حين ألّف الباحث اللبناني ناصيف نصار كتابه هذا، جعل محوره تصوّر الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر. وليس المقصود بتصوّر الأمة هنا التصوّر المنطبق على الأمة العربية وحدها، بل أي تصوّر نظري للأمة من أجل معرفة أشد مطابقة للواقع من المعرفة الأيديولوجية الخاصة بالقومية العربية.
حلل الباحث نصوصًا طرحت تعريفات للأمة، صراحة أو ضمنًا، أو نصوصًا قدّمت أي عنصر يمكن استغلاله لتركيب تصوّر معين للأمة، فتبيّن له أن ما أنتجه الفكر العربي الحديث والمعاصر من تعريفات للأمة يتوزع إما على التصورات الدينية وإما على التصورات اللغوية وإما الإقليمية وإما السياسية التي تجعل من الدولة المحدد الأساس الأول للأمة.
التصورات الدينية للأمة
يضم الكتاب ثلاثة أقسام، في القسم الأول، التصوّرات الدينية، ثلاثة فصول. في الفصل الأول، التصور الديني التوفيقي، يفصّل نصار التصور الديني التوفيقي للأمة الذي هدف إلى إحياء قدر معين من الوحدة بين المسلمين، نظرًا إلى تعذر تحقيق الوحدة الشاملة التامة بينهم، ويقوم على إرادة إخراج المسلمين من وضع الانحطاط والتفكك، باستلهام الأنموذج الأصلي لوحدتهم، وبالنظر إلى إمكانات تحركهم نحو الوحدة. وهو توفيقي لأنه صادر عن اقتناع أن الأنموذج الأصلي لوحدة الأمة الإسلامية لا يمكن تحقيقه مرة ثانية، إلا بمواجهة التعدد المذهبي والتعدد القومي أو الوطني، وتحدي الحضارة الغربية الحديثة.
في الفصل الثاني، التصور الديني السياسي، يرى نصار أن التصور الراديكالي المثالي للأمة ناتج من نظرة سلفية راديكالية مصممة على تجاوز الواقع في اتجاه بعث الوحدة الإسلامية الشاملة. والمعبّر الأقوى عن هذه النظرة الراديكالية هو جماعة الأخوان المسلمين الموصوفة بحق أنها كبرى الحركات الإسلامية الحديثة. وبحسبه، يستطيع المؤرخ تركيز بحثه على فكر جماعة الإخوان المسلمين من دون التنبه إلى الصلات العميقة التي تربط هذا الفكر بتعبيرات شبيهة، بعيدة أو قريبة في التاريخ، ومن دون التنبّه إلى أن مسألة درجة الأصالة في التصور هي إحدى المسائل التي ينبغي اعتبارها في التاريخ العيني للفكر الاجتماعي فحسب، وليست بالضرورة المسألة الأهم.
في الفصل الثالث، التصور الديني اللاسياسي، يعني الباحث بهذا التصور ذاك الذي يرى أن وحدة الدولة ليست مقوّمًا ضروريًا من مقوّمات الأمة القائمة على رابطة الدين، "ويستتبع هذا التعريف القول إن تعدد الدول في إطار الأمة الدينية ليس مجرد تجزئة سياسية لهذه الأمة، وإنما هو مظهر لتعدد الجماعات، القومية وغير القومية، فيها، ومدخل إلى فهم الاختلافات والفواصل بين عامل الدين وعامل السياسة". ويمكن وصف هذا المسلك بأنه واقعي نقدي؛ إذ وجد أن الواقع التاريخي العميق تخطى طور الوحدات الدينية الشاملة وطور تركيز الدولة على الدين، وترك الباب مفتوحًا لأشكال جديدة من الاتحاد في الدين.
التصورات اللغوية للأمة
يتألف القسم الثاني، التصوّرات اللغوية، من خمسة فصول. في الفصل الرابع، التصور اللغوي البسيط، يقول فيه نصار إن الشيخ حسين المرصفي قدم أول تعبير نظري صريح عن مقولة الأمة - اللغة في الفكر العربي الحديث. ويجد الباحث أن اللغة تظهر في كتابات بطرس البستاني ورفاعة الطهطاوي في عداد عوامل الهوية القومية، من دون أن تكون العامل الحاسم الذي يقرر نطاق الوجود القومي.
في الفصل الخامس، التصور اللغوي العنصري، يجد الباحث أن التصور اللغوي للأمة بين الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر والحرب العالمية الثانية تلوّن "بلون كان خافتًا في المرحلة السابقة في كتابات زعماء النهضة اللغوية والأدبية، وهو لون العنصرية. وشاع في هذه المرحلة الحديث عن العنصر العربي، إضافةً إلى اللغة العربية وخصائص أخرى يتميز بها العرب، حيث يمكن التوقف فيها عند ملامح تصوّر لغوي عنصري للأمة".
في الفصل السادس، التصور اللغوي التاريخي، يقول نصار، باحثًا في أفكار ساطع الحصري، إذا كان التاريخ هو شعور الأمة وذاكرتها، وإذا كان يمكن استعادة الشعور والذاكرة بالعودة إلى تاريخها الخاص، فمعنى ذلك أن التاريخ تابع للأمة، يساعد في تحديد نوعية وجودها، لا على تكوين هذا الوجود أصلًا. واللغة هي قوام الجماعة التي تسمى أمة، وهي روحها وحياتها. والشعور والذاكرة بالنسبة إلى الأمة هما وجهان من وجوه الكائن الحي القائم الذي هو اللغة أو الجماعة الناطقة بها.
في الفصل السابع، التصور اللغوي الميتافيزيقي، يبحث نصار في فكر زكي الأرسوزي ليجد أن الدولة، مهما علا شأنها واتسعت وظائفها، تعمل من دون التدخل في الصميم الذي هو محراب العناية. ما يعني أن البعد الميتافيزيقي للأمة يقتضي ألا تكون الدولة في صلب مفهوم الأمة. ومن ينظر إلى علاقة الأمة بالدولة هذه النظرة، لا بد له من أن يصطدم بأولئك الذين ينكرون كل دور للعناية وللعوامل الغيبية في المصائر التاريخية للشعوب والأمم، ويبنون على هذا الإنكار أو ذاك الاختلاف موقفًا آخر من علاقة الأمة الواحدة بالدولة الواحدة.
في الفصل الثامن، التصور اللغوي السياسي، يحلل نصار مستندًا إلى أفكار نديم البيطار تصورًا للأمة يرفض أن تظل الدولة خارجًا عن مفهومها. فالدولة بحسب هذا التصور لا تأتي بعد الأمة، لا من حيث الكيان ولا من حيث التكوين. والدولة عامل رئيس من عوامل تكوين الأمة، إن لم تكن العامل الرئيس بامتياز.
التصورات الإقليمية للأمة
في القسم الثالث، التصوّرات الإقليميّة، أربعة فصول. في الفصل التاسع، التصور الإقليمي الوطني، يحدد الباحث التصور الإقليمي الوطني للأمة بأنه تصور لكيان الأمة وخصائصها مبني على تصور الإقليم الوطن، وتركيب تصور الإقليم الوطن يدل بذاته على أن المقصود به ليس المعنى الجغرافي وحده، وليس المعنى السياسي في المقام الأول والمباشر. يكتب: "الإقليم الوطن هو تلك الرقعة أو البيئة الجغرافية المتميزة والمعتبرة وطنًا لجماعة معينة تسكنها، وهو في رأي بعض المفكرين القوميين المحدد الأساس الأول للأمة. ومن هنا، يتبين أن محور النظرة الإقليمية الوطنية إلى الأمة والقومية هو العلاقة بين الوطن...
ولد في لبنان عام 1940. أنهى دروسه الثانوية بنيل بكالوريا أولى فرنسية في العلوم اللبنانية في الآداب وبكالوريا ثانية لبنانية في الفلسفة. نال إجازة تعليمية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية وكان قد انتسب إلى معهد المعلمين العالي في عام 1959، وفي عام 1962 نال لتفوقه البارز منحه للتخصص في الجامعات الفرنسية في حقل الفلسفة. في حزيران 1967، نال شهادة دكتوراة الدولة في الآداب من جامعة باريس (السوربون) وكان موضوع أطروحته الكبرى (الفكر الواقعي عند ابن خلدون). اشتغل بصفة أستاذ مساعد ثم بصفة أستاذ في كلية التربية في الجامعة اللبنانية منذ عام 1967. ترأس في أثناء هذه المدة ، مرات عدة ، قسم الفلسفة وعمل على إصلاح المناهج التعليمية فيه لمواكبة إصلاح تعليم الفلسفة في التعليم الثانوي. عمل بصفة أستاذ زائر في جامعة لوفان في بلجيكا عام 1978. شارك في العديد من الندوات العلمية والفلسفية في لبنان وفي البلدان العربية وفي أوروبا وأمريكا. شارك في تأسيس الجمعية الفلسفية العربية في عمان عام 1987، وشغل منصب نائب الرئيس فيها (1982-1992) وأعيد انتخابه لهذا المنصب عام 1998. شارك في تأسيس الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان وفي تأسيس رابطة خريجي الجامعة اللبنانية . نال جائزة الدكتور منيف الرزاز للدراسات والفكر التي تمنحها رابطة الكتاب الأردنيين وذلك عام 1995. نال شهادة "رجال متفوقون في القرن العشرين" من المركز الدولي لسير الإعلام في مدينة كيمبردج ، أنكلترا. قرار لجنة التحكيم :
أسهم الدكتور ناصيف نصار بجهد متصل في وضع الأسس الوطيدة لمدرسة عربية في الفلسفة منبثقة من مشروع نقدي تحليلي يتجه إلى الدعوة إلى تكوين مجتمع عربي جديد، بعيد كل البعد عن العنصرية والتعصب ورفض الآخر.
وقد طرح خلاصة أفكاره تلك في العديد من الكتب في مقدمتها "مطارحات للعقل الملتزم" و "الفلسفة في معركة الإيديولوجية" و "طريق الإلتزام الفلسفي" و "مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ" و "نحو مجتمع جديد" و "تطورات الأمة المعاصرة".
أهم المؤلفـــات :
الفكر الواقعي عند ابن خلدون. نحو مجتمع جديد. طريق الاستقلال الفلسفي. مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ. الفلسفة في معركة الإيديولوجية. مطارحات للعقل الملتزم. منطق السلطة. التفكير والهجرة. الأيدلوجية على المحك. أضواء على التعصب. تصورات الأمة المعاصرة. إسهام في النقد الكلي.
عرض پانورامي، للأمّة في الفكر العربي الحديث والمعاصر. إسلاميون توفيقيون وإسلاميون سياسيون، وقوميون لغويون وقوميون سياسيون، وإقليميون دولتيون وإقليميون لادولتيون. دراسة تغني عن كتب كثيرة.