حكايا الجدات! نكبر وتكبر معنا آفاق هذا الارث الشعبي الذي نحمله منذ الطفولة أخيلة حلوة وأساطير طريفة وانبثاقاً لماض بعيد يخالط الحاضر بتلاوين مختلفة. ونكبر ونظل نجتمع على حكايا الجدات والامهات، نبحث من خلالها عن هوية، عن خط غارق في الزمان متجذر في التربة، نجد فيها أحياناً مادة درس كما نجد فيها وسيلة إمتاع. لقد صار ضرورياً أن يسجل تراثنا ليكون وثيقة للباحثين وليكون أيضاً في متناول كل الذين يجدون فيه متعة وفائدة ولقد استطاع واضع الكتاب أن يروي كل هذه الحكايا بلغة سهلة رشيقة يخيل لمن يقرؤها أنها ما تزال على شكلها العامي البسيط المسجع، السلس والحار في آن. في النصوص المحكية أمانة شديدة للأصل، لمضمون الحكاية المتداولة وأسلوبها، أمانة لم تفسد النص ولم تذهب بسحره الأول. يملأ هذا الكتاب فراغاً في المكتبة العربية، وقد يكون هو وأمثاله قاعدة دراسات فولكلورية تؤصل تراثنا وتعطيه معناه.
ولد في اللاذقية، وتعلم بها، إجازة اللغة العربية من جامعة دمشق، ماجستير الأدب الشعبي، ودكتوراه الشعر العربي الحديث من جامعة القاهرة.
وظائفه: أستاذ ومدير قسم اللغة العربية من جامعة اللاذقية، أستاذ زائر في قسم الدراسات العليا بجامعة قسنطينة وباتنة بالجزائر، أستاذ مساعد في قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، أستاذ في كلية الدراسات الشرقية بجامعة أكسفورد، رئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بأكاديمية الملك فهد بلندن، عضو عدد من المجالس العلمية، مؤسس ورئيس المجمع العلمي العربي الأدبي بأكسفورد، مؤسس ورئيس أكاديمية أكسفورد للدراسات العليا، عضو عدد من المجالس العلمية في بريطانيا وماليزيا، مدير تحرير مجلة دور شرقية / القوافل بلندن، رئيس تحرير مجلة "مرحبا " للناشئة في بريطانيا.
بعد غياب طويل عن لاذقيتي، في زيارة لم أنو فيها مسبقاً الاهتمام بالكتاب اللاذقي، كاتباً أو موضوعاً، لفت نظري هذا الكتاب في زيارةٍ لمكتبة كردية، وكان أول كتاب أشتريه في هذا الإطار، ولعلّه هو من أوقد الفكرة... اشتريته بسعر 2000 قبل حسم جيد، ثم صدفته في مكتبة الشاطئ بنصف السعر فأخذت الثلاث نسخ الموجودة كهدية (اوقفت نسختين لمجموعة لاذقيين مغتربين) واحتفظت بنسخةٍ أُهديتُ إياها ونسخة مستعملة وجدتها في سوق الجمعة.
ظننتُ مسروراً في بادئ الأمر أن الكتاب جاء عن اهتمام ووعي بضرورة هذا العمل، لأعلم لاحقاً أن مبادرة الفكرة كانت من اقتراح أستاذ جامعي مصري لهذا كموضوع لرسالة دكتوراه للكاتب... جزى الله الكاتب كلّ خير على ما وجدته من نشاطٍ رائع لم يقتصر على هذا الكتاب، وجزى الله خيراً أخوته وأخص بالذكر الأستاذ عزام الذي تشرفت بالتعرف إليه، وعلمتُ أن له جهوداً جبارة في إعادة توفير هذا الكتاب للقارئ، وحبّذا لو يتمّ تكرار هذه التجربة كما أوصى الكاتب نفسه ولو متأخرين...
يبدأ الكاتب بإهداء إلى روح جدته التي أوقدت حكاياتها له شعلة هذا الكتاب...
ينقسم الكتاب إلى القسم الرئيسي الذي يناهز 300 صفحة، يحوي الحكايات التي نقلها الكاتب الى الفصحى (مستثنياً ما يؤذي أساس القصة)، وقسم أول يحوي تفصيل ونقل خاص عن اللهجة اللاذقية، ومقدمة غنية يتحدث فيها الكاتب عن الحكاية وأهميتها في حياه الانسان التي لا تخلو حياته من غرائب الطبيعة واستحالة الاعتماد على المادة والتفكير المادي وحده. وهذه نقطه جدا مهمة.
وتحدث أيضاً الكاتب في مقدمته -التي بالمناسبة قد تستحق ان تكون موضوع كتاب مستقل- عن ضرورة النقل الكتابي رغم اختلافه ومحدوديته في التصوير الجمالي التي عليه أصل الحكاية المحكية، وعن خسارة الفلكلور الشرقي خصوصاً بالمقارنة مع حفاظ الغرب على فلكلوره، ويشرح أيضاً كيف جمع هذه الحكايات محاولاً إثبات (إشمالها في الكتاب) ما يرجح لاذقيتها، بمعايير محددة لا تجزم بلاذقية أصلها بالضرورة، خصوصاً مع جواز قولبة كثيرٍ من الحكايات الغير لاذقية قولبة لاذقية (من هنا جاء تفضيل تعميم النسخة الجديدة من الكتاب بتسميته حكايات شعبيه من سورية، إضافةً ربما لقدرة جذب أوسع للقراء)... ويمضي الكاتب في حديثه عن أهمية الحكايات وتأثيرها وتأثرها في المجتمع وأنه وجد أن الأساس الأخلاقي هو أهم الأسس التي ترتكز إليها الحكايات المقدمة في هذا الكتاب.
ويشرح الكاتب الفرق بين الأدبين الشعبي والرسمي (التقليدي المنشور) ويحكي عن تجربة طفولية شخصية مع صورة مصغرة قد تمثل المراحل التي تمر بها الحكاية من ولادتها حتى تصبح فلكلوراً (أنقلها وغيرها في النهاية).
ثم يتحدّث في الصفحات السبعة الأخيرة من المقدمة عن خصوصية اللاذقية في الحكاية من حيث اللهجة والبيئة، أتبعها ببعض ما سماه "البساطات" وهي مقطوعات من المقدمات الموزونة أو السجعية، تُروى كتهيئة للدخول بجو الحكايات، نقلها مع حكاية واحدة باللهجة اللاذقية العامة، مع جدول شرح جميل لطريقة نقله اللهجة العامية إلى أحرف مكتوبة قابلة للقراءة باللهجة المحكية...
احتوى الكتاب 110 قصة فيما يقرب الـ 300 صفحة، منها ما قد يبدو بائخاً ومنها الرائع الجذاب، ومنها الخيالي ومنها الواقعي، والتي جاءت في ثلاث فئات رئيسية بحسب ما قسمها الكاتب. فئة تخصّ الأطفال وفئة تخصّ اليافعين وفئة للكبار، قد يصعب نظراً لهذا الحجم أن يتم الاهتمام بقراءة الكتاب من عموم القراء، ولو أنه مثلاً شعورٌ لطيف لا يعيه المرء البالغ إلا حين يقرأ أو ربما يستمع إلى مثل قصص الأطفال في هذا الكتاب، بل قصة مثل "توبة الثعلب" و "الثعلب المحتال" و"تفاحة الحياة" تكاد أن تكون بمغزاها السياسي للكبار لكن في صيغة حكاية للصغار، فكثيرٌ من القصص جعلني أتخيل ما هو القائم الآن تأثراً بها، وبعضها ذكرني بشعوري عندما حكت لي جدتي بضع حكايات لا أتذكرها، أو أمي -الأكثر علميّة- التي جمعتنا وأخوتي حولها وقصت علينا قصة أصحاب الكهف، تلك الجَمعة التي برأيي تنافس أهمية محتوى القصة ذاتها، ولا أدري إن كان للكاتب هذه الفكرة.
أخيراً، تمنيت على الكاتب لو ربط كل حكاية براويها، بحيث نعلم ارتباط الروايات فيما بينها بالراوي... ولعلّ شرحاً أكثر عن كلّ راوي أيضاً... وإذا تم إرفاق القصص بروايتها المسجلة مما توفر يكون ذلك رائعاً، ففضولي يسائلني معرفه هل فاتحة القصة أو الخاتمة اختصت بأحد الرواة، وما هي الحكاية التي أكثر ما تكررت بين الراوين، بالإضافة لإغناء القصص نفسها بالرواية الصوتية... تمت قراءه الكتاب تقريبا أول شباط إلى أول آذار...
فيما يلي نقل عن لسان الكاتب في مقدمته وبما يتعلّق بالنقط التي أشرت إليها للتو:
-"هذه هي حصيلة خمس أعوام من البحث تمتدّ ما بين عامي 65 و69، استمعتُ خلالها إلى بضع مئات من الحكايات من كافة أنحاء سورية، ثم تركّز بحثي في حكايات اللاذقية، وانتهيت إلى إثبات هذا القدر منها في هذا القسم من الكتاب. تعود الحكاية إلى المراحل الأولى للإنسانيّة، عندما كان البشر يحاولون أن يجدوا لكل ما يكتشفون مع الأيّام من غرائب الطبيعة سبباً أو قصةً أدت إليه أو يؤدي إليها، وسرعان ما انتشر البشر في الأرض، وانتشرت معهم تلك التفسيرات أو الحكايات، وراحوا يتناقلونها خلفاً عن سلف، مطوّرين بها أحياناً، ومطوّرةً بهم حيناً آخر، حتى انتهت وانتهوا إلي ما هي وإلى ما هم عليه الآن. ومهما بلغت وسائل الرفاهية والراحة التي قدمتها الحضارة الحديثة للإنسان ومهما سهّلت هذه الحضارة الأمور على الناس -أو عقدتها- ومهما وفرت لهم من وسائل الارتباط بالمادة والاعتماد عليها، ومن ثم نسيان الروح والابتعاد عن كل ما يمتّ إليها بسبب، ومهما شطّت النوى بالإنسان عن الحياه الروحية والتهويم مع ما وراء الطبيعة، فإنّ زاويةَ في نفسه -مهما صغرت- تبقى بعيدةً عن هذه التأثيرات وفارغةً من هذه المحتويات، هذه الزاوية تسعى أبداً نحو الروح، وإذا ما فُرّغت من محتواها الروحي توقفت حياة الإنسان العادية عن العمل وأصبح آلةً بلا روح. وليس الدين أو الحقيقة وحدهما هما اللذان يغذيان هذه المدّخرة فيملآن الزاوية الروحية في الانسان، بل يمكن أن يملأها كل ما وراء الطبيعة من عقائد و خرافات وأساطير وخيال، فإذا ما تعبت النفس من المادة، والحقيقة التي تنبني على المادة، راحت تفتش عن الروح، سواء أكانت الروح التي تبحث عنها حقيقةً أم أسطورةً من صنع الخيال. لذلك ترى الأدب الشعبي قد احتل قدراً كبيراً من حياة الأقدمين. لقد كانت الحقائق من حولهم قليلة نادرة، فنسجوا كثيراً من الأوهام والأساطير حول القليل من الوقائع التي أدركوها، أما الأجيال الحديثة فقد ملأت الحقيقة كل ما حولها ولم يبق إلا تلك الزاوية الصغيرة من النفس، والتي تأخذ من الروح ولا تعطيها، وتكتسب من الأساطير ولا تبدعها، ولكنّ حاجتها إلى تلك الروح وإلى تلك الأساطير باقيةٌ مستمرة"
- " وربما كان من الخير ترك هذه الحكايات على حالها تُروى شفاهاً من جيل إلى جيل، ففي ذلك نوعٌ من الجمال يشبه جمال الجزيرة البكر المليئة بالأدغال والأسرار التي لا يلذّ الإنسان بالقراءة عن تضاريسها وأرضها ومن ثم مشاهدتها، بقدر ما يلذّ باستكشافها بنفسه واستطلاع أسرارها وخباياها. لكنّ الفائدة التي تكمن في دراسة هذه الحكايات ودراسة تطورها ومقارنة ما يخص كلّ قطر منها بما يخص الأقطار الأخرى، و التوصّل من خلال ذلك إلى معرفة أخلاق الشعوب وثقافة المجتمعات، وتطوّرها مع تطور حياتها، وما يترتب على هذا من فوائد لأدبنا وحياتنا، كل ذلك، إلى جانب الاختفاء السريع للمواد الفولكلورية، وانقراض هذه المواد، يجعلنا نتغاضى عن الناحية الجمالية الكامنة في الإبقاء على هذه الحكايات بعيداً عن حروف المطبعة. فمنذ ربع قرن {هذا حين نشر الكتاب لأول مره عام 1973} كان الفلكلور في سورية يشمل جميع مظاهر حياة الشعب، سواءٌ في الأفراح أو المآتم أو فيما بين ذلك من المناسبات، ولكنّه سار منذ ذلك الوقت خطوات سريعة نحو الانقراض. واختفى من مسرح حياتنا كثيرٌ من مظاهره، كما مات كثير من الموروثات بموت حملتها من المعمّرين، وبعد أن كانت تعمُر بهذه الموروثات المجالس والسهرات، أصبح البحث عنها من أشقّ الأمور."
- "ولا شك أن وسائل الإعلام والثقافة الحديثة من صحافة وإذاعة وتلفاز وسينما وقصص منشوره {أضف إليها اليوم الحاسوب و الانترنت والهواتف النقالة ومئات الفضائيات} أزاحت الحكايات الشعبية عن مركزها العتيد، ومجالس الحكايات أصبحت نادرة، والرواة أنفسهم يندثرون. وحين وضعت لنفسي مخطط دراسة الحكايات عام 1965 كان في رأسي أسماء عشرات العجائز في اللاذقية كمصادر لهذه الحكايات، وحين شرعت بالجمع فعلاً عام 1968 كان أكثرهم قد توفي، ووجدت صعوبة جمة بعد ذلك في العثور على امثالهن من العجائز اللواتي كنا نعدهن كخزانات محلية للفولكلور. وأوقات الفراغ الكثيرة التي كان يستمتع آباؤنا وأجدادنا -وكذلك أبناؤهم وأحفادهم الصغار- كانت تتيح لهم عقد المجالس اليومية لرواية الحكايات، أما الآن فالصغار شغلوا بواجباتهم المدرسيّة، وبمطالعاتهم في المجلات أو القصص، أو مشاهدة التلفاز والسينما، أما الكبار فمشاغلهم أكثر. وفي الغرب بدأت بعض الخرائط الفولكلورية تهتم بجانب تاريخيّ هامّ هو اختفاء المادة، إن كثيراً من العادات والمعتقدات الشعبيّة آخذةٌ في التراجع والاختفاء. هذا في الغرب، أمّا في الشرق، فمنذ مطلع هذا القرن {العشرين} لاحظ ماسبيرو في كتابه (أغانٍ شعبيةٌ جُمعت من مصر العليا بين عام 1910-1914) أن مصر تتطوّر بسرعة، وأنّ كثيراً مما رآه في زيارته الأولى وما سمعه فيها قد اختفى وانقرض، أو على أحسن الفروض في سبيله للانقراض، ومن ثمّ فلا بدّ من الإسراع بالجمع والتسجيل) هذا في مصر فكيف بالأمر في سورية؟ وإذا كان الغرب قد تدارك تراثه الشعبيّ مبكراً بالجمع والتسجيل ولم يعد يهتم لضياعه بعد أن حفظه الحافظون ودرسه الدارسون، فإن فولكلورنا ما زال -في أكثره- ينتظر من يحمله على عاتقه وينقذه من المدّ الحضاري الذي يوشك أن يكتسحه"
- " والشرق -على رأي أكثر الباحثين- هو البحيرة الكبيرة التي تنحدر منها غالبية أصول الحكايات الشعبية في أقطار العالم كافة، والحكاية الشرقية قد أثّرت في أختها الغربية تأثيراً هاماً وبعيداً، وتمثّل الأمة العربية من هذا الشرق مكان القلب. وهناك احتمال كبير أن كثيراً من حكايات ألف ليلة وليلة إن هي إلا حكايات شعبية عربية أدخلها المدون إلى الليالي، وهذا لا يجعلنا نقطع في الحكم على كل حكاية شعبية نجد شبيهةً لها في ألف ليلة وليلة بأنها إحدى حكايات الليالي، فربما كان العكس هو الصحيح أيضاً، وليس من الصعب أن تستمر حكاية في البقاء سليمة طيلة هذه السنين مهما طرأ عليها من فروق وتعديلات... وتأثُّر حكاياتنا بالغرب يكاد يكون معدوماً، فنادراً ما نجد في اللاذقية حكاية ذات أصل غربيّ، وربما كانت حكاية (ليلى والذئب) هي وحدها بين حكايات اللاذقية مما نستطيع أن نردّه إلى هذا الباب، وإن كان لدينا كثيرٌ من الحكايات التي تشبهها، وقد تكون أصلاً من أصولها، كحكاية (عنزة العنوزية) مثلاً. وعلى العكس تعوّدنا أن نرى كتاب الغرب يستمدون دائماً من معين الفولكلور الشرقيّ، وديوان غوتة (الديوان الشرقي للمؤلف الغربي) خير مثالا على ذلك"
- " ونخطئ إذا حاولنا أن نثبت لحكايات اللاذقية، بل للحكايات السورية عامة، شخصية خاصة بها تمتاز عن شخصية الحكاية في مصر أو لبنان مثلاً، وإن كنت لا أشك في أنّ الحكايات السورية شأنها في كل قطر من أقطار الشرق الأوسط يجمع في سكانه بين البداوة والحضرية، تنقسم إلى بيئتين متيزتين: البيئة الشرقية، وهي بيئة البادية ومدنها، والبيئة الغربيّة، وهي البيئة الحضريّة التي تشمل أكبر المدن السوريّة ومنها مدينه اللاذقية. وفي اللاذقية -كما في أي مدينة أخرى- حكايات معروف أصلها الدمشقي أو الحلبي أو الحمصي أو الحموي، وقد انتقلت إلى اللاذقية حديثاً مع حملتها من أبناء المحافظات الأخرى، ولكنني كنت أركّز في أسئلتي قبل سماع الحكاية على هويّة الراوي وأصل أبيه أو جدّه الذي سمع الحكاية عنه، فإذا كان يمتّ بصلةٍ إلى مدينه سورية أخرى غير اللاذقية اكتفيت بسماع حكايته دون إثباتها "
- "ومن هنا يظهر الفرق الجوهريّ بين الأدب الشعبيّ والرسميّ. فالأدب الشعبيّ يتمتع بالاستمرار، المتأصّل المكتسب في وقت واحد، بينما يتوقّف الأدب الفصيح عند اللحظة التي ألّف فيها، ويصلنا ليعبّر عن تلك اللحظة وحدها، دون أن تترك فيه السنون آثارها وملامح مجتمعاتها كما تفعل بالأدب الشعبي. ومع هذا، فلابدّ أن نعترف بأنّ بعض حكاياتنا قد يكون نتاجاً لعبقريةٍ قصصيةٍ شعبية متفردة مجهولة، وقد يكون بعضها مجرّد أحلام يقظةٍ لطفلٍ هيّأ له خياله الغريب تلك الحكايات فقصّها على أترابه، وربّما احتفظ بها هؤلاء فقصّوها على أبنائهم من بعد، وهكذا. وما زلت أذكر كم كنت ألذّ في صغري مع أخوتي عندما كان أخي الأكبر -الصغير أيضاً- يجمعنا فنتمدد جميعاً على فراشٍ واحد لنستمع إليه يقصّ علينا -وهو يحدّق بالسقف أو النجوم محلقاً مع خياله -تلك الحكايات الطويلة التي تعدّدت جلساتنا دون أن تنتهي، عن أناسٍ ابتلعتهم سمكةٌ عظيمة، فأنشأوا في داخلها عالماً حضارياًّ جديداً، ففتحوا الشوارع، وبنوا المساكن، وأقاموا المصانع، مستفيدين من شتّى أعضاء السمكة الداخلية، ومستخدمين ذكاءهم وفطنتهم في كل ذلك، تحثّهم شدّة حاجتهم ورغبتهم في الحياة، ولقد كنّا نتلهّف لسماع الحلقة التالية من القصة، ومتابعة تقدّم هذه الحياة الغريبة في جوف السمكة. وقد يأتي يوم نعود فنقصّ حكاية أخي هذه على أبنائنا الصغار، بعد أن نكون قد نسينا منها ما نسينا، فأضفنا إليها من بنات خيالنا ما أضفنا، فيحملها عنّا الصغار إلى أبناءٍ لهم ينتظرون الحياة... هذه الصورة المصغرة رسمتها من الواقع، ولعلّها أصدق تمثيلاً من أي شيء آخر للمراحل التي تمرّ بها الحكاية منذ ولادتها حتى مصبّها في النهر الفولكلوري الكبير، متعرّضةً في طريقها لشتى التطورات، من حذفٍ وإضافةٍ وتغييرٍ وتهذيب"
- "ورغم عوامل الانقراض التي انتابت الحكايات في اللاذقية خلال ربع القرن الأخير، فما زالت {حتى وقت إعداد هذا البحث قبل أربعين عاماً} أكثر من أن يقوم باحث واحد بجمعها في بضع سنين. وقد ساعدتني الفترة الطويلة التي قضيتها في تهيئتي لهذا البحث على جمع أكبر عدد ممكن من الحكايات. فعدا عن زهاء مائتي حكاية أخذتها في البداية من محافظات دمشق ودرعا وحمص وحماة والرقة ودير الزور والحسكة، استمعت بعد ذلك إلى ما يقرب من خمسمائة حكاية من اللاذقية موزعة بين أحيائها الكبيرة السبعة: الشيخ ضاهر - الصليبة - الصباغين – العوينة – الشحادين (الأشرفية) – القلعة – الكاملية. ولم أثبت جميع هذه الحكايات في مجموعتي، إذ أسقطتُ منها الحكايات المتقاربة -وما أكثرها -إلّا ما أثبتّه منها على سبيل الاستفادة من مقارنتها فيما بينها، على ألّا يكون الاختلاف ناشئاً من نسيان أحد رواتها المعاصرين لبعض أجزائها، أو عن لجوء راوٍ آخر إلى تفصيل أكثر في سرد حوادثها، بل عن اختلاف يرجّح أنه يمتدّ إلى ما قبل جيلنا هذا."
- "ومن ناحيةٍ ثانية، أسقطت من مجموعتي الحكايات التي انتُزعت من (ألف ليلة وليلة) أو غيرها من القصص الشعبي الرسمي {وأقصد به السير الشعبية المنشورة غالباً، فاتخذت بنشرها صفةً أقرب إلى الرسمية}، ولكنني أثبتّ بعضها أيضاً لاستعراض الفرق بينها وبين نصوصها الأصليّة،وملاحظة تطورها خارج النص الأصلي، وقد أدركت أنّ كثيراً من حكايات الرواة من الرجال مقتبسة من ألف ليلة وليلة، على عكس النساء اللواتي قلما كنت أعثر لديهن على حكايات منحدرة من الليالي. ولعلّ هذا راجعٌ إلى أنّ الرجال كانوا يأخذون حكاياتهم على الأغلب من (الراوي) في المقاهي أو المجالس العامة، وذلك الراوي كان كثيراً ما يعتمد على كتب القصص الشعبي كمصدرٍ لمحفوظاته، وربما كانت (الليالي) تُلقَى في وقتٍ من الأوقات في المقاهي والمجالس، كما يحدث للسير الشعبية اليوم، هذا إذا لم نستند في تفسير ذلك إلى نظرية الأصل النسويّ للحكايات. أما النساء فأكثر حكاياتهنّ متداولة فيما بينهنّ، وربما كان هناك بعض الانفصال بينها وبين حكايات الرجال، لذلك رأيت أن أعتمد على رواياتهنّ في أغلب الأحيان، إلا أنّ هذا كان يسبّب لي -من ناحية أخرى- كثيراً من الصعوبات. فبيئة اللاذقية المحافظة كانت تقف حائلاً بيني وبين عجائز المدينة اللواتي كنّ يتمنّعن عن إظهار وجوههنّ لرجل، فكيف بمجالسته وسرد الحكايات عليه! وكنت إذا استطعت الوصول إليهنّ أجد صعوبةً كبيرةً في انتزاع الحكايات منهنّ، إذ كيف يروينها لرجلٍ والحكايات من شأنها أن تُحكي للأولاد. وقد ذلّلت هذه العقبات جميعاً بشتى الوسائل، والعثرة الكبيرة التي أعترف بأنّني لم أستطع التغلّب عليها في كثير من الأحيان هي تسجيل الحكايات على الأشرطة، فنساء اللاذقية كنّ يقبلن كلّ شيء إلّا أن (يؤخذ صوتهن) ومن تقبل في النهاية أن (تعطي صوتها) كانت تبدو متكلفةً منقبضةً في روايتها، مما كان يضطرّني غالباً إلى الاستغناء عن التسجيل، والاكتفاء بالاستماع إلى الحكاية وكتابة أهمّ عناصرها أثناء ذلك، ثمّ العودة إلى مكتبي لتسطيرها كما سمعتها. وكنت أعمد أحياناً إلى تكليف بعض الأشخاص من ذوي القاصّة للقيام بتسجيل الحكاية، وكانت النتيجة على الأغلب تسجيلات سيّئة ومشوهة، كما لجأت في ظروف نادرة إلى التسجيل الخفيّ بحيث لا تشعرالقاصّة بوجود آلة تسجيل."
- "ولم يكن القاصّ أو القاصّة ليروي حكايته عليّ إلا ليلاً، لأنّه - كما يقول – لا يتأتّى له أن يقصّ في النهار. وكأنّ الليل هو مستودع الحكايات فلا تظهر إلا فيه، وهذا المبدأ ربما كان نتيجة طبيعية لرغبة الناس في تخصيص النهار للعمل وأمور المعاش، وترك اللهو وأسبابه إلى الليل، وسكان مدن الفرات ما زالوا يقولون (اللي يخورف في النهار يصير حمار). وغالباً ما تقتصر مجالس الحكايات على النساء، وربما حضرها بعض الرجال من الأقربين، وفيها تبدأُ القاصّة بتلاوة البُسُط (جمع بساط) وهي مسجوعات أو زجليات يمتدّ بعضها إلى بضع دقائق. وقد يتضمّن البساط حكايةً كاملة، وربما كان مجرّد تركيب طريف للكلمات أو الجمل أو المعاني، وكأنّ هذه البُسُط (تبسط) القول للقاصّة لتدخل رواية الحكاية، أو تبسط أذهان المستمعين لترقّب الحكاية بلهفةٍ وشوق، ولذلك يسمّونها في عددٍ من المدن السورية الأخرى (دهاليز)"
- "وكان أشدّ ما حرصت عليه أثناء كتابة الحكايات وتثبيتها في المجموعة: هو نقلها من العامّية إلى الفصحى بأقلّ قدرٍ ممكنٍ من الكلمات أو الجمل التي كنت أضطرّ إلى إضافتها أحياناً لإبراز المعنى وإيضاحه. فهناك فروقٌ جوهريّةٌ في الأداء بين الأساليب العامّية والفصحى لا يعرفها إلّا من مارس الترجمة من الأولى إلى الثانية على نطاق واسع. لذلك لن يرى القارئ في حكاياتي هنا تلك الأساليب الرفيعة في الكلام، بل إنّه ليشعر أحياناً - ربّما – بضعف اللغة، أو ما يظنّه كذلك، وما هو في الحقيقة إلّا سيطرة الأسلوب العامّي والمحافظة على نقله إلى الفصحى كما هو قدر الإمكان. وقد أبقيت حقاً على عامّية الأسجاع في الحكايات، وكذلك الأزجال والعبارات المتكرّرة أو ما أسمّيه (المرتكزات الذهنيّة) - أي التي تساعد القاصّ على تركيز حوادث الحكاية في ذهنه وتثبيتها - فأوردتها كما هي حرصاً على إبراز نماذج من اللهجة العامّية لأبناء اللاذقية، من ناحية، وحرصاً على المحافظة على بعض القوالب الجزئيّة التي ربّما تكون قد استقرّت في الحكايات على صورتها الأصليّة لمدّة طويلة من الزمن، لأنّ الرواة يحفظونها عن ظهر قلب كما هي، مسجوعةً أو موزونةً، من ناحية ثانية."
الحكايات في هذا الكتاب مشوهة قليلاً، والسبب الأكبر في تشوهيها.. تطور الحكاية تبعاً لمن يحكم البلد.. ورغم أن المؤلف فقط جمعها كما قال، ولكنه ساهم أحياناً في تشويهها... فمثلاً عند عدم ورود اسم بطل الحكاية يقوم هو بتسميته حسن... وهكذا يبدو أن الجميع قام بذلك.. والأهم أن بعض الحكايات مشوهة بالكراهية والانتقام... وهي ما يجب العمل على تنقيته إذا رغب في استخدامها في مكان ما... بعض الحكايات إذا تم تعديلها قليلاً تصبح غاية في الروعة... على الرغم من عدم تمكننا من إعادتها لعصورها الحقيقية... فكل الحكايات عدلت لتناسب المنحى العام الديني وأحيانا السياسي وضاعت جذور وأصول الحكايا..