كتيب ممتاز للمؤرخ الفرنسي المعروف ج.لوغوف، وهو تقريباً مكرس لتقرير فكرتين: الأولى القول بأن عصر النهضة ليست حقبة تاريخية خاصة وإنما عملية نهوض لعصر قرسطوي طويل. الثانية: أن التحقيب (أي تقسيم التاريخ لحقب) أداة ضرورية للمؤرخ، ولكن مع مراعاة المرونة، فبفضل التحقيب تتضح الطريقة التي تنظم البشرية نفسها عبر الزمن. كما يرى المؤلف.
محتوى الكتاب محاولة من المؤلف للإجابة على تساؤل جعله عنوانا لكتابه: هل يجب حقا تقسيم التاريخ الى شرائح؟
يرى المؤلف التاريخ متصلًا على الدوام وأن تقسيمه الى حقب منفصلة لا يستقيم مع وقائعه، ولا يعني بهذا إلغاء الحقب التاريخية، فهي ضرورة عندما نتعامل مع التاريخ كعلم وفن، ولكنه يدعو الى إعادة النظر في التحقيبات الزمنية المعتمدة
وكانت العصور الوسطى هي ميدانيه العملي لإثبات وجهة نظرة، فالعصور الوسطى كما يرى لا تنتهي في القرن الخامس عشر ، فالحالة السياسية والدينية والعلمية وحتى الاجتماعية لم تتغير بشكل ملفت الا في منتصف القرن الثامن عشر، وأطلق ما أسماه العصر الوسيط المديد
الكتاب مليء بالأحداث والمصادر التاريخية والتي تستطيع أن ترى من خلالها مسار الحضارة الغربية في صعودها على قمة الحضارات الإنسانية،و سترى أيضاً كيف أن التاريخ بشكله الحديث منحاز للغرب على الأقل بمصطلحاته، فعصر النهضة الأوروبي هو عصر الضمور العربي، وعندما كانت عصورهم الوسطى مظلمة شع ضياء مشكاتنا العربية
كثير مما في الكتاب ..
"غير أن عبارة (العصر الوسيط) في ما يبدو لم تكن في التداول اليومي قبل نهاية القرن السابع عشر"
"ولم يكن تحقيب التاريخ عملا محايدا أو بريئا البتة، والدليل على ذلك تطور صورة العصر الوسيط في العهد الحديث والمعاصر"
"إن الدخول المظفر لميلاد المسيح في التحقيب المسيحي لم يحدث الا بدايةً من دينيس لوبيتي في القرن السادس"
"والمعروف عادة أن للتاريخ الغربي مصدرين إثنين؛ الفكر الإغريقي من جهة وبخاصة من هيرودوت (القرن الخامس قبل الميلاد) ومن جهة ثانية الكتاب المقدس والأفكار العبرانية والمسيحية"
"إن ما هو اليوم (التاريخ) قد تشكل ببطء بعد معرفة مخصوصة أولا، ثم مادة تعليمية، وهذان التطوران ضروريان لكي تنشأ الحاجة الى تجزئة التاريخ الى حقب"
"وكانت ألمانيا هي البلد الذي تم فيه في زمن أبكر الاعتراف بالتاريخ كمعرفة مستقلة، وإنتشر تعليمه فأثر بعمق في التفكير الجامعي والروح القومية، رغن أن هذا البلد كان لا يزال مقسما سياسيا"
"الا أن مصطلح (نهضة) وكذلك تحديد حقبة تاريخية كبرى تسمى هكذا، وتعقب العصر الوسيط وتناقضه، لم تظهر الا في القرن التاسع عشر، ويعود الفضل في ذلك الى جول ميشليه"
"تمثل النهضة مثلما حددها ميشليه، بصفتها (انتقالا الى العالم الحديث) عودةً الى الوثنية والمتعة ولذائذ الحس والحرية، وكانت إيطاليا هي التي لقنت ذلك الأمم الأخرى، فرنسا أولا إبان حروب إيطاليا ثم ألمانيا وإنكلترا"
"لقد خضعت السياسة الخارجية للدول الإيطالية بحسب بوركهات الى سعي للتوازن، أي ممارسة طريقة موضوعية لمعالجة السياسة وابراز الموهبة في فن التفاوض"
"أحد الإنسانويين من عصر النهضة صرح بعد أن لجأ الى الخارج: يطيب العيش في كل مكان يستقر فيه الإنسان المتعلم"
"على العكس من العصر الوسيط حيث كان الفرد يشعر بعوائق الدين والمحيط الإجتماعي والممارسات الجماعية، فإن في وسع إنسان النهضة أن يطور شخصيته من دون عقبات"
"أصبح المجد في نظر بيترارك ضالة الأفراد وكذلك العائلات، كان المجد في كل مكان، في قبور العائلات الأكثر رفعة، وفي تمجيد كبار رجال العصر القديم"
"إنتهى مؤرخ الفن الى القول بفشل الأنسانويين في القرن السادس عشر، اذ وقع اعتبارهم مغرورين ومتصنعين، وقد شك بروتستانتيو حركة الاصلاح الآخذة في الرسوخ آنذاك في صدق إيمانهم المسيحي"
"أما نساء المجتمع الراقي فقد فتحن صالونات، كما فتح السياسيون النبلاء نوادي، وهكذا بدأت تتشكل ملامح رجل المجتمع الكامل، فهو صاحب جسم مصقول بفعل التمارين الرياضية ويعيش حياته على إيقاع الموسيقى، وهو لا يريد أن يكون موجودا فحسب، بل أن يكون أيضا بارز المظهر"
"الريف أصبح أكثر ارتباطا بالمدينة مما كان عليه بالعصر الوسيط، وأبرز فن الرسم بقوة الثنائي الجديد، الريف والمدينة"
"ويبدو أن هذا الاهتمام الخاص بالجسد نأى بالنهضة عن العصر الوسيط"
"وأخيرا أنتجت إيطاليا هذا البلد الذي بلغت فيه الفردانية بكل أشكالها الدرجة القصوى، بعض الرجال ذوي الإجرام المطلق الذين يقترفون الجريمة حبا بها، ويرون فيها وسيلة للوصول لا الى هدف محدد، وإنما لغايات خارجة عن أي قاعدة نفسية"
"على ضرورة تعريف مصطلح (إنسانوية) الذي اقترن بالمثقفين في عصر النهضة، ولا يتعلق الأمر بالإنسان نفسه وإنما يتعلق بتشرب مثقفي النهضة بما يمكن أن نسميه (الإنسانيات) أي ثقافة كبار مفكري العصر القديم الإغريقي والروماني"
"إنسانوية النهضة كانت الى حد بعيد إستعادة للثقة من جديد في الإنسان وإمكانياته وتفهما لنشاطه في كل الاتجاهات"
"أمران اثنان جديدان غيرا مسار التاريخ: اكتشاف امريكا وانجاز دورة بحرية حول العالم، وإنقسام عالم المسيحية اللاتينية"
"وتنقسم الفنون الليبرالية السبعة لفرعين اثنين: الثلاثي وهو دراسة الكلمات ( النحو - البلاغة - الجدل) ثم الرباعي ( الحساب - الهندسة - الموسيقي - الفلك ) "
"وكانت القراءة والكتابة أكثر إنتشارا في العصر الوسيط مما كانت عليه في العصر القديم"
"العصر الوسيط كما هو معروف عصر ديني بعمق وموسوم بسطوة الكنيسة وورع شديد كاد يكون عاما"
"حصل في مجال المعمار المدني تحول عميق يتعلق بالقصر، كانت قلعة النبيل الى حد القرن الرابع عشر مكان لجوء ودفاع قبل كل شيء، لكن بسبب المدفع الذي ما انفك يزداد استخدامه في المعارك، أصبحت القلعة لا تفي بالحاجة تماما، وتحولت من موقع عسكري الى إقامة ترفيهيه، وأصبح الأدراج والتأنيث وأماكن التنزه .. إلخ تحظى بعناية خاصة"
"إن أعظم رائعة أدبية في العصر الوسيط: الكوميديا الإلهية لدانتي"
"لقد بدأ السحر فعلا في القرن الخامس عشر، ثم إن السحر ظاهرة نسوية بنحو خاص أثرت في نظرة المجتمع للمرأة، الى حد أنها لم تكن في عصر النهضة محل احترام واعجاب، كما تزعم ذلك الرواية التقليدية، بل كانت كائنا غامضا في منزلة بين الله والشيطان"
"سوف تجد المذابح الجماعية ضد اليهود ومحاكم التفتيش والحركات الدينية الألفية، تقبلا أوسع في عصر النهضة مما كان في العصر الوسيط"
"اذ تحولت اللاتينية في القرن الخامس عشر الى لغة علمية وحلت محلها اللغات القومية، وفعلا فإن ما لاحظ جينيه تشكله آنذاك في هذا الفضاء الأوربي هما: الأمة والدولة التي فرضت نفسها بواسطة الجباية على وجه الخصوص"
"في ميادين الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة في القرن السادس عشر وعمليا حتى أواسط القرن الثامن عشر، لم تحدث تحولات أساسية تبرر الفصل بين العصر الوسيط وحقبة جديدة مختلفة هي النهضة"
"أمريكا لم تصبح طرفا مخاطبا بالنسبة الى القارة العجوز الا بعد إنشاء الولايات المتحدة الأمريكية عام 1778 وبالنسبة الى امريكا الجنوبية بداية من 1810 تاريخ تحرير بوليفار"
"وما فتح للأوربيين هذه الملاحة في أعالي البحار إنما كان ادخال البوصلة والقائم الخلفي والشراع المربع، وذلك منذ القرن الثالث عشر، فأصبحا قسما أوروبا الشمالي والمتوسطي متصلين بانتظام بسفن شراعية كبيرة حاملة للسلع والبشر، وتمت أول رحلة منتظمة من جنوى الى بروج عام 1297"
"لقد شهد الاقتصاد الزراعي الأوروبي في العصر الوسيط بعض التطور، اذ أتاح اختراع المحراث ذي السكة الحديدة تعميق الحراثات، كما ادى انتشار التناوب الثلاثي الى الإبقاء سنويا على ثلث الأرض الفلاحية بورا وليس النصف، ونضيف الى كل هذا الاستعاضة عن الثور بالحصان"
"وقد بلغ تحريم الربا وحظر القرض بفائدة ذروته مع مرسوم أوربان الثالث نحو العام 1187 ثم اختفى تدريجيا قبل أن يغيب نهائيا في قانون نابليون المدني عام 1804"
"طعام الأوروبيين ظل الى حدود القرن الثامن عشر قائما أساسا على الغذاء النباتي"
"الحساء الذي ظل أمدا طويلا قاعدة النظام الغذائي كان عسير الهضم، وقد تأسست في العام 1780 مدرسة قومية للمخابز، وكان الجيش النابليوني هو الذي روج في أوروبا تلك المادة الثمينة: الخبز الأبيض"
"لقد ظل الشراب الكحولي الذي تنتجه على وجه الخصوص أديرة الراهبات يستعمل بصفته دواءً كان الأطباء والصيادلة ينصحون به مرضاهم، ولم يصبح مشروبا احتفاليا الا في القرن السادس عشر"
"ولاحظ انتشار اداب المائدة في أوج العصر الوسيط وبخاصة في القرن الثالث عشر، وفي انتظار دخول الشوكة البطيء الى العالم الغربي، جعلت هذه الطقوس أدوات الأكل فردية"
"ظلت المسيحية بشكليها الكاثوليكي والبروتستانتي دين الأغلبية حتى أواسط القرن الثامن عشر"
"النظام الملكي ظل مهيمنا في العالم الغربي حتى الثورة الفرنسية، على رغم تحول المقاطعات المتحدة الى جمهورية 1579 والقلاقل التي أدت الى سقوط الملك تشارلز الأول وموته 1649 "
"أما العلم فقد ظل تطوره بطيئا الى درجة شعرت معها مجموعة من المثقفين في أواسط القرن الثامن عشر بضرورة جمع نتائج ذلك التراكم الطويل فكانت الموسوعة التي مثلت في ميدان المعارف نهاية حقبة وحلول أزمنة جديدة"
"أما أوروبا السياسية التقليدية فيبدو انها انتهت بمعاهدة أوترخت(1713-1715) التي وضعت حدا لحرب الخلافة في اسبانيا، وللاحتراب في أغلب أرجاء أوروبا، وكانت أخر مواجهة تقليدية كبيرة بلا ريب حرب الخلافة في النمسا (1740-1748) وهو نزاع أوروبي شهد إنتصار الفرنسيين على الإنجليز والهولنديين في فونتنوا"
"لم تكن سنة 1492 رائعة الا لمسيحي العصر الذي رأوا العالم المسيحي يتخلص من أخطر عدوين له: الإسلام واليهودية"
"إن لغة القانون الكنسي القروسطي مهدت لتعابير القانون الإداري الحديث، كان هذا شأن مصطلحات مثل: السلطة - المصلحة العامة - الامتيازات "
"إنشاء الشركات الهولندية 1602 والفرنسية كولبير 1664 ثم لاو 1719، وهي الشركات التي طورت تجارة المنتوجات العالمية ومركزتها"
"قبل ظهور الكتاب الهام للاقتصادي الأسكتلندي ادم سميث: ثروة الأمم 1776 ، لا يمكن الحديث عن تحرر الاقتصاد من ابعاد العصر الوسيط وممارساته"
"بيد أن سطوة المسيحية على إيمان الغربيين ظلت على رغم ضراوة الحروب الدينية في السادس عشر سطوة شبه تامة حتى القرن الثامن عشر"
"النهضة التي إعتبرنا التاريخ المعاصر التقليدي حقبة مخصوصة، ليست في واقع الأمر سوى اخر حقبة فرعية من عصر وسيط مديد"
"التاريخ علم اجتماعي يعتمد على قواعد موضوعية تسمى المصادر"
كتيب جيد، وهو رأي المؤرخ الفرنسي المشهور جاك لوغوف في تحقيب التاريخ الأوروبي، مع استعراض لفهموم عصر النهضة الذي يرى أنه ليس عصرًا مستقلًا بل هو قسم من العصر الوسيط حدث فيه إفاقة في جوانب من الحياة العلمية في أوروبا الغربية. ولا يخلو الكتاب من إفادة في موضوع التحقيب وإن كان التركيز على فكرة مفهوم عصر النهضة.