لماذا لم تكن تلك الدراسة الممتعة حقًا التي كتبتها الدكتور نجلاء مكاوي دراسة مطولة أو أكبر من تلك الدراسة حجمًا!! لقد أبدعت فعلًا في رصد أدوات محمد علي باشا التي استعملها في السيطرة على المجتمع واستغلاله من أجل بناء مشروعه الخاص، كان أهم تلك الأدوات هما: الدين والقانون، هذه الأدوات قامت ببناء أطر جديدة حاكمة لعلاقة المجتمع بالسلطة وضبطه وتنظيمه، وهنا تبدو مسائل محورية في مشروع محمد على باشا= وهي مسائل لها تعلق بوضعية الدين في دولة الباشا، و القانون باعتباره تقنية سيطرة على المجتمع.
وهنا إذا كان الباشا قد أقام صرح مشروعه على فكرة " التحديث"، فهل ستبدو تجربة محمد على باشا أقل إبهارًا إذا تم دراستها بمعزل عن السردية القومية التقليدية من خلال دراسة الدين والقانون في مشروع الباشا! هنا تنتهج الدكتور نجلاء نهج فوكو و خالد فهمي في تعرية نظام الباشا سواء ببيان أنه لم يكن مشروعًا تنويريًا في مجمله، أو في موقفه من الدين والقانون، وأهم ما فعلته هنا في دراستها أنها وضعت إصلاحات محمد على بما فيها القانون كضابط ومنظم داخل إطار مشروعه العام الذي يهدف إلى تكوين سلالة حاكمة، وهنا تنظر الدكتور نجلاء للدين داخل إطار مشروع محمد على بوصفه من ضرورات الحفاظ على الطابع الإسلامي للحكم، فمنذ بداية ظهور محمد على وهو يُظهِر نفسه بمظهر " المسلم الملتحف بعباءة الدين والزاهد في السلطة" الحريص على الشرعية العثمانية للحكم؛ ومن هنا كان من الطبيعي أن يتم استدعاء الدين في حروب محمد على مع السلطان في الحجاز ضد الوهابيين أو في المورة ضد اليونانيين، لكن ما شكّل مأزقًا حقيقيًا للباشا هو حروبه ضد السلطان العثماني نفسه، وهنا لأول مرة يتخلى محمد على عن الشعارات الدينية في حروبه.
لم يكن استعمال محمد على للدين قاصرًا على حروبه، فأفكاره التحديثية حول المؤسسة العسكرية واجهت احتجاجات دينية ممثلة في اعتراضات قادة الألبان وبعض العلماء، ولم يكن الباشا كما يقول الكتاب يرغب في خوض الدين في تلك المناقشات، فتخلص من معارضيه بطرق مختلفة، ومع ذلك زجَّ الباشا بالدين عندما استعمل الفقهاء والعلماء من أجل تبرير عملية التجنيد التعسفي الذي قام به الباشا، ولإقناع العامة بأن التجنيد خدمة دينية خالصة، وفي هذا السياق يؤكد الكتاب أن محمد على لم يجد صعوبة في استخدام العلماء بما يخدم مشروعه، حيث قدّم إليهم بعض التنازلات في الضرائب وأعفى بضاعتهم من الجمارك.
ومن هنا كلف شيخ الأزهر " محمد العروسي" بأن يُكلف أحد العلماء بالكتابة عن إصلاحاته، وقد كان، فكتب خليل بن أحمد الرجبي مخطوط تاريخ الوزير محمد على باشا، الذي استعمل فيه كثير من الأدلة ( الشرعية) !! على وجوب اتخاذ النظام العسكري الجديد! وهذا النظام العسكري هو الذي دفع محمد على نحو كافة أنشطته التحديثية، ومن ثم أراد استعمال القانون كأداة ضبط وسيطرة سواء على تلك المؤسسة أو على النظم التي تخدمها و ووضع أليات لجمع الضرائب والجبايات، و مواجهة ظاهرة التسحب من القرى.
يحاول الكتاب تفنيد السردية التقليدية عن المنظومة العقابية للباشا التي اتسمت بالترشيد والعقلانية، وهي سردية ترفضها الدكتور نجلاء، ومن خلال الوثائق تثبت عكس ذلك، بل في أحيان كثيرة كانت العقوبة لا تتلائم مع الجرم، فيرصد الكتاب كيف أن التمسك بالقسوة المفرطة أدى إلى ارتفاع مستوى التمرد، وجعل العقوبة غير منضبطة وعشوائية، فقد أفرط حكام الأقاليم في العقوبات كل بما يراه، مما أسخط الباشا وهددهم بالقتل؛ لاعتقاده أنه هو وحده من يحدد العقوبة لا لكون هذه العقوبة عادلة أم لا، وهنا ترصد الباحثة تطور التشريع الجنائي باعتباره أهم تجليات التحديث، وهذا التطور شابته المزاوجة والارتباك في التطبيق بين ما هو إسلامي وحداثي، لكنه لم ينحي أحكام الشريعة، ومع ذلك كان قادرًا على تعطيلها واستبدالها بعقوبة أخرى متى رأى ذلك يحقق مصلحته، مثل حالات نفي القاتل إلى جبل فيزوغلي في السودان للاستفادة منه في السخرة الجسدية، ومن هنا يؤكد الكتاب أن محددات نمط العقوبة وترتيبها له علاقة بأهداف السلطة، فكلما أضرّت الجريمة بالصالح العام أو مصالح الحكومة كان العقاب أكثر قسوة.
يرصد الكتاب فكرة تناقضات تطبيق القانون؛ فالباشا امتلك قدرة غير محدودة في الخروج على القانون، وهذا عبّر عن مفهومه العام لوظيفة القانون، فالقانون هو رأي الباشا الذي فيه المصلحة وإن خالف المكتوب، هنا يرصد الكتاب حالات خالف فيها الباشا القانون مثل حالة عاقب فيها قرية امتنعت عن تقديم أنفار للتجنيد؛ مما جعل الباشا يأخذ منهم ضعف العدد مع إعدام رؤوس العصاة، رغم أن القانون المكتوب لا يذكر الإعدام في تلك الحالة ، ولم يتوقف بطش الباشا على الأهالي، فقد واجهته مشكلة فساد النظام الإداري، وهنا صعّد محمد علي من لغة التهديد لموظفيه الفاسدين الذين رأى فيهم شبحًا يهدد صنيعه.
يؤكد الكتاب على أوجه الاختلاف والتشابه بين قوانين محمد على والقوانين العثمانية الجنائية، وأوجه التشابه تراها الباحثة في الحفاظ على الضرب بالكرباج والجلد كشكل من أشكال التعزير، وأوجه الاختلاف كون نظام الباشا قام على الاقتصاد السياسي للجسد سواء عن طريق السجن أو أعمال السخرة، مع رصد الباحثة لمحاولات التفاف تخدم النظام بإضافة عقوبات سياسية لجرائم أقرت لها عقوبات شرعية كالقصاص والدية، فالباشا مع حرصه على النسق الأوروبي للعقوبة، إلا أنه كما تؤكد الباحثة لم يقم نظامًا قانونيًا عقلانيًا كاملًا، فالتشريع هنا في فلسفة الباشا كان إحدى أدواته لبناء مشروع يهدف إلى تأسيس حكم وراثي لأسرته.
الكتاب على صغر حجمه يُعد من الكتب المهمة التي لا أجد مثلها مكتوبًا باللغة العربية ويتناول أداتية الدين والقانون في مشروع الباشا، فالكتاب يوضح بما لا يدع مجالًا للشك أن الدين والقانون في مشروع محمد على كانا يهدفان إلى شيء واحد فقط أبعد ما يكون عن فكرة التحديث لذاته، وهي فكرة بناء دولة الباشا.