبعيه في النسخه المتاحه لي ساهم في فتوري نحوها ..
كيف تنحاز لقضية ما، وإن كانت عادلة، دون الوقوع بفخ النظرة العنصرية لمضادها، كيف تجمع بين الموضوع ونقيضه في ذات الوقت، كيف تنحاز للإنسان وفقط بدون شرك التمييز العرقي أو الديني أو الجنسي، تصنفها النظرة الأولى نسوية منحازة لقضايا النساء، ويصر الأغلب على ذلك، وهي تنفي ذلك بكل إصرار، وهل كل مُصِر صادق، وهل كل صادق مُصِر؟
لنتأمل مليا كيف تكتب سلمى أنور، لنعلم صدق ادعائها من عدمه، بلغة أدبية رائقة، لا تخلو من رصانة الدراسات الأنثروبولوجية و الإجتماعية ومؤثراتها السياسية والدينية، ليس ذلك فقط وإنما متابعة واستقراء السينما العالمية وربطها بقضايا المرأة، والتأريخ لقضايا نسائية متماسة مع ظروف الحروب والثورات، كل هذا، تطرحه سلمى أنور في إصدارها الأخير “ماتريوشكا”، إصدار دار دلتا للنشر، وماتريوشكا هي الدمية الروسية المركبة من دمية كبيرة تحتوي على دمى أصغر منها، و العنوان الفرعي” نساء من داخل نساء”، تماما كما أن الماتريوشكا دمى من داخل دمى، ف “ماتريوشكا” رمز فقط وليس تحيزا ثقافيا.
سلمى مصرية عربية في المقام الأول، أكسبتها أسفارها وإقامتها الطويلة -نوعا- في القارة الأوربية العجوز رحابة إنسانية رائعة، تتبدى جيدا في كل ما تكتب، بداية من روايتها “نابروجادا ” وهو حي الشرق أوسطيين بكوبنهاجن، لماتريوشكا – نساء من داخل نساء-، ينقسم الكتاب لقسمين، الأول منه يشبه السيرة الذاتية تحت عنوان (ماتريوشكات العائلة وأنا )، يتحدث عن نساء نشأت سلمى في كنفهن العائلي الجدات، والأمهات، الخالات، البنات، وعلى مستوى أوسع بنساء عايشتهن أثناء دراستها وعملها وأسفارها، أقول تشبه السيرة الذاتية لأنها ليست سيرة ذاتية محضة، فيها من التوثيقي والتأريخي أيضا، هي شبه سيرة ذاتية، مراوغة بإرادة رهيفة عابرة الأجناسية الكتابية، هو اتجاه جيل كامل من الكتاب فيما يبدو، تمثله سلمى أنور بكل اقتدار، كيف تجدل ضفائر القصة والرواية و السيرة الذاتية والبحث الاجتماعي السياسي، كل ذلك في ضفيرة شعرية رائقة، سواء كان في ماتريوشكا و نابروجادا و كما كان في الصعيد في بوح نسائه والأخير عنوان كتابها السابق .
ولكن ما الذي منع سلمى من البوح الكلي في سيرة ذاتية حقيقية ؟ أراه الرقيب الداخلي المسيطر بكل قسوة وشدة، فهي سيدة شرقية مصرية، مكبلة في النهاية بكل تلك التابوهات، المثقلة بها المرأة العربية في تلك المجتمعات الذكورية الباباوية، فكان اللجوء الشاعري هو المهرب و الملجأ من كل حرج قد تصاب به امرأة شرقية تبوح كتابة .
تنظر سلمى بغبطة جرأة تلك النسوة اللاتي سبقنها في البوح، وتخلصن من كل رقابة كالتركية إليف شافاق في سيرتها الذاتية” حليب أسود “، و الإيرانية آذار نفيسي وسيرتها الذاتية ” أشياء كنت ساكتة عنها”
تقول سلمى ” آذار نفيسي، الكاتبة الإيرانية التي تحدت الهيمنة الفقهية والنفسية لنظام الملالي الحاكم في إيران بتدارس رواية ” لوليتا” سرا مع طلبتها، وهي الرواية الروسية التي رميت بما رميت به من فحش…”
ثم تقرر سلمى، تنفث عن وطأة القيد المحكم المدمي لمعصم البوح “ما أصعب الحكي الذي تقرر فيه أن تتعرى اختيارا، وأن -ياللجبروت- تعري الآخرين معا جبرا و قهرا ..، أنا الأخرى لدي أشياء كثيرة ساكتة عنها، ولكني لا أملك شجاعة “نفيسي” أو ربما لا أملك سنوات عمرها التي تقارب السبعين ، إنها و لاشك سنوات البوح النسائي بلا ارتعاش ..”
تبدأ سلمى بالسرد، ولكنه سرد شعري رهيف للغاية، “حين أستعيد تاريخي، في لقطات من تلك الخاطفة التي لا تبقى إلا إذا اجتهدنا لنستبقيها، أجدني كنت محاطة دوما بنساء كثيرات…”
تلك التفاصيل الصغيرة جدا المكونة لفسيفساء الحكي البديع، غرفة الأم، الأباجورة الملونة، بيت الجدة الأسقف العالية، الحيطان العالية، الحضانة، الحواديت المصورة، ثم الحزن الأول و اللقاء الأول و اليقين الأول “أن الناس يفارقون عالمنا أحيانا إلى حيث لا يرجعون” و موت الخال الأصغر في حادث مروع، لتعرف أن هناك ارتباطا غامضا ما بين الحزن و السواد الذي ارتدته الجدة حدادا لسنوات طوال، تقول سلمى ” ما زلت أذكر جدتي – رحمها الله- امرأة بها بقايا رشاقة و أناقة من تلك التي اتسمت بها نساء مصر في أربعينيات القرن الماضي، أذكر صورتها باللونين الأبيض والأسود في صحبة جدي وهي ترتدي “التايور” القصير الرسمي أمام “كازينو السعادة” أو “الأوقات السعيدة” أو اسم مضحك من هذا القبيل!”
كيف منعت الأقدار الجدة من استكمال تعليمها، كيف تطالع كتابا للقراءة الأولية قبل النوم حتى تتأكد من عدم نسيانها القراءة، كيف توقف بها الزمن على صورة الملك فاروق “ذلك القمر الذي كان و كان زمانه وكان قصره و كان موكبه و كان عرشه ..”
حضن الأم المهرولة بسلمى في خضم عنف أحداث الأمن المركزي، تهشم باص الحضانة” الأزرق الطيب “، حظر التجول، رفع اللثام عن وجه الألم باحتراق أطراف الأصابع و قطع باطن اليد و اكتشاف كيف تشتعل علبة الثقاب و ما هو ملمس شفرة الحلاقة الدامي، ثم مرض عضال يهيم بسببه ملك الموت على الخال الثاني، وفي خضم ذلك اختفاء الخال الثالث في صحراء الجزيرة العربية فرارا من الاجتياح الصدامي العراقي للكويت حيث كان يعمل الخال معلما هناك ..
زلزال التسعينات ، تقول سلمى ” وكنت وسط كل هذا الخراب مشغولة بحذائي الذي ضاع في فوضى الزلزال، ولم يكن بوسعي أن أنضم للنسوة في مداخل العمارة بقدمين حافيتين ..لقد كنت ألعب دور “سندريلا” في حكاية زلزال القاهرة!” هي وغيرها من تلك الفقرات حكايا شديدة التكثيف الشعوري و التعبيري في إطار لحظي زمني خاطف، لتتأرجح بين أشكال القصة من قصيرة لقصيرة جدا، كيف تحولت الخالة الأنيقة الحسناء بعد موت مفاجئ لصغيرها ” سيقرر قلبه التوقف عن العمل دون أن يستأذن أيا منا ..” لتقرر الخالة الثكلى ” سترتدي النقاب، وتكرس عمرها لاثنتين : الدعوة إلى الله، وتنشأة ثلاث ماترويشكات صغار، انجبتهن بعيد فجيعة ولدها، ماتريوشكا تلو الأخرى، تواجه بهن القدر الذي سلبها صغيرها، أو تطمع في دخول جنات الله لأجل خاطرهن على الطريقة الإسلامية…”، مأساة ضياع مدخرات الأسرة بإفلاس الريان و انتظار استردادها، ثم القناعة بالأجهزة الكهربية التي لم تأت ، محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا، مذبحة الدير البحري، هجمات واشنطن، الدراسة الثانوية و الجامعية، تقول سلمى ” كنت في المدرسة الثانوية حين اكتشفت أن في جراج ذلك المبنى المقابل لبيتنا غرفة صغيرة تسكنها طفلة لها ست سنوات من العمر، ولها وجه بدر البدور، ولها أخ أصغر بساقين تنتهيان بلا قدمين قضيت شهورا أراقب “كرملة” ذات السنوات الست بينما تعلم صغيرها -بدأب لا تعرفه إلا الأمهات – أن يمرح دون قدمين، و تتعلم معه أن تتنمر في وجه أطفال الحي ممن يسخرون من القدمين التي لم ينبتهما الله، لسبب لاندريه ….، كنت ابتاع البسكويت “الويفر” ل”كرملة ” ولصغيرها بشكل منتظم من كانتين مدرستي، متسائلة عما غيب أمهما من هذا المشهد ؟ حتى كان ذلك اليوم الذي انغلق فيه تماما باب غرفتهما……، لكني ظللت أتابع شراء “الويفر ” وأكدسه تحت “عقب” باب الغرفة المغلق حتى انسدت الفرجة الصغيرة بأكوام الويفر التي لا يأكلها أحد..”
هي مأساة التهميش والفقد والانسحاق، ومحاولة المساندة و التعاطف، ثم النهاية بالغياب والاختفاء، وأكوام من الويفر الذي لن يأكله أحد، رمزية متكدسة تثير الكثير والكثير من أدوات الاستفهام ..
ثم الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان “ماتريوشكات من هنا ..ماتريوشكات من هناك ” وهي تلمس لقضايا المرأة من خلال عروض كتب وأفلام سينمائية محورها دائما بطلة من بنات حواء، كيف أن بعض الأنشطة اليومية للنساء تفوق في الواقع تلك المؤتمرات النسوية الفارهة كالواشمة البريطانية ” التي كرست موهبتها في دق الوشوم الملونة للنساء الاتي فقدن بعض انحناءات انوثتهن بسبب سرطان الثدي ..”و اليهوديات العجائز اللاتي خلدن ذكر أسر مسلمة عربية وفارسية قمن بإنقاذ أطفال و نساء يهوديات من نيران الهولوكوست النازي، بإقامة معارض صور لتلك الأسر المسلمة في أنحاء الولايات الأمريكية، كيف أن تنظيم “طنط فرحة ” الجمعية و من تقبض أولا لحل مشكلتها، أكثر جدوى بكثير من تنظيم أفخم الفعاليات النسوية في أروقة الأمم المتحدة ..، يذكرني هذا بترجيع صوت رخيم لمدام فيمنست” صدقيني، و من منظور نسوي، فإن أنشطتنا اليومية التي نمارسها كنساء وأمهات هي عين الحقيقة و أصل الأشياء، ومحاولة تسفيهها التقليل من شأنها في مقابل تعظيم انخراط النساء في الحياة العامة هي شأن أبوي ذكوري كما ينبغي للأبوية والذكورية أن تكونا!” “نابروجادا، رواية، سلمى أنور 2014 “
التشيلية ايزابيل الليندي الكاتبة العجوز الشقية وإبحار شيق جدا في كتابها “افروديت” و وصفات افروديت السحرية عن الطعام و الحميمية في لوحة ايروتيكية شهية، لتقرر في النهاية بوضع كتاب “افروديت” بمقدمة خطة قراءتك المقبلة .
آخر إنتاج سينمائي سوفيتي مصري عام 1991 لفيلم “بيت من لحم” قصة يوسف إدريس، وإبراز الخلاف البين بين رؤية يوسف إدريس و المخرج أشرف سمير” للجنس و المرأة و الصمت الموروث عن الشهوة وأحاديثها”
ففي نص يوسف إدريس ” كان الرجل الكفيف متواطئا بدوره، يعرف أن النسوة الأربعة يتبادلن الخاتم بين أصابعهن، كي تظفرن بذات الشبع الجسدي بعد أن
يئسن بفقرهن و قبحهن من الزواج”، رؤية مغايرة تماما للفيلم الذي يضع الزوج في خانة المغرر به، المستغل من قبل النسوة، اللاتي يستغللن عماه لإشباع رغباتهن اليائسة من الاشباع إلا بهذه الطريقة …
ليست كل بطلات التاريخ طيبات، هناك ساحرات شريرات و هناك ريا وسكينة، وأيضا هناك إلسا كوخ، وقصة صعودها من طبقة العمال الفقيرة، لأعلى مناصب الحزب النازي و زوجة ضابط نازي يقلد إدارة معسكر “بوخنوالد” و الذي ستعرف إلسا بوصفها “عاهرة بوخنوالد” حيث كانت تجوب بحصانها المعسكر شاهرة سوطها، بسادية مفرطة، تجلد من تشاء، وتضاجع من تشاء تحت ضربات السياط أيضا، تسلخ فروات الرؤوس، لتصنع بها أغطية لاباجوراتها، تضع جماجم عشاقها السجناء في أركان و زوايا منزلها المرعب، وتكدس هي وزوجها الثروات بخلع أسنان آلالف المعتقلين الذهبية، يحاكمها النازيون أنفسهم، ثم تبرء لعدم كفاية الأدلة، ثم تحاكم دوليا بعد سقوط النازي ويحكم عليها بالسجن مدى الحياة، ليجدوها في أحد صباحات 1967 منتحرة شنقا في غرفة سجنها .
تتحدث سلمى عن ليبوريلا المعادل النسوي ل”ليبوريل” قواد ” دون جوان “بأوبرا “مخادع إشبيلية ” الإسبانية، رواية عنوانها بذات الاسم”ليبوريلا” للنمساوي اليهودي ستيفان زفايج، وهي القوادة القبيحة للنبيل المفلس الواقع تحت سطوة زوجته المعيرة له بافلاسه المزمن، وبورق الشيكولاتة، ودغدغة عواطفها المكبوتة تقع في عشقه، تكتفي فقط برؤية نشوته وسعادته صباح ليلة حمراء مع واحدة ممن جلبتها له ، ثم تتطوع بقتل زوجته، لتخلص حبيبها من أزمته راجية نظرة رضا أو كلمة امتنان من حبيبها، لتنتحر إثر تنكر حبيبها لها، تقول سلمى ” ربما لم تزد “ليبوريلا” على كونها قوادة قبيحة بصوت يشبه صوت الحمار، لكنه يصعب أن يتمالك الواحد منا إشفاقه على ذلك الكيان الذي لا خلاف على أنه كان، في جوهرة امرأة عاشقة ..وإن على طريقتها المضطربة .”
تقول سلمى” يقولون إن بعض الأرواح تتربص بأصحاب البحث و أرباب الكتابة داعية إياهم لإعادة النبش في أوراقهم و إعادة خط تاريخهم، انصافا أو توضيحا أو عطفا على كل ما قيل ..”، وهكذا تتبعت روح الأميرة ديانا سلمى، لتنصفها، و تحكي عن ظروف نشأتها القاسية، وكيف عانت أميرة القلوب، وكيف كسر قلبها بفعل زوج خائن قاسي هو الأمير تشارلز، وكيف فقدت كل من أحبتهم، وكيف حاولت الانتحار ..
و تحكي سلمى عن ضريح الأغا خان، ليحكي بدوره من فوق ربوة صخرية مطلة على نيل أسوان، حكاية السلطان محمد شاه ، الإمام الثاني و الأربعين لطائفة الشيعة الإسماعيلية النزارية، الوريث الشرعي للدولة الفاطمية و كنوزها، كيف وقع في عشق بائعة الورود الفرنسية، وكيف دفن في مصر، وعن رحلة زوجته السنوية في قارب شراعي لتضع على ضريحة وردة حمراء، هكذا منذ وفاة السلطان عام 1957 إلى حين وفاتها عام 2000 لتدفن بجواره،ولتنسج الأساطير على لسان بنات أسوان.
هكذا تنساب حكايات سلمى أنور، تتحدث عن أعمق المشاعر الإنسانية و أصدقها من غير تقعر، بدون تلك اللغة الخشبية، و الحنجورية النسوية التي وقعت فيها الكثيرات ممن سبقوها أو يعاصروها، لتعبر سلمى بذلك حدود النسوية لرحابات الإنسانية الواسعة، لتوجه بصلتها منحازة بكتابها لكل ما هو إنساني وإن راق للبعض أن يصنفوه نسويا .

محمد فرحات
كاتب وروائي مصري
تصفح مقالات الكاتب
مقالات من نفس القسم

قص الأثر

“زهرة”.. الهامش كتعرية عامة.. الشرق كتعرية خاصة
موقع الكتابة 24 ديسمبر 2023

قص الأثر

رواية “ميثاق النساء” لحنين الصايغ: أنْسَنة للمجتمع الدرزيّ وإنقاذه من أسر الأسطورة
مرزوق الحلبي 21 ديسمبر 2023

قص الأثر

التغريب الساخر في مجموعة «ما روته خايبة الرجا» لرشا عبادة.. وقائع الوعي في رصد النقائص الإنسانية
د. حمزة قناوي 19 ديسمبر 2023

قص الأثر

دهشة المكان والتاريخ ورؤية الشعر في “كل المدن أحلام” للشاعر جرجس شكري
موقع الكتابة 19 ديسمبر 2023

قص الأثر

أحاجي اليابسة والماء .. قراءة في رواية “أسفار مدينة الطين”
تبدأ «سلمى» كتابها من الخاص الذاتي القريب منها، إلى العام حيث العالم الذي عرفته وتعرفت عليه خلال سنوات عمرها القليلة المليئة بحكايات النساء ومواقفهن المؤثرة، وهي إذ تنطلق نحو ذلك إنما تعتمد على إرثٍ طويل قديم ومعاصر من الكاتبات والحكاءات اللاتي استطعن تجاوز عتبات الصمت ومناطق التحريم وانطلقوا للتعبير عن أنفسهن بكل قوة وجرأة وشجاعة.
أنا الأخرى لديَّ أشياء كثيرة ساكتة عنها، لكني لا أملك شجاعة «نفيسي» أو ربما لا أملك سنوات عمرها التي تقارب السبعين، إنها ولا شك سنوات البوح النسائي بلا ارتعاش، بالمرأة الشرقية تحترف الخوف من كل الأشياء، منذ أن يتفتح جسدها ووعيها لابد لها من لحظةٍ زمنية تكف فيها عن الخوف، بينما يذبل الجسد الذي ربّى لها الهواجس، بينما يكون أكثر من تحكموا بها أو طمعوا فيها غالبًا بين يدي ربهم! .. أنا الأخرى لديَّ أشياء كثيرة ساكتة عنها، لكن عمري الذي لم ينتصف بعد لا يسمح لي إلا بالقليل فقط من الحكي .. على الأقل إلى حين. بداية بكتاب الشاعرة المصرية «إيمان مرسال» عن «الأمومة وأشباحها»، مرورًا بالتركية «إليف شافاق» في «حليب أسود»، وصولاً إلى الإيرانية «آذار نفيسي» ومذكراتها «أشياء كنت ساكتة عنها»، حتى تصل إلى الكاتبة التشيلية الكبيرة «إيزابيل الليندي» وما كتبته في «أفردويت» تحديدًا، تسعى «سلمى أنور» إلى الكشف عن الطرق المختلفة التي استطاعت بها المرأة من بيئات مختلفة وعلى فترات متباينة أن تعبر عن نفسها، وتخرج عن الأطر والتقاليد التي تحيط بها وتمنعها من التعبير عن نفسها بجرأة وصراحة، وهي إذ تفعل ذلك كله، إنما تمارس طريقتها الأولى في تدليل نفسها بالكتابة، بعيدًا عن كل الرقابة الذاتية والمجتمعية وغيرها.
العجائز: حكايات لمواجهة الحياة تقسّم «سلمى أنور» كتابها إلى قسمين، تخصص الأول «للماتريوشكات» العائلة من حولها، حيث تركز فيه الحديث عن أمها وجدات عائلاتها، وكيف كانت الحكاية طريقتهم للتغلب على المخاوف، وتربية بنات العائلة على مواجهة صعوبات الحياة مهما كانت شاقة وعسيرة.
في هذا الجزء تمزج «سلمى» بين حنين ذكرياتها إلى الماضي والطفولة وما فيها من حكايات، وبين الملامح التربويّة التي شكّلت وجدانها سواء من حكايات الجدات أو الصديقات والأقارب وصولاً إلى العصر الحالي وما يجري فيه من حولها من مواقف وأحداث. سيجد القارئ نفسه بين هذه الحكايات، خاصة وإذا صادف أن كان مثل الكاتبة من مواليد الثمانينات إذ ستصحبه في جولة سريعة إلى عدد من ذكريات الطفولة المصرية الخالصة سواء كان ذلك من خلال ذكريات التلفزيون وما يصاحبها، أو حتى الأحداث الكبيرة التي أثرت في العالم حينها بدءًا من حرب الخليج، مرورًا بالزلزال ومذبحة الدير البحري بالصعيد وحتى الثورة المصرية 2011.
تركز في الجزء الأخير من هذا القسم على «حكايات العجائز» وكيف استكشفت من رصدها وجمعها من بلدان مختلفة أنهم يجتمعون دومًا في فكرة واحدة تتمثّل في مواجهة خوفهم من الحياة بكل صلابة، فلم تعد الحياة ترهبهم لفرط ما عرفوا وما تعرفوا من خلالها من قصص ومواقف وأحداث واقعية ينطبق عليها مقولة «يشيب لهولها الولدان»، من هنا أصبحت تلك الحكايات وسيلتهم للمرور على كل الأحداث مهما كانت غريبة ومخيفة وصعبة، لذا فلا غرابة أن يحادثوا الأشباح ويحكوا عن حوادث الموت بكل بساطة وأريحية!
نســاءٌ سعين لتغيير العالم في الجزء الثاني من الكتاب «ماتريوشكات من هنا وهناك» تلقي الكاتبة الضوء على نماذج خاصة من السيدات حفل بذكر بعضهن كتب التاريخ مثل «فرح ديبا» زوجة شاه إيران والمصادفة التي جمعتها بامرأة كانت من أعدائها لكي يجمع بينهما المنفى في الفيلم الوثائقي الذي حكى حكايتها «الملكة وأنا».
وكيف استطاعت مخرجة الفيلم أن تقنع الملكة بعد سنوات الشتات والغربة أن تحكي حكايتها التي تحوّلت إلى مأساةٍ من نوع خاص، وكيف اجتمع ألم المخرجة المناضلة اليسارية بألم الملكة التي كانت تسعى في يوم من الأيام لإسقاط حكم زوجها، وكيف دارت بهم الأيام!
كما تتحدث عن «عجائز يهوديات» اجتمعن في إحدى الولايات الأمريكية وقررن افتتاح معرض مصوّر يحكين فيه ويكشفن للعالم كيف أن من أنقذهن من «الهولوكست» ومذابح النازي في أربعينيات القرن الماضي كانوا رجالاً مسلمين، كانوا موظفين عربًا وفرسًا في سفارات بلادهم في أوروبا سهلوا تهريب من استطاعوا من أطفال اليهود ونسائهم عن أعين رجال النازي! كما تفرد فصلاً خاصًا عن أميرة القلوب «الأميرة ديانا» مستعرضةً جوانب من حياتها وكيف استطاعت أن تجمع قلوب الناس حولها حتى رحيلها المفجع في الحادث عام 1997. وغير ذلك من حكايات النساء الهامة والغريبة والمثيرة للتأمل والدهشة التي تعرضها «سلمى أنور» بأسلوبها الشيق الممتع حول هؤلاء النسوة التي ترى أنهن أصل الحياة، أو كما تقول؛ أصل الحياة وروحها ووقودها، من أجل هؤلاء ومثيلاتهن على الدول أن تعمل، وأن تذلل الصعبات وأن تتعاون وتنصت، وتعيد إنتاج القوانين والمعاشات والمبادرات والجمعيات والمدارس والمستشفيات، من أجلهن دون سواهن، لأنهن جديرات بما هو أكثر من المؤتمرات النسويّة ذات الشعارات الرنانة التي لا تحضرها إلا المتأنقات! تمزج «سلمى أنور» في هذا الجزء بين الحكايات التاريخية وما قرأته وسمعته من الصحف والكتابات المعاصرة، وبين ما شاهدته من أفلام وما قرأته من روايات وكتب صوّرت المرأة أو كان للمرأة دور كبير ومؤثر فيها فتعيد قراءة الفيلم أو الرواية من وجهة نظرها الخاصة موضحةً كيف يمكن ضم تلك الشخصية وغيرها إلى «ماتريوشكات» هذه المجموعة المميزة.
الكتاب -وخصوصاً بالنسبة لي كمُحبّة للقصص والحكايا، و لأني أرى أني أتعمقُ في فهم نفسي عن طريق تجارب الأخريات وحكاياتهن- جيّد.. و لتعذرني الكاتبة إذ أتغوّل على مساحتها في التحرر وتدليل نفسها وممارسة المراقبة على كتاباتها، ولكني أثناء القراءة مررتُ بعباراتٍ لم أستطع تجاوزها لما فيها من الحمولة السالبة التي لم أستطع تجاوزها..
أولها أجزاء مُتعلّقة ببعض الحقائق، مثلاً حينما أوردت قصة العجوز التي غسلت جسد الفتاة المتخشب بعد الغرق مما أعاق غسيله وتحدثت المغسلة مع الجثمان أن "مــش كفايــة مــوّتي روحــك منتحــرة يــا بنتــي؟ كــان مــش عايــزة تتغســي زي النــاس؟!" و بالرغم من أن الكاتبة تبرأت من القصة وصحتها بنسبتها إلى "هو دا كلامها وهي قالت كدة" لا أجد المغزى من إرفاق قصص خيالية وغير صحيحة.. حتى لو أدعى راووها الصحة، لأنه و بحسب دراستي الأكاديمية فإن تخشب الجسد الميت لا يصيب الميت غرقاً إذ أنه ينتفخ عوضاً عن ذلك. كما أن استنتاج العِبر من قصصٍ خيالية هو استنباط منوط بهدف سارد القصة منها، فنفسُ القصة مثلاً تحاملُ على الأبعاد الدينية للانتحار الأمر الذي فيه جدلٌ فقهيّ كبير، و تتحاملُ على المرضى النفسيين المصابين بالإكتئاب والذي يكونُ الانتحار مصيرهم إذا لم يتلقوا العلاج المناسب، خصوصاً أن الجسد "لان واستجاب" بعد حديث العجوز و كأنه يوافقها على ما تقول..
"أعــود لأســئلتي الكبــرى متعشــمة بصدقٍ ألا يكون ما يُقال صحيحاً من أن بعض الناس يولدون وفي جيناتهم ميول انتحارية أكثر من سواهم.. وإلا فكيف يضمن الواحد منا ما تحمل جيناته" في الحقيقة هذا صحيح، و الأمرُ ليس متعلقاً بالانتحارِ وحده بل بكُل ما في حياتك من تفضيلاتٍ وسلوكياتٍ ومظهر وأسلوبٍ للكلامِ وتحكم بالغضب ورغبةٍ في القتل و ما تفضله من طعام.. إلى آخرِ الأمرِ من الصفاتِ الطويلةِ التي تكوّن الفرد، لكن هذه الجينات ليست هي المحدد الوحيد لما ستقوم أنت فعلاً في النهاية باختيار القيام به، فللبيئة والمحيط دورٌ كبيرٌ في ذلك حتى أن نقاش "الجينات ضد البيئة" هو نقاشٌ مستمرٌ لقرونٍ في الوسط العلمي، لكننا إن كنا نطمح إلى استخراجٍ مغزًى هنا فهو أن لا أحد ينتحر أو يقتل لأن جيناته أخبرته بذلك.. لكنه يمكن إن ساعدت البيئة في تعزيز هذه السلوكيات وإيصاله لهذه النتيجة..
"مــن بــن مــا تطــرح المدرســة النســوية مــن نظريــات الاعتقــادُ بــأن النســاء قــادرات عــى جعــل العــالم مكانًــا أكثــر ســلمية وأقــل دمويــة إذا قُــدر لهــن أن يُدرنــه بالكامــل ويشــغلن مواقعــه الأكثــر نفــوذًا في المؤسســات السياســية والعســكرية" الأمر الذي لم تطرحه أيٌ من المدارس النسويّة، بل على العكس هذا ناتج التنميط الذكوري لفكرة الأنثى رقيقة ومسالمة، و هذا التنميط تحاربه بعض مدارس النسوية.
كما أن هنالك تنميطاً في معايير الجمال و دور الأنثى الأمر الذي تسرّب هنا وهناك في الكتابة، الأمر الذي لن تنتبه له إن كنت تتفق مع تلك المعايير "عيناها الزرقاوان لا تناسب فداحة المشهد" "هــذه المقاتلــة التــي لا تخلــو ملمحهــا مــن ذكــورة غالبًــا هــي مــن لــوازم جبهات القتال" الأمر الذي بلغ أشده في حكاية «ليبوريــلا» التي كتب كاتبها شخصيتها لتكون خادمةً ريفية غير متناسقة الوجه ولها صوتٌ "كالحمار".. هذه الخادمة الفقيرة غير متسقة السلوك والتي عانت ما عانت من داخل القصة، تأتي الكاتبة هنا وتحكم عليها من خارج القصة بأنها "الخادمــة التــي لا ترقــى تمامًــا لمرتبــة الإنســان، بــل هــي إلى الحيــوان أقــرب، لا تحرّكهــا إلا الرغبــة في ادخــار المال لسِــنِي الشــيخوخة." هل الفقراء القبيحون أقرب إلى الحيوانات فقط لأنهم فقراء وقبيحون؟
كما أن هناك بعض القصص عن نساءٍ دموياتٍ لا أعرف المغزى من إدراجهن، هل سنتجاوز أخطاء النساء لأنهن نساء؟ تبررُ الكاتبة ذلك بأنه لعرض جوانب حياتهن الشخصية أنه بالرغم من دمويتهن فقد كن "عاشقات" و بالرغم من "جمالهن" فقد كن دمويات.. الأمر الذي أدري لم تفترض الكاتبة عكسه، فأن يحملَ شخصٌ قُبح الطبع والمنظر أو العكس أمر لا يحدث إلا في أفلام هوليوود - بل القديمة منها..
هممممممممممم بس..
This entire review has been hidden because of spoilers.