Naguib Mahfouz (Arabic author profile: نجيب محفوظ) was an Egyptian writer who won the 1988 Nobel Prize for Literature. He published over 50 novels, over 350 short stories, dozens of movie scripts, and five plays over a 70-year career. Many of his works have been made into Egyptian and foreign films.
السبك الروائي الأخاذ الذي يمتاز به الأستاذ الكبير نجيب محفوظ يكاد لا يضاهيه فيه أحد -برأيي- ورغم تجسيد معظم رواياته في مسلسلات تلفزيونية إلا أن قراءة تلك الروايات يبقى محتفظا بنكهته الخاصة وطابعه الأدبي المميز، وهذا لا يلغي الكم الكبير من الملاحظات التي لدي على أدب نجيب محفوظ، والذي كرّس للجنس مساحة واسعة في أدبه وجعله سببا يكاد يكون ثابتاً في كل مشكلة يعاني منها المجتمع المصري، فلا تكاد تخلو واحدة من رواياته من إشارة إلى هذه المعضلة الاجتماعية الأبدية (بحسب محفوظ)، وبرّر في غير موضع للرذيلة جاعلاً منها سببا طبيعيا ونتيجة مستساغة للفقر والحاجة الملحّين في المجتمع المصري، لكن وإن لم تكُ ثمّة فائدة من روايات محفوظ غير الارتقاء بلغة القارئ وتحسين أسلوبه اللغوي فيكفيها ذلك .. فليس لدي أدنى شك أن من يقرأ لنجيب محفوظ لن ترقه الروايات الأخرى بسهولة، فهناك ارتقاء واضح لذائقة القارئ لا يكاد يدركها غير من قرأ لهذا العملاق الأدبي الباذخ ...
ترتيب الروايات الزمني (حسب سنة النشر) في الجزء الأول من الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ هو كالتالي: عبث الأقدار – 1939 رادوبيس – 1943 كفاح طيبة – 1944 خان الخليلي – 1945 القاهرة الجديدة – 1946
شعرت أنني لم أقرأ مجموعة روايات بقدر ما تابعت ولادة كاتب وهو يبحث عن نفسه. هذا الجزء لا يقدّم محفوظ في صورته النهائية التي نعرفها، بل يضعك أمام مراحل التكوّن، التجريب، والتردّد، ويجعلك ترى كيف تشكّل وعيه الفني خطوة خطوة، من التاريخ إلى الواقع، ومن الفكرة الكبرى إلى الإنسان العادي.
الروايات التاريخية الثلاث الأولى تكشف محفوظ وهو مأخوذ بالتاريخ بوصفه مسرحًا للأسئلة الوجودية الكبرى: المصير، السلطة، الصراع، والخضوع. السرد متين، والبناء واضح، لكن العلاقة بين الكاتب وشخصياته ما تزال باردة نسبيًا؛ الشخصيات تتحرك داخل أفكار أكثر مما تعيش داخل لحم ودم. كنت أقرأ هذه الأعمال وأنا أشعر بالإعجاب بالجهد والجدية، لكن دون انخراط عاطفي كامل، كأن محفوظ كان يكتب بعقل المؤرخ أكثر من حسّ الروائي.
الانعطافة الحاسمة تبدأ مع خان الخليلي. هنا، للمرة الأولى، شعرت أن محفوظ نزل من علياء التاريخ إلى الشارع، إلى البيت، إلى القلق اليومي. الرواية بسيطة في أحداثها، بلا ضجيج أو حبكات كبرى، لكنها عظيمة بتراكمها الإنساني. الجزء الأخير منها أثّر فيّ بشكل خاص، لأنه كشف قدرة محفوظ على جعل العادي مؤلمًا، وجعل الصمت أبلغ من الحدث. هنا بدأ محفوظ الحقيقي في الظهور، الكاتب الذي يرى الإنسان من الداخل لا من علٍ.
ثم جاءت القاهرة الجديدة لتكون الصدمة. إذا كانت خان الخليلي اقترابًا حذرًا من الواقع، فهذه مواجهة مباشرة معه. الرواية قاسية، مفاجئة، ومزعجة بواقعيتها. شخصياتها، وخصوصًا محجوب عبد الدايم، جعلتني أتأرجح بين التقزّز والانبساط؛ التقزّز من منطق الانتهازية العاري، والانبساط الغريب من صراحته الفجّة التي لا تتخفى خلف أقنعة أخلاقية. هنا بدا محفوظ أكثر جرأة، أقل رحمة، وأكثر وعيًا بأن الرواية يمكن أن تكون أداة كشف لا مواساة.
ما يجمع أعمال هذا الجزء هو إحساس واضح بأن محفوظ كان يتحرك باتجاه اكتشاف موضوعه الحقيقي: المجتمع المصري الحديث، لا بوصفه خلفية، بل كبنية تضغط على الأفراد وتشكلهم. نلاحظ تطورًا تدريجيًا في اللغة، من فخامة محسوبة في التاريخيات، إلى بساطة دقيقة ومشحونة في الأعمال الواقعية، وكذلك تطورًا في نظرته إلى الإنسان، من نموذج رمزي إلى كائن هش، متناقض، ومربك.
إن قراءة هذا الجزء من البداية إلى النهاية جعلتني أقدّر محفوظ أكثر، لا لأنه كان كاملًا منذ البداية، بل لأنه لم يكن كذلك. ترى الأخطاء، التفاوت، ومحاولات الإمساك بالصوت المناسب، وترى في الوقت نفسه إصرار كاتب يعرف أن طريقه لم يكتمل بعد. هذا الجزء هو شهادة على أن محفوظ لم يولد عملاقًا، بل صار كذلك، رواية بعد أخرى، وخطوة بعد خطوة.
إنه جزء تأسيسي بامتياز، لا يُقرأ للإبهار، بل للفهم؛ فهم كيف بدأ محفوظ، وكيف مهّد لكل ما سيأتي لاحقًا.