يضم هذا الكتاب مختاراتٍ محكّمة من بحوث قُدّمت في مؤتمر «العرب والولايات المتحدة الأميركية: المصالح والمخاوف والاهتمامات في بيئة متغيرة»، الذي عُقد في الدوحة في الفترة بين 14 و16 حزيران/يونيو 2014. ويفكك الكتاب هذه العلاقة المركّبة، موضحًا أوجهها المختلفة، مع الأخذ في الحسبان التحوّلات التي طرأت عليها منذ بدأ احتكاك الولايات المتحدة الأميركية بالعرب قبل نحو قرنين.
يتألف الكتاب (639 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من ثلاثة أقسام: الاستراتيجيا الأميركية في الشرق الأوسط، وفيه سبعة فصول؛ والعلاقات الثنائية العربية – الأميركية، وفيه أيضًا سبعة فصول؛ والمقاربات الأميركية تجاه الثورات العربية، وفيه أربعة فصول.
مقاربات التدخل
في الفصل الأول، جذور الواقعية والمثالية: تدخل الولايات المتحدة الأميركية في شؤون الشرق الأوسط بين عامي 1918 و 1939، ركّز ريتشارد مورفي على الجانب التاريخي في الاستراتيجيا الأميركية في الهلال الخصيب؛ "إذ يشير إلى ندرة اتّهام الولايات المتحدة بالنفاق في الفترة الممتدّة بين معاهدة فرساي واندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث أدرك معضم شعوب المنطقة أن مصالح الولايات المتحدة فيها محدودة، وأنها متمسكة بمبادئ وودرو ويلسون الأربعة عشر التي تكفل لها حق تقرير مصيرها. وفي الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، نادرًا ما تدخّلت الولايات المتحدة في شؤون النصف الشرقي من الكرة الأرضية. لكن اعتبارات الحرب الباردة فرضت على الولايات المتحدة تغيير استراتيجيتها في المنطقة العربية، فزادت صعوبة التوفيق بين المصالح والقيم الأميركية، ما أوجَد أبعادًا سلبية في العلاقات العربية – الأميركية.
رأى مروان قبلان، في الفصل الثاني، المقاربة الأميركية تجاه تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، أن الولايات المتحدة تعاملت مع الصراع العربي - الإسرائيلي منذ بدايته بمنطق إدارة الأزمة لا حلّها، وباعتباره وسيلة لخدمة أهدافها الاستراتيجية العليا في المنطقة. وفي أثناء الحرب الباردة، بقيت الولايات المتحدة تنظر إلى عملية السلام في الشرق الأوسط من زاوية قدرتها على التأثير في مصالحها الاستراتيجية: منع التغلغل السوفياتي في المنطقة، وحماية إسرائيل وضمان استمرار تفوقها العسكري والتقاني على الدول العربية، وتأمين إمدادات النفط لضمان حسن أداء الاقتصاد الأميركي. بعد الحرب الباردة، تغيرت طبيعة التهديدات للمصالح الأميركية، لكن واشنطن استمرت في سياسة إدارة الأزمة، فكانت تظهر المبادرات ويتكثّف الحضور الأميركي كلما زاد الاضطراب السياسي والعسكري في المنطقة، أو تعرّضت مصالح واشنطن للخطر كما حصل بعد 11 أيلول/سبتمبر2001 ، وفي أثناء الاستعداد لغزو العراق، والخروج منه.
تسويات ومشاهد
في الفصل الثالث، التسوية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين وآفاقها في ظلّ إدارة أوباما: الواقع والآفاق، عرض أسامة أبو أرشيد مساعي إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لتسوية القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى القلق الإسرائيلي من الخلفية الحقوقية والسياسية والمدنية لأوباما، على الرغم من أن أعوام خدمته القصيرة في مجلس الشيوخ امتازت بانحيازٍ كامل إلى إسرائيل. مارس أوباما في أول عام ونصف من إدارته الأولى ضغوطًا غير مسبوقة على إسرائيل مطالبًا حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوقف الاستيطان، والأسباب خلفية أوباما الفكرية والتاريخية والسياسية، ورغبته في تحقيق إنجاز لم يسبقه إليه رئيس أميركي، واقتناع الدوائر السياسية والاستخبارية والعسكرية في واشنطن أن استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي من دون تسوية مقبولة يؤثّر سلبًا في المصالح الحيوية والأمن القومي الأميركيين.
تناول مازن الرمضاني في الفصل الرابع، مستقبل السياسة الخارجية الأميركية حيال العراق: ثلاثة مشاهد، مستقبل العلاقات العراقية - الأميركية بعد الاحتلال الأميركي (2003)، "إذ حظي موضوع مستقبل السياسة الخارجية الأميركية حيال العراق، وكذلك العلاقة بين الطرفين، باهتمام كبير. بيد أن عدم التماهي مع كيفية إعداد دراسة مستقبلية أدّى بعدد من الدراسات إلى أن تكون - عمليًا - دراسات في الماضي أو الحاضر، مع إشارات مختصرة للمستقبل. ومن هذه الإشكالية ذاتها برزت فرضية البحث الأساسية: إدراك الولايات المتحدة للعراق في الماضي والحاضر حدّد أنماط تعاملها معه، ومن المرجّح أنه سيحددها في المستقبل، في الأمد المتوسط أيضًا.
إقليميات شرق أوسطية
في الفصل الخامس، هل تعيد الولايات المتحدة تعريف سياستها في الشرق الأوسط؟، حاول إبراهيم فريحات قياس درجة التغيير في السياسة الأميركية من خلال ثلاثة مؤشرات: الاستقلال الأميركي النسبي عن نفط العرب؛ والاهتمام الأميركي المتزايد بمنطقة آسيا - المحيط الهادئ؛ الرأي العام الأميركي وميله إلى معارضة أي تدخّل أميركي في التغيرات السياسية في العالم العربي. استنتج فريحات أن النفوذ الأميركي في الوطن العربي أُصيب بالانحسار العمودي وليس الانحسار الأفقي، "بمعنى أن حلفاء الأمس بالنسبة إلى الولايات المتحدة هم حلفاء اليوم وربما غدًا أيضًا، لكن قوّة تأثير الولايات المتحدة في الحلفاء أنفسهم تراجعت".
ركّز رغيد الصلح في الفصل السادس، الولايات المتحدة والتكامل الإقليمي في المنطقة العربية، على المواقف والسياسات الأميركية من العمل العربي المشترك، باحثًا في تفصيلات السياسات الأميركية تُجاه مُنعطفاتٍ تاريخية عربية مهمّة بعد الحرب العالمية الثانية، كي يجد بسهولة علامات المعارضة الأميركية لمشروعات التكامل العربي، ودورها السلبي في هذا الصعيد. لكن الباحث يترك الباب مفتوحًا لإمكان نهوض نظام إقليمي عربي متوازن في المستقبل، مستندًا إلى متغيرات اقتصادية وسياسية في بنية النظام الدولي.
أما قادير أوستون فتناول في الفصل السابع، الدور التركي في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، مسألة الأدوار الإقليمية للسياسات الأميركية في المنطقة، آخذًا من الدور التركي أنموذجًا لها في عهد أوباما. أوضح أن المنطق...