لن يكون عبثًا استرجاع فلسفة لودفيج فويرباخ (1804 – 1872) لِما تمثله من محور في الدراسات المتعلقة بفلسفة الدين، فهذه الشخصية مؤسسة فعلية لهذا الفرع المعرفي، بل يمكننا القول إنّها الناظم لوظيفته وموضوعه ورهاناته. فـ"فويرباخ" قارب الدين من منظور جديد، تعدى من سبقه من الفلاسفة، إن لم نقل نقد نظرتهم للأمور، عبر إعطاء قيمة كبرى لما هو أنثروبولوجي. والمتتبع لمسار نظرية هذا الفيلسوف حول الدين، يلاحظ جمعه بين التحليل والنقد والتصور التاريخي، والتأويل العميق للنصوص والرموز الدينية، دون نسيان ربطه الديني وبعض التصورات في الفلسفة اللاهوتية أو التأملية، بالسياسة والاجتماع. وهذا ما يضعنا أمام قراءة فلسفية جديدة للدين، أُخرج بواسطتها من التقليد اللاهوتيّ، وتحوّل إلى قضية أنثروبولوجية، من خلال النفاذ إلى أعمق قضية راهنة وهي: العلاقة بين الدين والاغتراب، بين الدين والحرية والإرادة، بين الدين والعلاقات الإنسانية. وإن كان "فويرباخ" وفلسفته عكسا روح العصر وشكلا ثورةً في الفلسفة الألمانية، وأثارا عاصفةً من الردود والمواقف، وكانا دافعًا لحراك كبير على الساحة الفكرية، فهما في هذا الوقت قد يكونا مورد حاجة، فمع ازدياد حضور الدين، وما يفرضه من تحديات كبيرة تستلزم ضرورة تطوير مبحث فلسفة الدين بما يتلاءم ومستجدات العصر والنقاشات الراهنة المتعلقة به، يكون من الضروري إعادة قراءة خطاب "فويرباخ" وورثته حول الدين، وفق لغة ومنطق جديدين.
وطبقا لأثنايوس الكاتب الكوميدي الاغريقي خاطب انكسندريس المصريين قائلا. انا لا اناسب مجتمعكم فعاداتنا وقوانيننا لا تتفق فانتم تعبدون العجل الذي اضحي به للالهة. وثعبان السمك يمثل لكم الهة عظيمة بينما هو مصدر اشمئزاز لدي٫ وانتم تبتعدون عن لحم الخنزير الا انني اتمتع باكله. وتكنون الاحترام والتبجيل للكلب في حين اقوم بضربه اذا آختطف فتات العيش مني . وتقوم ثائرتكم اذا حدث وتقوم ثائرتكم وتقوم ثائرتكم اذا حدث شيء لقط . في حين اكون سعيدا بهذا الذي حدث له. بل انني اقوم بسلخ جلده عنه. انكم تولون المزيد من الاهتمام للفأر في حين لا اعجب به.
ان فلسفة فويرباخ ذات الخلفية الهيجلية هى فلسفة دينية من الطراز الرفيع وهى لذلك قد تبدو الحادية ولكن فقط لغير المهتمين بالفلسفة وهى تنظر للديانات المحددة فى اطار نظريات نشأة الدين بشكل عام وهى فى أغلبها نظريات ذات طابع أنثروبولوجى فى حين تناول هيجل الدين من جانب أنطولوجى مما يجعل من وجهة نظر فويرباخ فى الدين أكثر تحديداً وخصوصية ومباشرة ووضوحاً بالنسبة للقارىء من رؤية هيجل الفينومينولوجية للأديان . و لكن من الطبيعى ان الخلفية الهيجلية للقارىء تمنح القراءة عمقاً ومتعةً اضافيتين .