نماذج وانسحاب، ورؤية وسيّالات شعرية معاصرة تجتاح الزمن الماضي، وتوسد المتنبي على خيالاتها منطلقة به عبر الزمان، إلى زمن حاضر، مقتحمة عليه أبياته الشعرية مستلة منها معاني تصلح لأن تتسربل برؤى الحاضر، وبألوان عطاءات كمال أبو ديب الشعرية، وبلوحات ضياء العزاوي الفنية. وتنفتح صفحات هذا الكتاب على أفق بسهوب يركض فيها المتنبي عارياً تملأ شعره الطويل شموس الهجير وغبار المنافي التي حلم أن يصنع منها وسادة لرأسه الجميل، وحين ينبت الشجر الغريب الذي حلم به ليلة صيف وعيناه تحصيان النجوم المتطافئة في الشمال وفرسه العارية مثل جسده المرهق تحمحم في عتمة كالمة وليس ثمة غير صوت أزيز قريب يطلع من الفرات ماضياً باتجاه الجنوب، وهو يحزم الحزم كله بتنطق اللغة الأخيرة شاكي الكلمات، مدرعاً بوهج إيقاعه، ومدى الأفق المغلق تتلاطم موجات صوته الجليل، وبهاء جمله المتعانقة عناق الأحبّة اللاهفين، وليس حوله غير الموت الموت الموت وعيناه الكاويتان تخترقان الظلمة آتيتين من سرير عشقه الجهنمي مثل شمعتين ذاوبتين ورمحه يطوف بجسده الهاري، وهو يصرخ يصرخ يصرخ فلا يرد حتى الصدى ولا يفتح الظلام بواباته الموحدة لروحه التائهة في براري الأعماق. ويعود القارئ من هذه الرحلة ويقين يتجدد المتنبي من خلال هذه القراءة، بل من خلال قراءات وعيون عدة.
واحد من ألمع النقاد والباحثين وأعمقهم تأثيرا في الدراسات النقدية. ولِدَ في مدينة صافيتا في جبال الساحل السوري عام 1942م وقد وصف بأنه أحدث ثورة جذرية في النقد العربي والثقافة العربية،, واحتفل بأبحاثه الدارسون داخل العالم العربي وفي الغرب وجامعاته، وكتبت عنه عشرات الأبحاث والكتب والأطروحات الجامعية. وقد فاز بعدد من أرفع الجوائز ومنح البحث العلمي في العالم العربي والغرب. وهو يشغل منصب أستاذ كرسي العربية وآدابها (بروفسور) في جامعة لندن منذ عام 1992، بعد أن عمل باحثا وأستاذا في جامعات أكسفورد وبنسلفانيا وكاليفورنيا (بيركلي) وكولومبيا (نيويورك)، واليرموك وصنعا