ديوان شعري حساس تجاه القصيدة، ويفيض في عوالم الإلهام، وبكثير من الإلتفاتات الذكية والصادمة، يحلق ماجد الثبيتي مثل صقر ليقبض على المعنى في كامل عنفوانه، انه ديوان الأسئلة والفلسفة والعمق المفخخ.
الإشارة عمداً نحو أي اتجاه، هل بالضرورة أن يكون الإتجاه الخطأ؟ نعم. يقدم ماجد الثبيتي في مجموعته الشعرية " الاشارة عمداً نحو الإتجاه الخطأ" أسلوباً شعرياً بسيطاً ويمشي بخفة، إنها تلك الحالة التي حينما تقرأها تشعر بأن الشعر أكثر الأشياء سهولة، وهو كذلك بالطبع إن وصل إلى قلبك. يقول ماجد بأنه لم يكن شاعراً، أنا مجرد خطأ شعري. ثم يقفز من نفسه ويقول: أحياناً كثيرة أبدو من بعيد، مثل: لافتة تشير إلى مكان لا وجود له. ويقول عائداً إلى نفسه: كتبت كلمات كثيرة جميعها تقول: لا جدوى. ولا ينسى أن يعرّف عن نفسه قائلاً: مرحباً، أنا اللحظة التي يقرر فيها المنتحر التراجع عن خطته، ولكنه يكون قد فات الوقت. نعم أنا هذه اللحظة للأسف. وأما حين تحدث عن تنويعات اليد قال: اليد التي تمسح السبورة، تلوح للكلمات وداعاً. وقبل أن يسرقه الوقت يقول في تنويعات الباب: امتياز الجدار الوحيد أن به صدعاً. و.. بابٌ موارب: أقرب صورة لإيحاء جنسي. و.. الباب الذي يقوم بدور مخرج طوارىء، باب شهم. وحينما يسأل ماجد، يصنع الأزمات: " عمرك فيما أفنيته؟" أصمت طويلاً دون أن أجيب. و.. إلى أي مكان سيهرب الطير، وكل السماء بيته؟ و.. حمالة الصدر لديها سؤال: " أين سيذهب كل هذا؟" و.. الأسئلة التي لا إجابات لها، أتشعر بالوحدة فقط؟
لا يسعني في النهاية الا أن أقول أن هذه المجموعة ذات رهافة شعرية بومضات ومقاطع تتفاوت في قوتها وعمقها، لكنها في المجمل تجربة ثرية قررت أخيراً أن تخرج إلى العالم.
رغم أنك قد تُنهي هذا العمل خلال ربع ساعة تقريباً، إلا أنّك ستخرج منه ملتذاً، مكتفياً، تفيض في عوالم ملهمة. هذا العمل حسّاس تجاه القصيدة، له التفاتات ذكية حقاً وصادمة. هذه القراءة متعة وحزن أصيل. شكراً ماجد، شكراً أثر.
"أحياناً كثيرة أبدو من بعيد، مثل : لافتة تشير إلى مكان لا وجود له".
يجيء "الثبيتي" بخواطر شعرية قصيرة ومجتزئة، يقرأ من خلالها الحزن الخامل في الروح، وصمت الجدران، ورحيل الأباء وتوهان الأبناء من بعدهم، والإتجاهات الصعبة، والأماكن التي لا وجود لها، والمشاعر الغامضة، والحقائق المألوفة، وعن مسألة تعايشنا مع أسمائنا، والأغنيات القديمة المرتبطة بذكريات آزلة، والأحلام الرمادية وتلك الصاخبة، والليالي الجميلة العابرة، وعن لعب الأطفال، وفناء البيت وكل محيطه وجدرانه، وعن الأمور التي غيبها القدر، وعن علاقة الفرد بمركبة سيره، والساعات التي نشعر فيها بالضياع، وعن المرارة التي تقبع في الروح، وعن الأمور التي يملكها الفرد ومع ذلك لا يجد وقتاً لها، وعن الجمادات التي تخاطبنا في خيالنا، وعن تلويحات اليد، وأحاديث الأبواب، وعن العمر فيما أفنيته، وعن الحياة كلها بما فيها من مصادفات وأحداث ومواقف ووقائع روتينية وأخرى طارئة.
رغم أن "الثبيتي" يكتب كل تلك الخواطر بلغة لذيذة وناعمة، ذات تعابير شاعرية لطيفة، إلا أن بعضها تأتي بفكرة ذات صياغة إنشائية بعيدة كل البعد عن طابع الشعر الذي يغازل الروح ويترك أثرها فيها، وبعضها تأتي بأفكار مقتضبة أو غير مكتملة، وقليل منها ما جاءت بفكرة حيوية وجديدة خاطبتني أو مسّت في داخلي شيئاً، الأمر الذي جعلني أعيد مسألة تقييمي لتجربة القراءة في سرده هذا، رغم أن الحماسة كانت موجودة على الدوام خلال القراءة فيه وكذلك قبل الشروع فيها، إلا أني خرجت منها بخيبة أمل ضئيلة، ولم تلاقي توقعاتي مما كنت آمل إيجاده في هذا الطرح، ومن خلال الخوض في عوالمه.