ينطلق الباحث العراقي فالح عبد الجبار في كتابه هذا من تحليل الدولة "العراقية" الفاشلة وتيار دولة الخلافة، بتوصيفه مُفتَتَحًا لتركيز البحث على تحليل المجتمع المحلِّي العراقي في تمثُّلاته لصورته الذاتية ومحنته، وتحوُّلات هذه التَّمثُّلات قبل صعود داعش وبعده، والتفاعلات بين المجتمع المحلي وأجهزة دولة الخلافة، من المحاكم الشرعية إلى أجهزة الحسبة وديوان بيت المال، وهي الأجهزة الأكثر تَمَاسًا بالحياة اليومية.
دولة ... فخلافة في الكتاب مقدمة وعشرة فصول وخاتمة. تُعرّف المقدمة بمشروع دراسة مِخيال المجتمع المحلِّي تحت سيطرة داعش في العراق تحديدًا، وتنقد التصوُّرات عن المجتمع المحلِّي بتوصيفه حاضنة لهذا التنظيم، فهذا التصور مغلوط بتوصيفه مفهومًا يشخِّص الواقع الفعلي في المجتمعات المحلية، ومغلوط بسبب تجزئته في تحليل الظاهرة. يقول عبد الجبار إن داعش ليست نتاج قبول المجتمع المحلِّي، لكنها تُحال إلى إخفاق الدولة في بناء مجتمع تعددي وفي قبولها الفعلي - المؤسساتي بالتعدد، وإلى وجود تيار اجتماعي يحمل أيديولوجيا الخلافة في المجتمعات العربية الإسلامية - ومنها العراق - منذ أمد بعيد.
في الفصل الأول، الدولة الفاشلة- اختلال بناء الأمة وتعدد الهويات والنزاع، يرى المؤلف أن الدولة الفاشلة في العراق هي أساس نمو الحركات التكفيرية واستشرائها، فلولاها لبقي التيار التكفيري محض تيار اجتماعي صغير، محافظ، ومبغوض، محذرًا من الخلط بين صعود الإسلام السياسي عمومًا، وهيمنة التيار التكفيري عسكريًا وسياسيًا على العراق. يكتب: "يتوقف تشكيل الأمة في دولة في حالات المجتمعات غير المتجانسة - والعراق واحد منها بلا ريب - على انفتاح الفضاء السياسي والاقتصادي والثقافي على أوسع مشاركة ممكنة. وغياب هذا الفضاء المفتوح محنة كبرى، بل معضلة كبرى. ولا يهم إن كان اضطراب الدولة - الأمة ناشئًا عن انقسام إثني، أو انشطار ديني/مذهبي، أو انقسامات قَبَلية أو جهوية، أو بعض هذه الانقسامات أو كلها، فالنتيجة واحدة، توليد كائن مُشوَّه اسمه: الدولة الفاشلة".
في الفصل الثاني، الخلافة والأيديولوجيا: التاريخ اللاتاريخي، يفصل عبد الجبار تحول التيار التكفيري إلى التطبيق الفوري لشعار "الخلافة الآن". فالخلافة في الفكر الإسلامي المعاصر رمز تاريخ تليد مَضِيع، "ويوتوبيا بناء تاريخ مجيد مقبل. إنها الماضي والمستقبل في اتحاد مكين. علة طلب الخلافة هي استعادة الدولة، واستعادة الدولة شرط أساس لاستعادة الإسلام نفسه. من هنا تلازُم فكرة الخلافة وفكرة الدولة، وتلازُم فكرة الدولة ومطلب الأسلمة. لكن التنفيذ الآني لم يكن وليد الفكرة القديمة فحسب، بل كان نتاج مسار السَّلَفية العراقية نفسها، نتاج الدخول العام للكادر العسكري – التكنوقراطي من الحقبة البعثية الذي وجد في هذه الفكرة ملاذًا ومُنقذًا من الضلال، والأهم: من الانحسار والنسيان.
الأيديولوجيا والصورة يحلل عبد الجبار في الفصل الثالث، الأيديولوجيا والرموز، أيديولوجيا الدولة الإسلامية، وسبب إحيائها خلافة بقيت مضمرة فترات طويلة. يكتب أن ما يميز فكر الدولة الإسلامية بمراحلها المختلفة هو خلو مقولاتها ومصادرها الفكرية من مفهوم الجاهلية، وحلول مفهوم جديد هو التوحش، أو فقه الدماء"، في تقعيد فقهي لإجازة قتل المشركين وقتل المسلمين عَرَضًا ممن لا يجوز قتلهم، وقتل النفس التي يُحرَّم قتلها (العمليات الانتحارية)، انطلاقًا من مقولة إن الأنظمة السياسية الحديثة هي في حدِّ الكفر والردَّة، وهي من ثم دار حرب. ودار الحرب تستوجب الجهاد. وفقه الدماء اسم آخر لكتاب مسائل من الفقه الجهادي، لمؤلفه أبي عبد الله المهاجر، شكل مع كتاب إدارة التوحش لمؤلفه أبي بكر ناجي المرجعين الأساسيين لأيديولوجيا داعش في العراق. ويعرض المؤلف أيضًا للرموز التي استخدمها التنظيم: الرايات السود والطرة الفضية والعمائم والبزات السوداء الموحدة والشعارات والأناشيد.
في الفصل الرابع، مخيال المجتمع المحلي (قبل وبعد( - الصورة الذاتية وتقلّبات المخيال، يواصل عبد الجبار دراسة الرموز وعلاقتها بالأيديولوجيا التكفيرية، محللًا مخيال المجتمع المحلِّي السُّني قبل غزو الدولة الإسلامية المدن السنِّية الكبرى وبعده. وتتبدى في هذا الحقل الصورة الذاتية لهذا المجتمع، وتقلُّبات مخياله على امتداد عقدين يمكن تسميتهما فترة الانقلاب في الرؤى. وبرأيه، مهَّد التقارب الانتقامي بين البعث والتكفيريين لبناء هوية طائفية سنِّية محارِبة، تُعطِّل المسعى السياسي لباقي القوى السُّنِّية، كما تُمهِّد لتنامي الآمال بظهور مُخلِّص جديد بعد تنامي الأزمات. وذلك بعدما دار مِخيال الجماعات المحلِّية في المجتمع السُّنِّي في منتصف عام 2015 في فَلَك عدمي يتَّسم برفض كل شيء: رفض داعش، ورفض الدولة الشيعية، ورفض الحشد الشعبي الشيعي، ورفض السياسيين السُّنَّة في المركز، ورفض السياسيين السُّنَّة في المحافظات، ورفض الأحزاب السُّنِّية، ورفض الشيوخ، ورفض رجال الدين.
مستعمرة العقاب الريعية في الفصل الخامس، البحث عن مُخَلِّص؟، يتناول عبد الجبار مخيال المجتمع المحلِّي إزاء الدولة الفاشلة، أو دولة اللادولة، منذ عام 2012 الذي يُعَد عام تحوُّل ونكوص. فالدولة الإسلامية اغتنمت ما اعتبرته الفرصة الكبرى للعودة إلى الساحة العراقية من خلال الاعتصامات التي كانت على أشدِّها، والغضب عاصف، واتجاه أمزجة القادة والشباب السياسية إلى التحدِّي فالعنف. وعملت على الإفادة من الغضب المحلي لتحقيق مكاسب التجنيد وإطلاق الوعود بعدم السير في طريق الدماء التي اقترن انتشارها بحملة دعائية طائفية سافرة في التحامل على الشيعة، وإعلاء شأن الهوية السنِّية. لكن المجتمع المحلِّي كان يبحث عن خلاص وليس عن مخلِّص.
في الفصل السادس، مستعمرة العقاب - الحياة اليومية في مجتمع "الخلافة"، يعتمد المؤلف اعتمادًا كبيرًا على تلخيص مكثف لمقابلات مباشرة أو تلفونية، فردية وجماعية، وشهادات صوتية أو مدوّنة، عن الحياة اليومية من أناس يؤيدون الدولة الإسلامية جزئيًا، وآخرين يرفضونها، أو يخشونها، ...
عالم اجتماع عراقي ( 1946-2018م). عمل أستاذاً وباحثاً في علم الاجتماع في جامعة لندن، مدرسة السياسة وعلم الاجتماع في كلية بيركبيك التي نال فيها شهادة الدكتوراه. مدير البحث والنشر في مركز الدراسات الاجتماعية للعالم العربي في نيقوسيا وبيروت (1983-1990). متخصص بدراسة الفكر السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط، وتتناول أعماله: الدين، دور القانون، الصراع الديني والمجتمع المدني.
لم يستفد العراق من تجربة داعش الظلامية رغم أن هذا التنظيم الإرهابي قد سيطر على ثلث مساحة العراق لثلاث سنين. انشغلنا بالأغاني الوطنية والتحشيد العسكري والنعرات الطائفية ولم نأبه للأسباب والنتائج؛ كنّا مؤمنين بمقولاتٍ معلّبة ورثناها عن أجدادنا.
*داعش لم تنبثق من العدم ولم تنتهِ بعد!
حتى هذه اللحظة، نحن نعيش ما أفرزته داعش والتحشيد المقابل ضدّها.. كان من المفترض أن تظهر في العراق مراكز دراسات وبحوث وندوات واصدارات تناقش وتحلل الفترة الداعشية، لكن الذي جرى على أرض الواقع هو بلورة (داعش المضادة) التي قتلت هشام الهاشمي، أحد أبرز المحللين لفترة داعش والإرهاب الإسلامي. ... هذا الكتاب، الذي هو آخر اصدارات عالم الإجتماع العراقي الراحل فالح عبد الجبّار، يعد تجربة بحثية مهمة في محاولة دراسة تنظيم داعش تاريخيًا وآيديولوجيًا واقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، لا أدعي بأن كتاب عبد الجبّار يغني المكتبة العراقية باعتباره كاملًا ووافيًا؛ فذلك ما لا ينطبق على البحوث الرصينة التي تعير أهمية للآراء كافة، أما البحوث (الكاملة) فتلك وهم!.. نحتاج إلى عشرات بل مئات من الكتب ليتسنى لنا فهم مثل هذه الحركات وسبر أغوارها، وهذا - مع شديد الأسف ما لا تهتم له المؤسسات العراقية سواءً كانت عامةً أم خاصة!.. ... أخيرًا، يبقى مشروع عبد الجبار مهمًا في فهم مآلات الوضع العراقي وتحليله بصورة مكثفة.
قرأت لفالح - خلال هذا العام أربعة كتب منها ثلاث كبيرة ومفصلة ولا أبالغ إن قلت بأن أهمية فالح عبد الجبّار كأهمية الوردي في إمتلاك كود التاريخ العراقي الحديث بل يتعدى ذلك إلى ما يشبهه من بلدانٍ شرق-أوسطية...
الكتاب يحاول ان يشرح الأسباب التي أدت للأحتلال داعش للمناطق السنية في العراق ومحاولة للابتعاد عن التبسيط الذي يفرضه الفكر الطائفي القاصر كقوله ان هذه المناطق هي أصالةً حاضنة لتنظيم داعش .. يسرد الكتاب بشكل تاريخي المسببات التي امتدت من (١٩٩٣-٢٠١٤) لتساهم في إعلان الخلافة بولاية الموصل وخصوصية موقع الموصل الجغرافي..يبين الكتاب هدف المقاومة الوطنية والبعثية من حمل السلاح اثناء العزو الامريكي للعراق (٢٠٠٣-٢٠١٠) لبناء دولة مركزية وقد يعمد للوسائل البراغماتية عبر بيروقراطيتهم التي حكمت مدة طويلة خلال حكم البعث (١٩٦٨-٢٠٠٣) ورفاق السلاح من جماعة السلفية الجهادية ابو مصعب الزرقاوي الذين يريدون استمرار الجهاد الابدي كمقاتليين مسلمين كونيين "لتحرير العراق" .. يحتوي الكتاب على شهادات ولقاءات مع (رجال أعمال وطلاب جامعات وإداريين وشيوخ قبائل وأطباء) وهم شهداء على حقبة حكم داعش لمناطقهم وقد كتبت مقدمة الكتاب في فترة كان الجانب الأيمن من الموصل لا يزال بيد تنظيم داعش.. رحم الله فالح عبد الجبار فهذا عمل جبار لتوثيق هذه الحقبة المؤلمة لشعبنا الذي يقاسي الأمرين منذ الأزل