كان للسلطان الغوري ملك واسع يضم مصر والشام وبلاد العرب وبلادًا أخرى واقعة في القسم الجنوبي من آسيا الصغرى. وقد بلغت الأساطيل المصرية في عهده سواحل الهند، وقد حافظ الغوري على هذه الرقعة الجغرافية الواقعة تحت حكمه، واستطاع أن يدافع عنها ضد غزوات المستعمرين خاصة البرتغاليين. ورغم جميع هذه الشواغل السياسية والعسكرية للسلطان الغوري فإنه كان صاحب اهتمام كبير بالأدب والعلم، واشتهر بمجالسة العلماء والأدباء والفقهاء. لذلك اهتم الدكتور عبد الوهاب عزام في هذا الكتاب بذكر ما جاء في تلك المجالس من أحاديث تصور بعض النواحي الفكرية والاجتماعية في مصر والعالم الإسلامي في ذلك العصر.
ولد العلَّامة عبد الوهاب عزام في إحدى قرى محافظة الجيزة بمصر عام 1894م، وبعدأن حفظ القرآن الكريم؛ التحق بالأزهر، وانتقل منه إلى مدرسة القضاء الشرعي، التي تخرَّج فيها عام 1920م. ليلتَحِق بعدها بالجامعة المصريَّة، وينال ليسانس الآداب والفلسفة عام 1923م، قبل اختياره في العام نفسه إمامًا ومستشارًا للشؤون الدينية في سفارة مصر بلندن. وهناك التحق بمعهد اللغات الشرقية، وحصل على درجة الماجستير في الأدب الفارسي عام 1928م، عن «التصوف وفريد الدين العطار». وعاد بعدها إلى القاهرة؛ ليعمل مُدرسًا بكلية الآداب، التي حصل منها على الدكتوراه في الأدب الفارسي عام 1932م، عن بحثه الذي تناوَل كتاب الـ«شاهنامه» لأبي القاسم الفردوسي.
وقد جعل يُدَرِّس الفارسية في كلية الآداب، التي تدرَّج في وظائفها العلمية حتى عُين أستاذًا ورئيسًا لقسم اللغة العربية والدراسات الشرقية، ثم عميدًا لكلية الآداب عام 1945م. وقد انتُخِبَ عضوًا بمجمع اللغة العربيَّة المصري عام 1946م، كما كان عضوًا بالمجامع اللغويَّة والعلميَّة في سورية والعراق وإيران. كذلك شغل عدَّة مناصب دبلوماسيَّة؛ فكان وزيرًا مفوضًا لمصر ثم سفيرًا لها في السعوديَّة، وسفيرًا لمصر في الپاكستان، وحين تقاعَدَ عام 1956م؛كلَّفته السعوديَّة بإنشاء جامعة الملك سعود بالرياض، التي ظلَّ رئيسًا لها إلى أن توفاه الله عام 1959م.
كان الدكتور عزام موسوعي الثقافة، يُجيد الفرنسية والإنكليزية والفارسية والتركية والأردية، وقد خلَف عددًا كبيرًا من الكتب والدراسات، تفرَّقت بين التأليف والتحقيق والترجمة. وهو أول من عرَّف العرب بالشاعر الفيلسوف محمد إقبال، وترجم له نظمًا بعض دواوينه عن الفارسيَّة. كذلك كان له إسهام مهم في التحقيق؛ منه تحقيقه لترجمة الفتح بن علي البنداري لملحمة الفردوسي: «شاهنامه» عام 1932م، و«كليلة ودمنة» عام 1941م بالاشتراك مع طه حسين، و«ديوان المتنبي» عام 1944م.
مادة هذا الكتاب مستقاة من كتابين هما (نفائس المجالس السلطانية) و(الكوكب الدري في مسائل السلطان الغوري)، وكلاهما مكتوب بواسطة أحد حضور مجالس السلطان، يعرض فيها بعض المواضيع والمسائل والنقاشات التي كانت تجري في هذا المجلس. يبدأ الكتاب بمقدمة للدكتور عبد الوهاب عزام - عليه رحمة الله - عن تاريخ مصر في هذه الحقبة، ومختصر سيرة السلطان قنصوة الغوري، وبخلاف المعلومات التي أوردها سواء من مناقبه أو مثالبه أو التحديات التي واجهها، فكان من العجيب أن أن يذكر الدكتور أن السلطان كان يميل للأبهة، مولعا بالفنون الجميلة، ميالا للتنعم، يلبس في أصابعه الخواتم من الياقوت والزمرد والماس والفيروز، مولعا بشم المسك والعود والبخور، وكان ترفا في مأكله ومشربه وملبسه، ويحب رؤية الزهور والفواكه وغرس الأشجار، وسماع الطيور المغردة، وكان يستعمل الطاسات الذهب يشرب فيها الماء، وكان نهما في الأكل...إلخ. ثم يعقب على هذا قائلا: "هذه صفات تدل على رقة الطبع، ودقة الإحساس، والولوع بالجمال، والاستمتاع بالعيش. ومن كانت هذه صفاته يبعد أن يكون ظالمًا جبارًا سفاكًا للدماء، قاسيًا على الضعفاء". والحقيقة أن هذا الاستدلال لا يوصف إلا بأنه ساذج أما المجالس نفسها والتي هي أساس هذا الكتاب، فلا أعتقد أنها ستكون مشوقة للقاريء العادي، لكنها تعني الباحث بشكل كبير، فهي وثائق تاريخية تصف الحياة الفكرية في هذا العصر، وطبيعة ومستوى النقاشات والأفكار المطروحة، وكذلك مستوى النفاق للحاكم والذي نجده في مواضع مختلفة، أذكر منها أن أحد الحضور اقترح قراءة كتاب في سيرة الملك الظاهر - يعني بيبرس - فرد عليه كاتب كتاب النفائس: لو كان الملك الظاهر حيًّا يتمنى أن يسمع سيرة مجلس مولانا السلطان :D :D المجالس أغلبها يدور عن أسئلة عن بعض الأحكام الفقهية، والتفسير والتاريخ، والكثير جداً من الأسئلة المطروحة في شكل فوازير، سواء كانت متعلقة بالدين وهي أشبه بالحيل الفقهية، أو حتى فوازير عادية، وبعض هذه الفوازير ما زال متداولاً حتى الآن، فمثلاً وجدت فزورة عن رجلٍ معه خروف وعشب وذئب ويريد أن يعبر نهراً ولا يمكنه في كل مرة يعبر فيها إلا أن يأخذ معه أحد الثلاثة، فلو أخذ الذئب لأكل الخروف العشب، ولو أخذ العشب لأكل الذئب الخروف، فماذا يفعل؟ وأعتقد أن كلنا قد سمع هذه الأحجية في صغره. ومع ضحالة مستوى بعض الأسئلة والنقاشات، لكن من جهة أخرى وجدت نقاشات وأسئلة لها وجاهتها، وإن كانت العديد من الإجابات المطروحة غير صحيحة وأحياناً بها بعض (الهبد) وخصوصاً فيما يتعلق بالتاريخ القديم، ولكن أعود وأقول أن أهم ما في الكتاب هو عرض صورة للحياة الفكرية في هذه الحقبة، مع استكمال لصورة السلطان الذي كان مجلسه يضم فقهاء المذاهب الأربعة وبعض الشعراء والأدباء، والذي تدل الأسئلة التي كان يطرحها وكذلك إجاباته على الكثير من الأسئلة واستشكالاته على إجابات الآخرين على معرفة ودراية كبيرة باللغة والأدب وأحكام الفقه والتفسير، وهو أمرٌ يوضح الفارق الكبير بين مماليك الأمس، ومماليك اليوم.