ترصد القصص جوانب إنسانية في سوريا المنذورة للموت، عبر شخصيّات شعبية غالبًا، وكذلك عبر استحضار أصوات الأشياء والجمادات. وكما قطّبت روز، بطلة القصة الأولى "صور مقطّبة"، الصور التي مزّقتها نيران المدافع والاشتباكات، بخيوطٍ نسلتها من ثوبها، ثوبِ الأم المكلومة؛ تحوك سناء عون قصصها بإبرة مشابهة هي إبرة الفقدان والخوف، فقدان المكان والزمان، والخوف منهما أيضًا، بعدما صارا لحظة وحشية لا تنتهي. يأتي عنوان المجموعة "حيث تشير البوصلة" ليلعب لعبةً تقلب الحقائق، فإذا كانت عادة البوصلات أن تشير رؤوس إِبرها إلى الشمال، فالأمر كذلك فيما يتعلّق بمكان كتابة القصص، لكنّه مختلفٌ تمامًا إذا ما نظرنا إلى المكان الذي تحكي عنه، والذي لا تشير إليه سوى بوصلة القلب. بهذا المعنى؛ الكتابةُ بوصلةٌ معكوسة، أو توجيهٌ واعٍ لحركة رأسها. تستحوذ النساء على فضاء النصوص: روز، دلال، نساء الحارات، سارة... إلخ. إنهنّ سوريات بامتياز، مدموغات بمياسم الفجيعة والغياب، عاشقات وثكالى ومهجورات ووحيدات. النساءُ هنا صوتُ أمومةِ المكانِ السرية. من جانب آخر، تأخذ الأشياء مساحة واسعة من الحيّز السردي، إلى درجة أنها تتحوّل إلى شخصيات مكتملة. الأشياء التي تقدمها هي: فستان أحمر يتسخ في خيال صاحبته لأنه لم يُلْبَس، فلا مكان لبهجة الفساتين وأناقة الجميلات. درّاجةٌ تتناقصُ قطعةً قطعةً كلّ يوم. كتاب يقطع رحلة اللجوء. كرة قدم تشرح وجهات نظرها في الحياة، وتسعى إلى تقرير مصيرها.
"حيث تشير البوصلة" مجموعة قصصية للكاتبة السورية سناء عون صدرت في 104 صفحات من القطع الوسط، ضمن مجموعة "براءات" التي تصدرها الدار وتنتصر فيها للشعر، والقصة القصيرة، والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.
من الكتاب: كانت روز تخلق كائناتها الجديدة، الذّين لم يكونوا نساء ورجالا وأطفالا، بل كانوا كلّ ذلك معًا. كان الكائن منهم ممتزجًا بالأنوثة والذكورة في آن. كانوا أطفالًا بأجساد رجال، ورجالًا بأجساد أطفال. كانوا نساءً برؤوس رجال، ورجالًا برؤوس نساء. وجه رجل بفم امرأة. قوام امرأة بجذع رجل. رأس طفل بذراعي رجل. لم تكن روز تهتم للتباينات تلك، كل ما كان يعنيها هو أن تسفر عمليّاتها الجراحية عن أجساد كاملة
من الصعب جدًا أن نكتب عن الحرب حين نكون جزءا لا يتجزأ من تداعياتها فالواحد منا سوف لن يكتب كما ألف قلمه أن يأخذه، ولن يزن الأمور كما اعتاد أن يفعل قبلها، فالحرب عطلت مسار بوصلته التي ما عادت تشير إلى مكانه الأول حيث ذكرياته الأولى، وكل ما يمكن أن يذكره بماضيه وحنينه لذلك الماضي الذي يحمل صورا ناقصة لأشخاص وذكريات كانت بعد الحرب مكتملة: "بالإضافة لخبرة الترميم صارت، صارت روز تبتكر طرقا جديدة، عندما تعوزها راحت تركب أجزاء صور على صور أخرى. فالصور التي تمزقت إلى نصفين، ولم تجد روز جزءا منها، ركبتها على صور، لم تجد أنصافها أيضًا. " تعود بنا القاصة السورية سناء عون في مجموعتها القصصيّة "حيث تشير البوصلة" الصادرة عن منشورات المتوسط (2017)، لتحاكي قصصا كثيرة يربطها حبل اليتم والحرب والفراق، فرسمت من خلال الكلمات وجوها لأناس استوطنوا الذاكرة، ولكن سناء أعادت ترميم ذكراهم من خلال بوصلتها التي أشارت إليهم دون أن تفقد حنينها. الأكيد أن كل منا سيكتب عن الحب بشكل أو بآخر كتجربة عاشها، أو حتى كتجربة متخيلة، السؤال هنا كيف سيكون شكل الحب حين يمتزج بالحرب ويتحول المحب على حد تعبيرها إلى أنقاض بشرية: "أيوجد مكان للحب، يحيا فيه أخطر من هذا؟ هكذا نعشق تحت القذائف وبين الركام. حيث يكون للحب طعم مختلف وجديد، نتحول معه إلى أنقاض بشرية." ولعل أسوأ تجربة للحب أن تختبر الحرب صبره، وذلك حين نفقد من نحب إلى الأبد، أو نفقد الرغبة فيه من الأصل. تناولت سناء عون تجربة أخرى لا تقل قساوة عن تجربة الحرب، هي اليتم وما يمكن أن يحفره ذلك اليتم المثقل بالفقد في الروح، وكأنها بذلك تريد أن تقول للعالم إن الألم ذاته يصيبنا حينما نصبح يتامى الأهل والوطن، ويتامى الشعور بالانتماء إلى كل ما يمكن أن يعزز وجودنا بالحياة. فمجموعتها القصصيّة هي تجربة عن الألم الموغل في النفس، تجربة عن الفقد المثقل بالقساوة، تجربة عن الفراق الذي لم يشكل بعده صورته النهائية في مخيلتنا. ما نجحت في إيصاله القاصة هو أنها كتبت وفقط، كتبت دون أن تحاول تأطير ما تكتبه ضمن صياغات وصور معينة. تفوقت في أن تكتب وفقط، لذا جاءت كتابتها صادقة، حتى اللغة الصادقة المخدوشة لا تقبل مساحيق التجميل فوق جروحها، تفضل دائمًا أن تظهر للشمس بكل أعطابها بدل أن تغطي تلك الجراح بما يضاعف من إصابتها أكثر فأكثر. الكتابة بالنسبة لها فعل مقاومة للذاكرة وفعل ترويض لها على عدم النسيان، وتحريض لما يمكن أن تخفيه في ذلك الجانب الذي انتدب فيه حزنها مكانه القصي الذي أبى أن يبارحه لولا الكتابة. الكتابة إذًا بالنسبة لسناء ما يجعلها تعيش أو ما يثبت أنها تعيش، وذكرني ما كتبته بجملة لربيع جابر: "القراءة والكتابة وسيلتي لأتأكد أنني موجود". دونت في "حيث تشير البوصلة" جزءا منها تاركة للقارئ مهمة تخمين بوصلته إلى أين ستشير، فلكل منا بوصلته الخاصة، لم تشأ إشغالنا ببوصلتها رغم أنها ورطتنا بها، فكل ما فعلته أنها شاركتنا تجربتها في مجموعة من القصص، اختلفت مواضيعها برغم أن الرابط بينها واحد. ففي إحداها تكتب عن المكتبات والشغف بها وتبرز علاقة الكاتب والكتاب، وتلك الحميمية التي تخلق بينهما، وكيف تنشأ لأول مرة، كما أنها تربط الكتاب والحرب في محاولة منها للتطرق لموضوع بغاية الأهمية وهو من يترك مرغما عنه بسبب الحرب مكتبته خلفه، يفقد حياة كاملة وعائلة من ورق، حرص أشد الحرص في أن يقتني عناوينها كتابا كتابا، ومن هنا ورغم جمالية القصة كونها تحتفي بالكتاب والمكتبات، إلا أن موضوعها يحاكي آلاف السوريين الذين اضطرتهم الحرب لأن يتركوا مكتباتهم، فالمكتبة لمن يحبها حياة. كتبت سناء عون بلغة أجمل ما فيها أنها بسيطة واضحة ذات دلالات قوية، فوحدها بساطة لغتها تقول الكثير في زمن أصبح فيه كل شيء مزيفا، حتى اللغة التي أصبحت بالنسبة لبعضهم مطية للكتابة وليست وسيلة للتعبير عن الواقع بشكل أدبي، إذ تجردت من محمولاتها الإنسانيّة وأصبحت دخان لغة لا تقول شيئًا. وبحكم أن الكاتبة مغتربة عن بلدها الأم سورية، فالأكيد أن للغربة كلمتها عليها وعلى نظرتها للأشياء، ولربما العنوان "حيث تشير البوصلة" لا يرمز للذاكرة فحسب وإنما برأيي للمكان الذي تركته، وحدها تلك الصور التي بقيت عالقة في ذاكرتها ما جعلها تكتب، يتضح لي كقارئة أن جزءا من ذاكرة سناء مدونة في هذه القصص، وخاصة أنها كاتبة مقلة، لا تجيد فعل الكتابة لأجل الظهور وإنما تكتب لأن ما بداخلها كان يلح على قول ما يجب أن يقال. ترى كم احتاجت سناء عون من السخرية والألم لتكتب "حيث تشير البوصلة"؟ كم احتاجت من الوقت كي تستعيد بالكتابة ما فقدته، ترى كم احتاجت من إشارات لأمكنة ضاجة بالألم، ومن وجوه من ذاكرتها الأولى لتكتب؟ أكاد أكون شبه متيقنة من أن أمثالها لا يكتبون لأجل الكتابة، بل يكتبون لأن الكتابة آخر مكان يختبئ فيه الإنسان، في وقت تصبح فيه الأمكنة كلها عرضة للقصف، ليس العسكري وحسب. هكذا هي سناء عون وهكذا هي بوصلتها التي ستترك أثرها في ذاكرة القارئ الذي سيتعرف على الحرب من خلال الكتابة وعن الشتات وعن الفقدان وعن الغربة، أقول يتعرف عنها عن قرب حين يضيق كل شيء: "لم يعد هناك نهرٌ ولا طريق. النهر تحوّل إلى كتلة نار جارية والطريق تحوّل إلى نساء سائرات، يردّدنَ أسماء أبنائهنّ منسوبين إليهنّ، كلٌّ يبكي ألمه، لا عزاء في العزاء. لا عزاء للفرد في حربٍ طاحنة، تسحق الناس بشكل جماعي".
⚫"الحرب أرقام، الهجرة أرقام، الشهداء أرقام، الجرحى أرقام، اللجوء أرقام، النزوح أرقام...هي الحرب توحّدنا رقميا " ⬛منذ البارحة وأنا بين دمعتين، عين على المشاهد المفجعة في رفح وعين على نص سناء الذي فتح جراحات دمشق التي لم تندمل. بكيت الاثنين؛ دمشق وفلسطين ولكن وجدت أنّ دموعي أضاعت بوصلتها كما ضاعت بوصلة العالم كاملا في الحرب. ⚫كتبت سناء عن بوصلة فقدت مصداقيتها في تحديد جدوى الٱلام في ظل المٱسي الإنسانية التي نشهدها والتي يدفع ثمنها الأطفال الباحثين عن ألعاب والنساء الساعيات للحياة. بلغة شاعرية جميلة وحوارات لبطلات اختارتهن الكاتبة مكلومات، يتيمات، يتغذين على الفقد، ويشربن مع دموعهن القهر والأسى على ابن أسير، أو حبيب متوفى، نقلت لنا الكاتبة مواقف من يوميات الحرب في سوريا؛ حيث فشل الحب هذه المرة في مواجهة الحرب. ⚫بعض النصوص جاءت مباشرة تحمل أخبار الحرب بطريقة من يضعك في مواجهة مباشرة مع الجحيم، في حين تحمل بقية النصوص سردا يحمل رمزية، صحيح أنها تفتح نفس باب الجحيم السابق ولكنك تحتمي باللغة من المواجهة المباشرة.. ⬛⚫كل ما كتبته سناء في "حيث تشير البوصلة" مؤثر، لكن شدتني ثلاثة نصوص هي: صور مقطبة وعزاء للنهر، الرحلة الأخيرة للأمير الصغير؛ فهي بالإضافة إلى كونها نصوصا تمجد الألم فهي جميلة لغة ومعنى ومبنى..
Sanaa Aoun #حيث_تشير_البوصلة #منشورات_المتوسط #قراءات_وفاء