جعل الدين أو الوحي نفسه موضوعًا للمعالجة، ومقصودنا بجعل أمرٍ ما موضوعًا هو موضعة هذا الأمر، أي تحديده في ضمن معطيات الفهم البشري وآليات التحليل البشري التي لا يمكنها إلا التقيُّد بقيود الزمان والمكان والظروف والقابليات والحالات الخاصة، ما يجعل الدين أو الوحي مجرد موضوعة ثقافية محكومة لأصول الإنتاج الثقافي، وهو ما استدعى التعبير الخاص عن الوحي بكونه "نصًا"، بحيث بات يحق للباحث في صياغات العقل المنهجي أو الأداتي أن يحاكم الوحي كما يحاكم أي وثيقة قانونية أو قواعد حكمية مرت في مسارات التاريخ القديم. إلى أن نتج عن مثل هذه التفاعلات بين الأعمال التي طلع علينا بها العقل النقدي التنويري والحداثوي من جهة والدين الوحياني من جهة أخرى مناهج ورؤى ومن ثمّ فلسفات تأويلية لفهم النص وفهم فهم النص استدعت مقاربات تسعى لفحص الموضوع (الوحي – الدين) وفهم المنهج، بغض النظر عن ما هو هذا المنهج، منها التأويلية أو علم النص لتقدير المدى الذي يمكن فيه للمناهج المستندة إلى الوقائع والنصوص البشرية أن يتم تطبيقها على الكلام الإلهي والوحي وبالتالي على النص الديني. وما المعالجات الواردة في هذا الكتاب إلا محاولة للمساهمة في هذا الجانب، بتقديم رؤية المؤلف التي أطلق عليها عنوان "إلهيّات المعرفة"، وهي عبارة عن مقاربة منهجية للتعرف إلى الوحي في حركته مع الإنسان وتاريخه وقضاياه.
يمثل #الوحي الجسر والعلاقة بين المؤمن وربه في الأديان السماوية. لذا فإن أي قراءة جديدة للوحي ليس من شأنها أن تعيد بناء تلك العلاقة فحسب، بل تضطلع بهدم القراءة التقليدية. من هنا، يجد #كتاب #الوحي_ونقد_النص_الديني للشيخ #شفيق_جرادي مبرر وجوده كمحاولة نقدية مضادة، وليس مقاربة منهجية كما يقدم ذاته.
يميّز جرادي ثلاثة اتجاهات تتجاذب فهم مضمون الوحي: #عرفاني يرى كل حقائق الوجود في القرآن، ولكنه لا يُدرك إلا بنفس طاهرة. #واقعي، يسعى لكشف المضمون من خلال ما يثيره الواقع من إشكالات، وهو ما يعرف بـ #أسلامية_المعرفة. #حداثي، يرى الوحي ظاهرة بشرية تتغير حسب كل عصر. إزاء هذا التمييز، يقدم جرادي نقدا ناعما للاتجاه العرفاني، بينما يقدم عزاءً حارا للاتجاه الواقعي لفشله، لتبقى المعركة النقدية مفتوحة أمام الاتجاه الحداثي. إجمالا فإن جرادي يلخص رؤيته النقدية في:
من حيث مصدر النص، فالمسلمون لا يشكون في صحة القرآن، لذا فهم لا يحتاجون لنقد في معرفة مصدر النص القرآني، إذ لا إمكانية لتعرضه للتدخل البشري.
ومن حيث النص بما هو نص، فهو مما "لا سبيل إليه إلا بافتراضات نظرية لم تستطع إلى الآن رغم محاولات #محمد_أركون و #نصر_حامد_أبوزيد وغيرهما في #إيران مثل #محمد_مجتهد_شبستري و #عبدالكريم_سروش أن تقدم ما يمكن التوقف عنده". وربما نسي الشيخ أن كتابه هذا توقفٌ عند هذه الافتراضات.
ومن حيث نقد تراث تفسير النص، فجرادي يقر بحاجته، ولكنه يرى خطوات هامة في التعاطي النقدي معه وبآليات منهجية معاصرة.
أما من حيث النص بما معنى، فالمناهج التأويلية المعاصرة جعلت النص "مفتوحا على احتمالات دلالية، ولا تعتني بقصد الكاتب. بينما المناهج الألسنية والتاريخية فترتكز على خلفية الباحث الفلسفية، أو هي مذاهب فلسفية مخالفة للبيئة الدينية.
إن مركزية نقد جرادي تنطلق من خرق الاتجاه الحداثي للمسلمات الإسلامية، وخصوصا تلك المتعلقة بإلهية النص من جهة، ومن جهة أخرى لعمله بمنهجيات مغتربة عن مناهج البحث في عالم المسلمين.
إن هذه المركزية تكشف مدى انشغال جرادي بإقصاء الاتجاه الحداثي عن الحاضنة الإسلامية أكثر مما هو منشغل بتأسيس مقاربته المنهجية التي هي، في أحسن حالاتها، تحسينات على المنهج العرفاني. إن الإقصاء الوسيلة الأسهل لحماية أي رؤية تقليدية تتعرض للهجوم في أي حقل. ما لم يقله جرادي قاله آية الله #جعفر_السبحاني لسروش: "إنكم بتعريف القرآن بوصفه كتابا بشريا يحمتل في حقه الخطأ قد انسلختم عن المجتمع الإسلامي، ولا نرى حاجة لنصائحكم". إن لم يشتغل النقد بالمسلمات فما الذي يشتغل به؟
أخيرا، فإن جرادي، وهواستاذ للفلسفة والعرفان، شخصية علمية مطلعة ويستحق أن تقرأ له.