ليست ملحمة وطنية ولا قصة فداء وتضحيات. ليست قصة عشق عادية بين رجل وامرأة؛ فالحبيبة كانت أكثر من حبيبة، والوطن كان اكبر من العشق. ظل عمره كله يظن أنه في رحلة وحتمًا سيأتي يومًا وتنتهي، لكنه اكتشف أن تلك الرحلة في داخله، فالوطن داخله والغربة ايضًا داخله.
تنطلق أحداث الرواية من صباح مشرق في إحدى مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس -مدينة النور- حيث يبدأ بطل الرواية إسحاق رحلة إلى الماضي لينقب في آبار ذكرياته عن كنوز ما زال يواريها ولم يتحدث عنها قط منذ أن وطأت قدماه فرنسا وهو طفل يهوديٌ صغير رفض والده البقاء تحت ظلال وطن لقيط يرفضونه، يحاول بناء نفسه على أشلاء وطن مغتصب، ودماء أبرياء. ولم يكن ذلك هربًا من الموت والحرب ولا مصير محفوف بالدماء، ولكن ليبتعدا عن التصرفات البربرية والوحشية التي يمارسها الكيان الصهيوني ليس في حق الفلسطنين فحسب ولكن في حق أرض يحاولون تشويهها وتغييرها لتتناسب مع التاريخ الذي يحاولون صنعه لصالحهم. في تلك الرحلة يروي البطل تفاصيل مازال يتذكرها عن وطنه وعن أناس عايشوا معه رحلته، وعن أصدقاء آخرين تأثر بحياتهم، وكذلك عن حبيبته الوحيدة التي كانت بالنسبة له وطن خلقه في الغربة.
كعمل أول للكاتبة، اعتبرها رواية لطيفة موضوع الرواية -أو على الأدق نوفيللا لإنها قصيرة الحجم- جديد وغير مطروق، عن سيرة شاعر يهودي ذو أصول فلسطينية، ومعادي للكيان الصهيوني، فقد أمه في صغره عند إنشاء دولة إسرائيل وهاجر إلى فرنسا مع أبيه الذي أصبح دينه وموقفه يشكلان خطرا عليه من كل جانب.. وقصة حبه مع صديقة عمره اللبنانية الأصل الذي يبحث عنها في كل الأماكن إلى أن يفتقدها عندما تعود إلى موطنها الأصلي مكررة مأساة ذكرى أمه في طفولته. الفكرة جيدة جيدًا، ولكن في نظري كانت تحتاج إلى مجهودا أكثر، فالأحداث المتلاحقة صورت لي بأن الكاتبة كانت تلهث لوضع نهاية للقصة بسرعة، فأدخلت القارئ في دوّامة من الحكي منذ أول صفحة ولم ترسم الشخصيات بشكل دقيق، وركزت أكثر في تفاصيل الأحداث، خصوصا وأن "باولا" التي ترتكز عليها الرواية في سرد البطل لسيرته كانت كضيفة شرف في الرواية! بالإضافة إلى أن أسلوب حوارها جاء بشكل طفولي. ورغم سلاسة السرد وتتابعه، وواضح جدا الجهد المضني التي بذلته الكاتبة في مواكبة الأحداث التاريخية واتساقها مع قصة البطل بشكل دقيق، وهو شيء يحسب لها بالتأكيد، ولكن اتسم السرد بالتقريرية في بعض الأحيان. وأكثر عنصر يميز الرواية هو اللغة القوية والرصينة، ومن الواضح أن الكاتبة شاعرة فصحى أيضا، لأن الأشعار التي حوتها الرواية على لسان البطل كانت مذهلة. وأخيرًا رغم السلبيات التي ذكرتها إلا أن الرواية عذبة جدا في توصيل أفكارها، وأتمنى أن أقرأ لمنى الطوخي مجددا، سواء روايات أو أشعار.