هذا الكتاب هو نتاج بحثٍ نظري وتاريخي في ظاهرتَي الطائفة والطائفيّة بمنهجٍ متداخل التخصصات. إنّه محاولة في تطوير نظريّة في الطائفة والطائفيّة من خلال دراسة مقارنة لتواريخ هذه الظواهر الاجتماعية والفكرية وديناميتها الداخلية. ميّز البحث بين الطائفة بوصفها جماعة عضوية (مجتمع محلي) والطائفة بوصفها جماعة متخيلة هي غالبًا نِتاج الطائفيّة، وليس العكس. ويبيّن البحث كيف تُنتج الطائفيّة، ولا سيّما الطائفيّة السياسيّة، طوائف متخيلة مثل الشيعة والسُنّة، ويدرس آليات إنتاجها في مجتمعات مختلفة، وتأثير ذلك في فهم التاريخ باعتباره تاريخ طوائف. على الرغم من الانشغال بالطوائف والطائفيّة إلى درجة استحواذها على الخطاب اليومي للرأي العام، لم يتطور البحث العلمي في هذا الموضو
عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا. مفكر وباحث عربي معروف، نشر الدكتور عزمي بشارة مئات الأوراق والدراسات والبحوث في دوريات علمية بلغات مختلفة في الفكر السياسي والنظرية الاجتماعية والفلسفة، ومن أبرز مؤلفاته: المجتمع المدني: دراسة نقدية (1996)؛ في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (2007)؛ الدين والعلمانية في سياق تاريخي (جزآن في ثلاثة مجلدات 2011-2013)؛ في الثورة والقابلية للثورة (2012)؛ الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (2017)؛ مقالة في الحرية (2016)؛ الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (2017)؛ في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ (2018)؛ تنظيم الدولة المكنى ’داعش‘: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة (2018)؛ في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية؟ (2019)؛ والانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (2020)، ومنها كتبٌ أصبحت مرجعيةً في مجالها.
كما أنجز بشارة عملًا تأريخيًا تحليليًا وتوثيقيًا للثورات العربية التي اندلعت في عام 2011، ونشره في ثلاثة كتب هي: الثورة التونسية المجيدة (2011)؛ سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن (2013)؛ ثورة مصر (في مجلدين 2014). تناولت هذه المؤلفات أسباب الثورة ومراحلها في تلك البلدان، وتعد مادةً مرجعيةً ضمن ما يُعرف بالتاريخ الراهن، لما احتوته من توثيق وسرد للتفاصيل اليومية لهذه الثورات مع بعدٍ تحليلي يربط السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل ثورة في ما بينها.
Azmi Bishara is the General Director of the Arab Center for Research and Policy Studies (ACRPS). He is also the Chair of the Board of Trustees of the Doha Institute for Graduate Studies. A prominent Arab writer and scholar, Bishara has published numerous books and academic papers in political thought, social theory, and philosophy, in addition to several literary works, including: Civil Society: A Critical Study (1996); On the Arab Question: An Introduction to an Arab Democratic Statement (2007); Religion and Secularism in Historical Context (3 volumes 2011-2013); On Revolution and Susceptibility to Revolution (2012); The Army and Political Power in the Arab Context: Theoretical Problems (2017); Essay on Freedom (2016); Sect, Sectarianism, and Imagined Sects (2017); What is Salafism? (2018); The Islamic State of Iraq and the Levant (Daesh): A General Framework and Critical Contribution to Understanding the Phenomenon (2018); What is Populism? (2019) and Democratic Transition and its Problems: Theoretical Lessons from Arab Experiences (2020). Some of these works have become key references within their respective field.
As part of a wider project chronicling, documenting, and analyzing the Arab revolutions of 2011, Bishara has also published three key volumes: The Glorious Tunisian Revolution (2011); Syria's Via Dolorosa to Freedom: An Attempt at Contemporary History (2013) and The Great Egyptian Revolution (in two volumes) (2014). Each book deals with the revolution’s background, path, and different stages. In their narration and detail of the revolutions’ daily events, these volumes constitute a key reference in what is known as contemporary history along with an analytical component that interlinks the social, economic and political contexts of each revolution.
يناقش الكاتب الحالة الطائفية في المنطقة العربية، الطائفية السياسية لا الطائفة بوصفها شكل من اشكال التنظيم الاجتماعي كما يعرفها الكاتب ويقر بوجودها بشكل طبيعي في المجتمع.
يعتبر الكاتب ان الطائفية السياسية ليست حالة قديمة في المجتمع العربي اذ كان المجتمع العربي يقسم عشائريا وجهويا دون الالتفات لطائفته وهو ما تبدل نتيجة العديد من التغيرات التي يسهب الكاتب في توصيفها والمرور بها على اعتبار ان الطائفية السياسية ظاهرة جديدة، طارحا تساؤله العام: هل الطائفية اذا مؤامرة خارجية أم أمرا من صلب المجتمع العربي؟ ثم يذهب الى انها أمر بين أمرين خصوصا حين يخوض في الدور الاستعماري لدعم الاقليات وقومنتها مناقشا ما أسماه ب"الطائفة المتخيلة" من حيث الانتماء لها لكن بطرح فكرة ملفتة جدا هي ان الطائفية حالة تستدعيها الانظمة من اجل تثبيت سلطتها منتقدا استدعاء بعض المفكرين للعصبية الخلدونية واسقاطها على الحالة العربية معتبرا ان العصبية الخلدونية قائمة على العصبية القبلية لا الانتماء المذهبي وان العصبية تؤدي للسلطة بينما السلطة هنا تستدعي العصبية وبالتالي فهو اسقاط لا يتناسب وواقع الدولة الحديثة.
النص يحتوي على كثير من الافكار الملفتة والتي قد يجدها القارئ سليمة البنية في تحليلها خصوصا ما بدأ به النص من استنتاجات غاية في الأهمية من قبيل: ""فإذا لم تمثّل السلطة المواطنين جميعًا، ولم تطرح مشروعًا للأمة بوصفها مجتمع المواطنين وإذا لم تطمح المعارضة إلى تمثيل الأمة كلها، ولم تطرح لها مشروعًا، وإذا تلخّصت مصادر الشرعية والدعم لكليهما بقطاعات اجتماعية متمايزة عموديًا، أي تُعدّ انتماءات تبنى عليها سياسات الهوية؛ فإن المطروح ليس التعدّدية بل تنازع الجماعات"" وكذلك: ""حينما ينتج النظام الحاكم عصبية في خدمته، أو يحيي عصبية قديمة ويضفي عليها معانيَ ووظائف جديدة، فإنها تستدعي على الفور عصبيات أخرى ضدها"""
الا ان النص احيانا وعند استرساله في طرح الامثلة التبس قليلا ولم يتجه نحو تحليل دقيق وشامل ضمن اطار الفكرة المطروحة وذلك مثلا حين ذكر خطاب المعارضات العربية حين تتحدث عن "حكم الاقلية-المظلومية الطائفية" معتبرا ذلك توظيفا لها حين تكون ضعيفة في تعبئة الجماهير "اين اذا دور استدعاء العصبيات الاخرى من نظام انتج او اعاد احياء عصبيته ليسود؟!" .. غير ملتفت ربما لانصراف الناس طوعا واصطفافهم ضد الدولة التي تمارس ما ذُكر في الاقتباسين الاوليين باقتناع تام نتيجة معاناتها من التهميش والحرمان مقابل امتياز لجماعة محددة بغض النظر عن هوية تلك الجماعة دينية كانت او قومية او اثنية وبالتالي فالخطاب الصادر عن المعارضة ليس خطاب فرد او جهة تريد ان تمارس تعبئة فحسب بل خطاب مؤمن بذلك الاستهداف والتهميش وتلك المظلومية "احد الهوامش وهو اقتباس لحسن العلوي اشارة للفتة مهمة كان من الممكن توظيفها في المتن: "التمييز الطائفي وليس الانتماء الطائفي هو الذي يجعل المرء طائفيا، التمييز الطائفي تملكه السلطة اي ان النظام الحاكم هو الطائفي حقيقة اما التعبيرات الطائفية فنجدها عند المظلومين انها تعبيرات المظلومين عن واقعهم"
وذلك مع اتفاقي الشديد بأن الحكم في الدول العربية كما وصفه الكاتب "ليس حكم أقلية" الا ان هذه الاقلية تمارس تهميشا يقسم المجتمع لقلة متميزة واكثرية مهمشة ولو فتشنا فسيكون ذلك التقسيم مرتبط بالولاء للنظام لكنه متقاطع مع الانتماء "وهو ايضا ما اشار اليه الكاتب" وقد يستغني الحكم في حالات الشدة عن اعضائه الموالين له والمختلفين معه بحسب الهوية في سبيل تدعيم بقائه وذلك باظهار نفسه الحريص على الهوية "بتطهيرها" ممن لا ينتمي لها ولذلك شواهد في بعض الدول العربية مما سيعزز الخطاب المعارض "حول الاكثرية والمظلومية" وربما يجدر بالمعارضات العربية الالتفات الي توجيه مهم للكاتب في قوله "الاكثرية الطائفية ليست هي الاكثرية السياسية في النظام الديمقراطي واذا حكم ممثلوا الاغلبية الطائفية او القومية او اغلبية اثنية ثابتة بصفتهم ممثلين لهذه الاغلبية الديمغرافية ينشأ نظام اثنوقراطي"" اذ يجب ان تحمل المعارضة مشروعا انسانيا وطنيا هدفه تحقيق العدالة لا رفع الحيف عنها فحسب وهو يقودنا ايضا لفكرة لفت لها النص ووضعتها في الاقتباس الاول وهو ما قد يهدئ من روع الاكثرية فيما لو امتلكت جميع الاحزاب والقوميات والانتماءات في هذا البلد في زمن ما مساحة الحرية ذاتها في التعبير عن مشاريعها بعيدا عن تخوين كل طرف للآخر خصوصا ذلك التخوين الذين غالبا ما يقوده الطرف الحاكم الذي يمتلك وسائل الاعلام واجهزة الدولة والجيش والاقتصاد والسجون كذلك.
ناقش الكاتب في البداية الحالة الطائفية في الدول العربية معطيا بعض الامثلة من الواقع السوري منذ حافظ الاسد مرورا بلبنان والعراق ملفتا لفكرة مهمة جدا وهو "عدم اعتبار التحالف مع الاجنبي سابقا "امر غير وطني" في اشارة للانتماء العابر للمجتمعات ذلك انه لم يكن هناك هذا النوع من التقسيم بينما صار التحالف مع قوى خارجية امرا غير وطنيا وخيانة مع تبلور الدولة بشكلها الحالي" وكذلك عند حديثه عن الخطأ في اعتبار الطائفة جماعة واحدة في الدولة .. ثم تطرق للدور الاستعماري في دعم الاقليات وتعزيز الانقسامات وتشجيع الانفصال لا الوحدة في الدول العربية مما انتج ارباكا في تسلسل الافكار داخل النص فلو تحدث عن: أولا: الواقع العربي من منطلق الانقسام والطائفية وهو ما ذهب اليه في منتصف الموضوع بين طائفية الوطن العربي في حديثه عن الانتماء العشائري لا المذهبي سابقا ثانيا: دور الاستعمار في تعزيزه الانقسام ودعمه للاقليات ثالثا: الواقع العربي الانقسامي منذ الاستعمار لليوم وكل ما تبناه حول استدعاء الطائفية من قبل الانظمة من اجل ان تسود مع الامثلة المذكورة في لبنان والعراق وايران وسوريا
اتصور ان ذلك كان سيعطي تسلسل جميل جدا للنص.. وقد يجيب عن تساؤل يداخل القارئ اثناء اطلاعه على النص: هل الطائفية مشروع استعماري؟ او واقع دعمه المستعمر وعززته حكومات تريد ان تسود؟ وبالتالي سبيل الخروج منه خارطة طريق بسيطة جدا لمناهضة الطائفية عبر البحث في الذاكرة عن نماذج العيش المشترك وهي بداية لعمل يحتاج جهد حقيقي من مختلف الاطراف وفي تصوري طرف الدولة يحمل المسؤولية الاكبر في ذلك .. المصيبة اننا نفتقد لدولة جامعة للمواطنين في عموم الوطن العربي الا ما ندر "ربما تكون مسقط نموذجا" الا ان النص وكأنه استدرك هذا الحل بذكره لواقع مجتمعات الهجرة التي تعتبر الاكثر قدرة على "الاندماج" طوعا وكرها او "اضعاف الانتماءات بتعزيز مبدأ المواطنة" حين تستدعي أحيانا هوياتها الثقافية لمواجهة تحديات معينة وهو ما قد يوحي بصعوبة الحل لكن ضرورته ايضا.
يناقش الكاتب تفاصيل الحالة السورية مرورا بجبل لبنان ومذابح دمشق والعراق ما قبل صدام ومابعده ليؤكد كيف استغلت كثير من القيادات الانتماءات الطائفية لتثبيت سلطتها بينما شمل ظلمها كل الطوائف كما والاها افراد من كل الطوائف رافضا الفكرة العامة التي ثبتها الغرب من وجهة نظره وهي ان العالم العربي عبارة عن امتداد طائفي مذهبي يتم التعامل معه لليوم على هذا الاساس وهو واقع أسسه بالنسبة للكاتب مجموعة خبراء ومستشرقين كان من الاسهل لهم ليدرسوا المجتمعات العربية وينقلوا تفاصيل اخبارها بأن يقسموها طائفيا وقوميا واثنيا. وفي ذلك يقول الكاتب: (الغرب الامريكي والاوروبي فرض التعامل مع التعددية الطائفية كأنها نوع التعددية السياسية الملائمة للمجتمعات العربية بدل التعددية السياسية الديمقراطية)
كما يمر الكاتب في قوميات واثنيات وطوائف المجتمع العربي معتبرا ان الشيعة يوما ما لم تكن اقلية في بلاد الشام "واتصور ان ذلك خلاف المتعارف عليه عموما" ويؤكد على مواقف وطنية في مصر وسوريا والعراق كانت تلك المواقف عبارة عن الرد القاصم على تغليب الاقليات من قبل الاستعمار مقدما العلمانية بروحيتها كالحل السحري للمشكلة الطائفية في المجتمع العربي
النتيجة التي يصل لها الكاتب واظنها في غاية الدقة: ((لم تخلق الطائفية من لا شئ انها ليست مؤامرة فحسب فلها حوامل طائفية اجتماعية تاريخية تسمح الطائفية الممأسسة والمنفلتة من عقالها بتخيلها من جديد واعادة انتاجها في الحاضر))
لا أنسى ان الكتاب يحمل أيضا مجموعة من الاتهامات السياسية في اطار سرد تاريخي للاحداث لا بد من مناقشتها، لكن الافكار المستخلصة افكار قيمة.
لست من هواة المراجعات المطولة و المفصلة؛ فهي مفسدة للقارئ و علقة للكتاب.،لذا سأختصر قدر الإمكان، وهذا ما يضعني أمام مشكلة الحديث باختصار عن كتاب فكري عابر للاختصاصات، يتألف من ثمانمائة صفحة. فلنبدا بالكتاب كمنتج: الكتاب كفهرسة و تقسيم، طباعة و ببليوغرافيا أخرج بشكل احترافي على أعلى مستوى، و هذا ما عودنا عليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومن الممكن أن أزيد أن حتى كفاءة التوزيع حول العالم كانت لافتة، و أقول هذا من كوني تتبعت و انتظرت إصدار هذا العمل. محتوى الكتاب: عند قراءة العنوان قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين الدين و الخلافات الفقهية، و نشوء الطائفية من حضن الأديان و تطورها وصولاً لسيطرتها على الوضع السياسي في المشرق العربي و على خطاب سياسيه و إعلامييه. لكن المؤلف يبدع (و هنا إبداع إيجابي برأيي) منحا آخر تماماً، يقارب فيه نشوء الطائفية كنتيجة للدولة و عملية العلمنة المشوهة، مقدماً كما أرى نموذج نظري قيم لفهم و تفسير الكثير من الصراعات ذات اللبوس الديني/الطائفي (و يقر الكاتب بوجود بعض الصراعات الدينية أو ذات المنشأ الطائفي) عبر التاريخ، و الحاضر لا سيما المترآي أمامنا في المشرق، حيث يدرك المؤلف الهوة النظرية العربية في دراسة هذه الظاهرة التي تشغلنا، ويقول بهذا عاملاً على سد ما يمكن سده. يكتب عزمي بشارة بصيغة تأريخ فكري لصيرورة الطائفية، مسلحاً إياك بدراسة اللفظة/الألفاظ المصطلح منها و المفهوم، وما هو شائع ترجمته خطأ، ثم يقودك عبر رحلة فكرية تنتهي بدراسة نظرية لنموذج إيرلندا، لبنان و العراق بشكل أكثر توسعا، ولا يخلو الأمر من أمثلة متفرقة من هنا وهناك من مختلف القارات و الأديان. يشد متن العمل بقسم احصائي (هو عمل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات). سواء اتفقت مع المؤلف أو اختلفت لا بد من تقدير هذا العمل، لا سيما التنظير لنشوء الطائفية من حيث يعتقد الكثير أنه "الدواء"
موسوعة ممنازة في بابها، فيها تفاصيل، لا تخلو من تكرار. جزؤها النظري أفضل من العملي. أفاد الرجل بصورة كبيرة من بنديكت أندرسون وكتابه الجماعات المتخيلة (قدّم له بشارة في ٦٠ ص)، في نحت كلمة المتخيلة وطبّق نظرية أندرسون (كتابه ٢٠٠ ص) على الطائفية طوال ال ٩٠٠ ص)!. الكتاب، يحاول نقض التعميمات، التي لم يتخلّص منها هو أيضًا! الكتاب مفيد جدًا وبانورامي في تنظيره ونماذجه.