الكتاب جيد في موضوعه، وهو في الأصل رسالة دكتوراه. إلا أن المؤلف أحيانًا يلوي أعناق الأدلة ليًا شديدًا لتدعم أطروحته. ومع هذا فهو مفيد لدارسي التاريخ العباسي.
الحقيقة أن هناك مشكلة في عامة الكتابات العربية التي تُعالج موضوع علاقة "العلماء" بــ " السلطات السياسية" في التاريخ الإسلامي، هذه المشكلة تكمن في وقوع هذه الكتابات تحت سطوة التأثير الاستشراقي- الحداثي، وهذا الكتاب المهم في موضوعه للدكتور محمود بشار ابن الدكتور بشار عواد معروف قد وقع- للأسف- في تلك الإشكالية، صحيح أنه لم يتبنى الرؤية الاستشراقية حول هذا الأمر بشكل كامل، لكنه على الأقل تبنى الرؤية الحداثية في جانب مهم من جوانب البحث وفي قضية محورية من قضايا التاريخ الإسلامي الفكري والعقدي ألا وهي " محنة خلق القرآن" .
الكتاب في البداية يطرح رؤيته حول تحديد مفهوم السنة وبداية ظهور مفهوم " أهل السنة" في الكتابات التراثية، ويتكلم عن فئات أهل السنة من مدرسة أهل الحديث ومدرسة الكوفة "أهل الرأي" ثم المدرسة الشافعية، ولا كبير إشكال في كلامه هنا، لكنه عندما يبدأ في الفصل الثاني من كتابه في الكلام عن السياسة الدينية للدولة العباسية وموقف أهل السنة منها، ستجد نوعًا من التحامل الواضح على الدولة العباسية، وذلك عبر سيطرة مفهوم " التسييس" عبر صفحات الكتاب ككل، فهناك تأثر واضح في اطلاقية إعمال تلك الأداة بالمفكر الحداثي " فهمي جدعان"، ومن هنا ستجد الدكتور محمود العبيدي يقوم بتسييس كل أفعال الخلفاء العباسيين حتى التي ظاهرها الواضح نصرة الدين، فقد جعل محاربة العباسيين للزنادقة قضية سياسية، بل ويجعل تقريب الخلفاء لعلماء أهل السنة لما لهم من منزلة عند عوام الناس، وتلك قراءة –في تصوري- مادية بحتة، تنزع الخلفاء من مكونهم الديني والثقافي في ظل دولة ومجتمع هويته الإسلام لصالح هوس تسييسي سيطر على الكتابات الحداثية.
ومشكلة الكتاب صراحة في تلك العموميات، مثل قوله أن العباسيين حكموا وفق نظرية الحق الإلهي، والحقيقة أن الخلفاء العباسيين [في المجمل] لم يكونوا يعتقدون أن حكمهم هو حكم الله تعالى ولا أنهم يحكمون بتفويض إلهي، وأن ما صدر من بعض الأقوال من متعصبيهم مثل قول سفّاك الدماء عبد الله بن على العباسي للأوزاعي " ويحك: أوليس لنا الأمر ديانة؟! " لم يكن معتقد كل خلفاء بني العباس بعد فترة التكوين الأولى وقد حاول المأمون نقل ولاية عهده خارج الفرع العباسي ثم تراجع، ثم لما أنكر الأوزاعي على عبد الله بن علي العباسي قوله هذا لم ينطق ببنت شفه، فكيف نعمم قولًا مثل هذا!.
على كل حال إذا كان موقف المؤلف من العباسيين موقف الإدانة والاتهام بالبرجماتية، فإن له موقفًا جيدًا من علماء أهل السنة على العموم، حيث يقول أن غالبهم لم يكونوا يحصلون على الأموال من الخلفاء العباسيين، وقال أن المنتفعين المنتسبين إلى أهل العلم لا يُقاس عليهم، مع التأكيد أنه فات المؤلف نقل الرؤية الفقهية لبعض الفقهاء الذين قبلوا تولي الوظائف أو أخذ أموال من الخلفاء، ومن ثم لم يُعجبني ذلك القالب الذي وضع فيه القاضي الحنفي الكبير أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان -رحمهما الله- وكأن القاضي كان ألعوبة لدى الخليفة يحلل له كيفما يشاء ويلتمس له الحيل الفقهية.
يرصد الكتاب كيف كانت علاقة العلماء بالسلطة السياسية أكبر من تولى إصدار الفتاوى، فمنهم من تولى ولاية بيت المال، ومنهم من تولى المدن، ومنهم من تولى ديوان المظالم، ومنهم كان مؤدبو الأمراء، فعلى الجملة تصوره لعلماء أهل السنة تصور جيد إلا أنه سيختم كتابه متأثرًا بفهمي جدعان حول التسييس الموضوعي لأحداث المحنة، فقد صوّر ابتداع المأمون لهذه المحنة من أجل مكافحة سلطة الزعماء الدينيين الذين صاروا يشكلون خطرًا على الدولة بزعمه، مع أنه في تلك الفترة بالذات كان قد استقر الفقه السني على عدم الخروج على الحكام العصاة وكان هذا مذهب أحمد بن حنبل، فكيف يستقيم للمؤلف ذلك الزعم ؟!.
كان حري بالمؤلف أن يدلل على ذلك بإثباته أن المأمون لم يصدر فكره هذا عن قناعة أيديولوجية، لكن المؤلف لم يفعل وتكلم عن أحمد بن نصر الخزاعي- عليه رحمات الله- الذي قٌتل بسبب عدم قوله بخلق القرآن لا بسبب تمرده السياسي، هنا يجعل المؤلف سؤال الخليفة الواثق عن قوله في القرآن بدلًا من سؤاله عن تمرده دليلًا على تسييس المحنة! وهنا لا يفرق بين الاستغلال السياسي للأحداث وبين اختلاق الأحداث للسياسة ففرق كبير.
أكثر أقوال المؤلف استفزازًا هي قوله أن العلماء الذين أجابوا تقية أجابوا هكذا لأنهم كانوا يدركون البُعد السياسي للأحداث، والحق أن التاريخ يُكذب قوله بدليل أن من أجاب في الفتنة بخلق القرآن مثل " علي بن المديني" – رحمه الله- كان يقول في آخر حياته أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وفي الكوفة كان يقول أحد محدّثيها وهو "أبو نعيم بن دكين" لما بلغه أمر المحنة : " ما رأيت أحدًا يقول بهذه المقالة- يعني خلق القرآن- ولا تكلم بها إلا رُمي بالزندقة" ، فالمسألة كانت واضحة أمامهم، مسألة عقدية لا لبس فيها، أما كلامه عن المتوكل وأنه لم يصدر في رفعه للمحنة عن أمر اعتقادي، فكلامه يصب في نفس قالب الأدلجة والتسييس المسيطر على روح الكتاب.
الكتاب به بلاشك أجزاء جيدة، ونقولات متنوعة من مصادر تراثية مهمة، وقد توخى البعد عن الموضوع والمستشنع من الروايات، لكن عند الجانب التحليلي تخلى عن عقليته التراثية وبدأ التفكير كحداثي، الكتاب من تقديم الدكتور محمد سليم العوا وهو – للأسف- في تقديمه لم يقل أي ملاحظة نقدية على الكتاب.
يبدأ في الكلام عن أهل السنة ، في مبحث استغرق ورقات كان من المفترض الاستغناء عنها. ثم تبدأ قصّة الاثارة : فيتحدث عن موقف العلماء السياسي في عهد الأمويين ، ثم يذكر التغير الذي طرأ بعد ذلك بسبب الكوارث التي حصلت جرّاء الثورات ، والمؤلف في أثناء ذلك يصوّر العلماء الربانيين على أنهم زعماء سياسيين! وإن كان يطلق لفظ "زعيم ديني" ، فهذا لايغير من الأمر شيء ، فيعلل ثبات أحمد بن حنبل العظيم : بأنه يريد الحفاظ على سلطة العلماء في نفوس العامّة!. وهذا أعظم سلبيات الكتاب ، لأنه تحليل مجرد عن الأدلة تماماً. وكان بالإمكان الاستغناء عن عدد لابأس من الصفحات ، لربما نصف الكتاب تقريبًا.