«ولكنْ ما الصورة إذا جاء المعنى؟» هكذا يحدِّثنا «جلال الدين الرومي» عن العقيدة التي تجعل طريقَ الإدراك الحقيقيِّ من القلب، وتمامَ المعرفة بالذات الإلهية بتمام إنكار الذات والتوحُّد مع العالم. هي عقيدة لا تضع حدًّا للقُرْب من السماء، فإنَّ مقامك من مقام حالك، وحالك هو حال عبادتك وزهدك. هكذا تخلق لنا الصوفية عالَمًا نُورانيًّا في التعامل مع الله، يمزج الهيبة بالأُنْس؛ والعشق بالخشوع، فيجعل العبادةَ فعْلَ حبٍّ لا فعْلَ أمر. وبالرغم ممَّا قد يُختلَف عليه من عقائد الصوفية ومناهجها، فإنها تَظلُّ في جوهرها قَبسًا روحانيًّا انتهَجَه العديد من علماء الدين الإسلامي، تاركين لنا موروثًا قيِّمًا أراد «عبد الله حسين» أن يُطلِعنا على طرفٍ منه، في دراسةٍ تُعدُّ مدخلًا مبسَّطًا للفكر الصوفي وأعلامه.
عبد الله حسين، محامٍ، وصحافي، ومؤرخ له العديد من المؤلفات التاريخية والأدبية والسياسية والاجتماعية.
ولد عبد الله حسين في محافظة القاهرة لأسرة قروية من بني عديات مركز منفلوط، التحق في صغره بمكتب البارودي لتعليم القرآن، ثم واصل تعليمه النظامي بمدرسة فكتوريا، فمدرستي الجمعية الخيرية الإسلامية والشيخ صالح أبي حديد، وعندما انتقل الصبي للمرحلة الإعدادية كان دائمًا ما يتصدر قائمة الأوائل، تخرَّج من مدرسة الحقوق الملكية (كلية الحقوق في جامعة فؤاد الأول). حصل على الدكتوراه من مدرسة الحقوق الفرنسية «شعبة العلوم السياسية والاقتصادية» كما حصل على دبلوم معهد الدراسات الإيطالية، ودبلوم المعهد الألماني. أجاد عبد الله حسين عدة لغات هي: الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والألمانية.
كان عبد الله حسين أحد أعضاء اللجنة الاستشارية العليا للتعاون التي وضعت قانون التعاون في سنة ١٩٢٧م، وعضوًا في البعثة المصرية للسودان، كما أنه من مؤسسي جمعية نهضة القرى، ومؤسس جمعية الشبيبة المصرية، وجمعية الدراسات السودانية، وجمعية الدراسات الأفريقية، واتحاد ضاحية الأهرام، كما عمل عبد الله حسين محررًا بجريدة الأهرام، وكان أستاذ بقسم الصحافة في الجامعة الأمريكية حتى عام ١٩٤٢م.
وقد أتاحت له أسفاره وعمله الصحفي مقابلة الكثير من كبار الرجال والزعماء في الشرق والغرب أمثال الزعيم الوطني سعد زغلول، والبابا ولبران ولويد جورج، ومكدونالد وتشمبرلين وإيدن وموسيليني وبريان وبلوم. كما عاصر في صباه العديد من الأعلام الفكر أمثال محمد عبده، وعلي يوسف، وقاسم أمين ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وعبد العزيز جاويش.
وفي يوم ٣١ ديسمبر من عام ١٩٤٣م، توفي عبد الله حسين بعدما داهمته سيارة يقودها مخمور أدت إلى بتر ساقه، وظل ينزف طوال الليل حتى فاضت روحه إلى بارئها.
يعطي الكاتب جزءأ كبيراً من النصف الأول للكتاب لمناقشة جدلية وحدة الوجود عند أبرز الشخصيات الصوفية و هو في الكثير منها حسب رأيي يجتهد في تحميل بعض الشخصيات و تأويل كلامهم ليجعلهم ممن يؤيدون فكرة وحدة الوجود و مثال على ذلك قوله "كان للصوفية لغة خاصة بهم، وتعبيرات استقلوا بها في الإفصاح عن مذهب وحدة الوجود الذي كانوا يدينون به" و كأنما يعني أنهم يستخدمون التورية لكي لا يكتشفهم أحد!
يتناول الكاتب قضية مقتل الحلاج على سبيل المثال بمعزل على الظروف السياسة و جعل أمر قتله وكأنه مسألة زندقة و كفر بينما للظروف السياسية الأثر الكبير في اللعب على وتر الدين للتخلص من الخصوم السياسين كما يذكر الكاتب طه سرور في كتابه الحسين بن منصور الحلاج : شهيد التصوف الإسلامي
و هو متأثر كثيراً بآراء ابن الجوزي و ابن تيمية أيضاً أفرد الكاتب جزءاً لا يستهان به للحديث عن الغزالي و من الواضح جداً مدى تأثره بأفكاره و ميله لمنهجه
وذكر في الكتاب نقلاً عن ابن خلدون متحدثاً عن بعض فرق المتصوفة "و كان سلفهم مخالطين للإسماعيلية و المتأخرين من الرافضة المنادين أيضاً بالحلول و إلهية الأئمة"
و هذا من المغالطة و الإفتراء إن كان مقصده الإمامية الإثنى عشرية
و في الثلث الأخير من الكتاب أرى الكاتب أنه نحى منحاً ليس له علاقة بموضوع الكتاب
مقدمة مقبولة في التصوف تتعقب أصل هذا المنهج أو الطريق من فلسفات شبه القارة الهندية مثل البوذية والهندوسية وتقترب أكثر من مناطق متاخمة لإيران مثل خراسان وغيرها. يعرض الكاتب للتصوف انطلاقا من أن الإدراك يكون بالعقل أو بالحواس أما لدى المتصوفة فيكون بالقلب والروح من أجل الاتصال بالله وطاعته من خلال حبه وعشقه. يتناول الكتاب جدلية الاتحاد والحلول لدى بعض الطرق الصوفية وهي حالة الاتحاد بين الخالق والمخلوق أو حلول الخالق في مخلوقاته وينتقدها بشدة دون أن ينتقد الفكر الصوفي العام. ويتناول تجارب صوفيين كثر مثل البسطامي والمحاسبي والسهروردي وابن عربي وبالطبع الحلاج لكنه يميل جدا إلى طريقة أبو حامد الغزالي في حالة التوازن بين العقل والحواس والروح لتكون طريقة نموذجية في البحث عن السلام الداخلي والاقتراب أكثر من الخالق.