مشت إليانا بين الحشد بخشوع، حاملة سلة من القش تنوء بثقلها بصمت كي لا يُعرف ما تخفي فيها تحت أوراق الغار. حين وصلوا إلى مكان الدفن وقف كاهن فوق الجثة يتلو صلوات بصوت أجش، ثم نزل الرجال بها من فتحة في الأرض إلى المغارة حيث تم تجهيز القبر.
في مكان آخر، شعر يوسف بثقل في صدره بينما راحت السيارة تشق طريقها عبر الأراضي الجرداء المترامية في أفق لا نهائي من العتمة. لا صوت سوى أنفاس الرجال الثلاثة الآخرين في السيارة، وضوجان محركها الثمانيني المنهك الذي بالكاد يطغى على النزاع المتأجج في نفسه: لا تتوقع شيئًا. توقع كل شيء.
اعرف كتابات علا في الجانب الاجتماعي لأني قرات قصتها السابقه "قبل السفر"واقرأ ما تكتبه عبر الفيسبوك ، لذا فان دهشتي كانت كبيره حين بدأت بصفحات هذا الكتاب وادركت انني امام قصة يشوبها الغموض والترقب والمغامره .. هل نجحت علا في خلق حكاية مثيره وغير بعيدة عن جانبها الانساني ؟ استطيع ان اقول نعم ، رغم ان الموضوع وحتى الاحداث تبدو قريبة للتوقع ، لكن السرد كان ممتعا ومثيرا للفضول لالتهم صفحات الكتاب في غضون ساعة فقط ، ولكي تصلني كل الرسائل التي شعرت برغبة علا في ارسالها ، حول الواقع الذي نعيشه ، والاحلام التي تبدو سرابا ، والوهم الذي نتعلق به ، والشغف الذي ندوسه باقدامنا لأنه اوردنا موارد التهلكة ..
رواية بسيطة وسلسة، تسلط الضوء على بضع قضايا تواجه المجتمع؛ من ذكورية كما في القصة الأولى التي أحداثها كما يبدو تسرد بتسلسل عكسي، الحاجة والعوز كما في القصة الثانية مختلطة بالنصب والبحث عن النجاح والثراء السريعين وأثر علماء الدين والدجالين على توجيه الأفراد بصبغتهم المبجلة. لا شك أن الرواية تمثل أفكاراً وقضايا نعيشها يومياً وتم سردها بما تحمله من واقعية / أحلام، مرارة / شوق وغيرها من المتناقضات. أحسست أن المفردات المستخدمة في أوائل الفصول مصاغة بطريقة أكثر تعقيداً وربما مختارة بتأني وتكلف أكثر، لا تلبث أن تتحول إلى سرد وحوار طبيعي ومتسق شيئاً فشيئاً. استمتعت بقرائتها ولم تستغرق أكثر من رحلة بالطائرة بدون أي ملل، قراءة جيدة وخفيفة.
قراءة خفيفة لطيفة. اللغة جميلة و السرد ممتع. أعجبتني طريقة الربط بين الأحداث و السلاسة في التعريف بالشخصيات و حواراتها الداخلية و حتى دوافعها النفسية، كذكر ليلى في بداية القصة مثلاً ليفهم القارىء الدافع الذي أوصل يوسف إلى ما وصل إليه. وجدت بعض التكلف في اختيار المفردات لكنه تلاشى لاحقاً في سلاسة سرد الأحداث و الدقة في التوصيف.
رَصَد.. هذه الرواية الثانية التي أقرأها للكاتبة علا عليوات بعد رواية "قبل السفر"، وهي رواية تثبت تمكّن الكاتبة من صنعة السرد وقدرتها على خلق جو من الانسيابية يغلف ما تكتب، بحيث تجعل من السهولة بمكان تتبع الأحداث والانغماس في القراءة. عن العزلة ينهي بول اوستر كتابه (اختراع العزلة) بهذه العبارة: "كلمات كانت، ولن توجد مرة أخرى، تذكر هذا!"، يذكرنا اوستر مثلما يذكر نفسه بأن ما نخترعه في عزلتنا لا يكون إلا عبر كلماتنا التي لا تغادر عزلتها، يقول هذا بعد أن ينظم طرقا للعزلة تجعل من الانسان محلقا متجاوزا لذاته، ومتصورا لخيالات متعددة "مجرمة، مبدعة، خيّرة، شريرة..الخ". عزلة يوسف بطل رواية رصد كانت مزدوجة باختراع ليلى أولا "كمحبوبة"، وبالسعي نحو الكنز ثانيا "كمعوض لافتقاد المكانة الاجتماعية"، فكل عزلة هنا تخترع لتعويض نقص يؤرق الانسان ويتحدى وجوده ككائن اجتماعي. الطبيعة البشرية يخبرنا همفري بوغارت في "كنز السييرّا مادري" بأن العدو الأول الذي سيواجهه الباحث عن الكنز، ليس قوى الطبيعة أو قوى ما وراء الطبيعة، وانما هي الطبيعة البشرية التي تتكفّل بوضع العقبات أمام ذاتها حتى! هذه تكاد تكون لازمة قصص وروايات البحث عن الكنوز، وهي تعبير منطقي عن دوافع الناس التي تدخل في هذا المجال نطاق صراع يحفّزه لمعان المعادن الثمينة وبريقها، وهو ما اعتمدت عليه الكاتبة لنسج خطوط شخصيات روايتها، التي تعكس جزءا من الطبيعة البشرية الشغوفة بالبحث والاكتشاف والربح. البعد الاجتماعي تسلط الكاتبة في روايتها الضوء على بعض القضايا الاجتماعية بموازاة سرد مجريات الرواية، لا بل حتى في ترجمة بعض أحداثها، فمن البطالة التي تدفع الشباب للسير في دروب مغلفة بالخطر حينا وباليأس والعدمية أحيانا، إلى السعي من أجل تحقيق المكانة الاجتماعية التي يثقل المجتمع كاهل أبناءه بها، سواء عبر المنظومة الأسرية "الأب في حالة يوسف" أو عبر القوالب النمطية الجاهزة للنجاح وتحقيق الذات التي تزخر مجتمعاتنا بها. على الرغم من كل هذا يخبرنا الواقع أن الثروة وفق الأنماط الرأسمالية نادرا ما تتحقق عبر ضربات الحظ أو ضربات الكنز"، رغم أن الدعاية الرأسمالية مليئة بمثل هكذا صور ترويجية، بالتوازي مع صور الرجل العصامي الذي يحقق الثروة فيها عبر جده ومثابرته، ورغم أن امكانية تحقق الوصول الى الثروة موجودة فعلا، ولكن وجودها فردي اقصائي ذو نزعة ذاتية في معظمه، فهو ليس أكثر من صورة من صور العزلة التي رسمها اوستر، ولكنها هنا صورة بائسة ومبتذلة. في النهاية أود التعريج على القصة الرومانية التي تم اقحامها في الرواية، والتي بعد انهاء الرواية لم أجد مكانا لها فيها، فهي ليست سردية تشد القارىء كما هي حال السردية في الرواية الأساسية "وان كانت الفكرة في التوسع هنا مثيرة للاهتمام"، ولا هي ذات أحداث متّزنة تصنع قيمتها، وان كانت الغاية منها التوظيف لخدمة السردية الأساسية.
رواية جميلة تتطرق لموروث شعبي يتعلق بالرصد الموجود على الدفائن الثمينة، و محاولة تفسيره علميا بعيدا عن اساطير الجن ، وما يكتنف حياة الباحثين عن كنوز الذهب القديمة من توتر ومن غموض واحتيال على بعضهم،، في ذات الوقت تتداخل الرواية مع قصة من الماضي عن فتاة رومانية تحاول اخفاء مخطوطات والدها... لعل الكاتبة تقول لنا ان هئا هو الكنز الحقيقي، كنز المعرفة لا الذهب