أرسل العلامة الأديب ابن أبي طيٍّ في هذا الكتاب أضواء البيان وأشعة الإيضاح على «لامية العرب» للشنفرى ، فأجاد ووفّى بالمراد . وكان شرحه هذا شرحاً في غاية الجزالة والتبيين ، ضم فيه فوائد غرراً ، ومعلوماتٍ من الأهمية بمكان . وهو بحقٍّ شرحٌ يحتاج إليه المتأدبون ، ويكرع من منهله اللغويون ؛ لما جمعه المؤلف من دُرَرٍ علميةٍ وجواهرَ أدبيةٍ ، يُرحل إلى أقل من مثلها ، ولا سيما والمؤلف طويلُ الباع ، لامعُ اليراع ، له مؤلفات عدة في شتى فنون العلم . حيث يقول ابن أبي طيٍّ : ( أما بعد : فإني أرغب إلى الله العظيم ، كاشف العظيم ، ومنزل الخير العميم ، وناشر العميم ، أن يوفقني لـما حاولته ، وييسر ما رمته من شرح كلمة الشنفرى لامية العرب ومنهاج الأدب ، القصيدة النافرة ، والقافية النادرة ... ليظهر ما أودعته به من لطائف النكت اللطيفة ، ورصعته فيه من طرائف الأدب الظريفة ) . وقد أضفى عليه محققه الدكتور إبراهيم البطشان لمسة تحقيقية عالية تزينت بها حواشي الكتاب ، ورجع إلى مصادر عدة في شتى الفنون لتحقيق الأصل ، فغدا بحمد الله تعالى تحفة فنية فريدة لا يستغني عن مثله طالب علم . وبالرغم من أن لهذه اللامية عدة شروح ؛ فإن هذا الشرح بحق يعد واسطة عقدها ، وهو المجلي في ميدان الشروح . ولهذا سعت دار المنهاج إلى طبع هذا الكتاب طبعة أنيقة لتكمل بهذا الصنيع شروح اللاميات الثلاثة : «لامية الشنفرى» ، و«لامية العجم» ، و«لامية ابن الوردي
قال غير واحد من القدماء والمحدثين، بأن لامية العرب من صنع خلف الأحمر، وأنه قد نحلها الشنفرى. ولست أدري كيف يمكن لرجل مهما بلغ به العلم بحياة العرب في الجاهلية، وشعرهم وأساليبه وبلاغته وبيانه، أن يصطنع مثل هذه القصيدة التي تكاد تنبض حياة، وكيف له أن يضمنها كل هذا الكم من المشاعر المتراكبة التي لا يمكن أن يعبر عنها إلا صاحبها، الذي تغلي روحه بالغضب من قومه، ويشن حرب عبثية لا نهاية لها عليهم. إني لا أزعم أني عليم بالشعر واللغة حتى أحكم أن اللامية للشنفرى، ولكني أحسب قد توفر لي من علم النفس بمناهجه المختلفة ما يقودني إلى أن هذه القصيدة أصلية وليست مصطنعة. ولعل هذه النتيجة قد يصل لها نقاد الأدب واللغة لو أنهم تناولوا هذا الشرح المبسط الذي تناول الأصول اللغوية لألفاظ القصيدة، وقابل بينها وبين ما قيل مثلها من صيغ أو معاني في شعر الآخرين، فربما توصلوا لهذه النتيجة التي اعتقتها، شرط أن يتناولوا شرح اللامية متجردين من كل فكرة ورأي سبق.