أتاني وجهه مغبّشاً، لا يتبدّى منه سوى نظرةٍ سوداء حادّة، وأثر سكّين في خدّه الأيسر. تبّاً لهذا السكّين! ألا يزال هنا، منغرزاً في ذاكرتي؟ ويدي؟ لمَ لا تزال إلى اليوم ترتجف كلّما تذكّرت لحظة طعنته في وجهه؟ من أين أتيت بالسكّين يومها، وبكلّ تلك الجرأة وذلك التوحّش؟ لا أدري... لا أذكر سوى الطعنة... وسكيّنٌ علق في عمق خدّه وسلبني هدوئي، وعينيه المذهولتين، إذ غطّى الدم وجهه، واعتلى الصراخ في فضاء الغرفة. أذكر أيضاً أنّهم احتجزوني يومها في قبوٍ صغير معتمٍ، وتركوني هناك، بمفردي، ليلةً كاملة، أبكي وأصرخ وأنتحب، محاولاً أن أقنعهم بأنّ طوني هو من بدأ الاعتداء، وأنّي كنت أدافع عن نفسي فقط
غيداء طالب: كاتبة لبنانية تعمل في التّدريس. عضو في اتّحاد كتّاب وأدباء الإمارات. حاصلة على إجازة في اللّغة الفرنسيّة وآدابها من الجامعة اللبنانيّة، وعلى ماجستير في تعليم اللّغة الفرنسيّة من جامعة السّوربون. صدر لها عن دار نوفل ثلاث روايات: "قلب الغريبة" عام 2022، "بين غمّازتين" عام 2018 و"كلّ عام وأنت حبّي الضّائع" عام 2014. كما صدرت مجموعتها القصصيّة الأولى "نساء في مهبّ الحب" عن دار الفارابي، عام 2012.
لم تنجح غيداء طالب هذه المرّة باستدرار انتباهي. لم أتفاعل مع شخصيّات الرواية. شعرتُ أنّ الكتاب وجبة باردة بائتة. ذكّرني أسلوب السرد بطريقة نازك سابا يارد، طريقة مباشرة ولغة بسيطة بساطة مزعجة. الأحداث غير محبوكة أو محبوكة بطريقة غير احترافيّة لا تليق بكاتبة مثل غيداء تكتب للمرّة الثالثة. ناهيك عن المواضيع المطروقة عشرات المرّات في الأداب العربي والغربي. أزعجتني بعض الجمل التي قرأتها سابقًا بروايات قرأتها. قد يكون تخاطر أدبي، هذا الشيء وارد، لكنّ كثرتها في الرواية جعلني أتفكّر: هل هذه صدفة؟
نجمة للأسلوب الكتابي الممتع فهي تُقرأ بسرعة ونجمة للاقتباسات الجميلة في الرواية. ولكن، يتخلّل العمل العديد من المشاكل التي أفطن إليها وتتوضّح أمامي أكثر كلّما مرّ وقت على إنهائي الرواية. أسعدتني لغتها الجميلة وشدّتني الحكاية في أول الرواية لكن سرعان ما أقحمت بطل الرواية في صراعات متشعّبة مع باريس وبيروت وأمّه بالتبنّي ووالداه البيولوجيّان وحبيبته السابقة وعلاقة جديدة مع من تعرّف بها على متن الطائرة. وجدت تقسيم اليوميات ممتعًا. وإذ بها تعدّد أصوات الرواة ولا تحصرها بالبطل. وبدل أن تبدأ بمعالجة صراعات البطل الكثيرة، تزيد عليها علاقات ولقاءات وشخصيات تثقل الحبكة وتشتّت المغزى والحدث وتضيف طابعًا عشوائيًا غير منطقيًا البتة. تبادر لذهني وأنا أقرأ الرواية بأنني قرأت عن ثيمات الحرب والغربة والعائلة والتخلّي بطريقة أعمق وأكثر صدقًا وجديّة. لا يحتمل أسبوع في بيروت لكل هذا! برنامج تلفزيوني وملاحقة أصوله البيولوجية والتعرّف إلى أفراد عائلته الموسّعة، وأصدقاء باريس وعشيقة في باريس، وأفراد عائلة أمه وجارتها وزوجها وعائلة حبيبته السابقة وعائلة صديقته الجديدة ومعارفها وسوّاقي التاكسي وأتراب ومسؤولو الميتم والمارّون على الكورنيش وشوارع ومناطق لبنانية عديدة لم تفلح في إبراز هويتها. كتبت عن شارع مار الياس كأنها تكتب عن منطقة الحازميّة أو غيرها من المناطق الكثيرة التي أصرّت أن تذكرها دون أي ضرورة تخدم النص. لا خاصيّة للمنطقة، لم أشعر بأنني أعبر هذه الطرقات مع الكاتبة. كيف تكتب عنها بتلك البرودة الخالية من نكهة المنطقة المميزة؟ لم يكن هناك من داع لذكر المناطق سوى أنها أرادت أن تظهر الهوية الطائفية لكل منطقة وهنا نقع في هوّة أخرى في الرواية: لم تشتيت البطل بين أم مسيحية وأب مسلم وحبيبة مسلمة وعلاقة جديدة درزية؟ يكفي الصراع بين الوالدين لتبني عليها رواية ملحمية في الهوية والانتماء وطائفية البلد. الرواية من 200 صفحة وفيها نحو خمسين شخصيّة. يمكن إضافة الصراع مع الحبيبة المسلمة الفرنسية أيضًا مع أنّ ذلك يشعّب الموضوع نحو صراع حضاريّ بين الشرق والغرب وهذا أمر فضفاض على الرواية. لكن إقحام الاتجار بأطفال الميتم وعلاقة مع فتاة درزية في بيروت ومساكنة فرنسية في باريس أطاح بهذه الثيمة عرض الحائط وأشعرني بأن الكاتبة تودّ الحديث عن عديد من الثيمات دون خطة جديّة لتطوير وإنضاج الرواية. توسّع الكاتبة أغصان الرواية كأذرع لبلاب وبدل أن تختم هذه الصراعات بطريقة ما، تترك كل شيء معلّقًا مشلّعًا وكأنها ليست من تروي الحكاية وتقحمنا في علاقة رباعية للبطل مع حبيبة من عشرين عام وأخرى التقاها الأسبوع الماضي وثالثة تنتظره في بيتهم المشترك في باريس. وكيف تنهي الرواية؟ بأنّ البطل سيكتب قصته.
نحن لا نخجل أمام الغرباء لانهم يرحلون ويطوون وجوهنا كأنهم لم يرونا مطلقاً، أما المعارف والأصدقاء، فهم من نحتاط في استعراض خيباتنا أمامهم لأننا نخشى ذاكرتهم ولا نثق بظنونهم.
لكل مدينة في هذا العالم ملامحها الفريدة، وسحرها الخاص، وانوثتها المميزة. لكل مدينة وجهٌ وذاكرةٌ وأبجديةٌ لا يشاركها فيها أي مكان آخر.
للحظ فنونٌ أحياناً في استمالة قلوبنا، نحسبه فارقنا وهو عند عتبة بيتنا، يراقبنا بمكر وينتظر استنفادنا كلّ الآمال ليمدّنا مبتسماً بأملٍ إضافي.
لا شيء غير الدموع يغسل بواطننا الملبدة بالسخط والألم والأسى.
فالأماكن كالبشر، تحرص على تدوين الألم بكل تفاصيله، وتبرع في استذكاره وإحيائه، فيما يمر الفرح عابر سبيل فقط، لا نستوقفه كثيراً ولا نذكره دائماً.
كم هي رائعة في ترجمة مشاعرنا الى كلمات يقف عند سماعها العمر... نتناسى ولاننسى ... نسامح ولا نسمح .... روايه وان بدت وتيرتها معهوده الا ان نهايتها ختمت تاركه لنا حرية الاختيار بالابقاء على يار او جوليا او منى.... اقتباسات منها تكاد تكون قاتله لمن يفهم 🤍
ولأول مرة أقرأ رواية لكاتبة من لبنان، كم أحبّ لبنان، وأشعر أنّ لدي صلة وثيقة فيه، أكثر ما أعجبني بالرواية هو إدخال اللهجة اللبنانية فيها، أعطت الرواية جمالًا لا نهائيّ. بالمناسبة، الكاتبة صديقة والدتي، وكان هذا الكتاب إهداءً لها، فشكرًا ماما ❣️
استمتعت كثيرا في قراءة القصة. لكل حكايته و ووجهة نظره. اجادت الكاتبة الكلام بصيغة شادي تارة و بصيغة امه و ابيه و حبيبته. و كم ابكاني حديث الاب. نكاد نشعر باحاسيسهم كلها. احببت ايضا التشابيه و الوصف كانني ارى لوحة ترسم امامي. النهاية كانت جميلة لرجل لم ينفك عن حب اول حب له و يحاول عبثا المضي في حياته مع حب اخر. علما ان الفتاتين التين اغرم بهما متشابهتين بالكثير من الامور، اتراه يبحث عن الاولى في يارا؟؟