مفترقاً عن حبيبته علا يصل يونس إلى جزيرة معزولة لا يدخلها غير قاطنيها. الجزيرة باتت وجهة الحكّام الذين نسفوا كلّ آثار الفقراء فيها، محوّلين إيّاها إلى نموذج عن مدينة معاصرة تفرض ثقافة الاستهلاك سطوتها على كلّ شيء فيها
من بين جدران غرفته الصغيرة المحاذية للمكتبة حيث يعمل، يراقب يونس موت المدينة البطيء، متطلّعاً إلى الجانب الآخر حيث علا تتطلّع إليه وتشهد الموت أيضاً. حوتٌ أعمى يرافق مناماته فيما ترافق قطّة عمياء مناماتها ليكون الأنين وحده صوت المدينة التي تبلغ موتها القاسي، وربّما تزهر في أرضها بذور حياة جديدة
ميثولوجيا معاصرة تقارب الواقع بلغة شيّقة، نافذةً إلى أعماقه لتقرأ الاحتمالات داخل ما هو كائن
عادة ما يلجأ الكتاب في كتابة أدب التجريب بعد عدة محاولات أدبية سابقة حيث أن الخوض في هذا المجال حساس خاصة إذا ما وضعنا في الإعتبار أنها التجربة الأولى وهي التي يعول عليها عامة الكثير لضمان الإستمرارية والعطاء تجربة الكاتب الأولى هنا تختلف من حيث جرأة الطرح التي أتت مخالفة لإتجاهات التيار حيث أنه آثر الخوض في رواية جادة تنبعث منها إسقاطات رمزية ضمن فكرة غرائبية حبكتها لغته الجيدة إلى حد ما للسير في النص إلى بر الأمان ولكن ومما لا شك فيه لن يكون هناك جدل أن ما طرح هو إستعراض لقدرة الكاتب الثقافية على حساب الطرح البيعي للجماهير رواية تتخذ من المثولوجيا الفرضية ذات الإيقاع الرمزي المعاصر هوية لها وتنقب عن الذات الداخلية في شخصيتي يونس وعلا بفردية خاصة لتستعرض الخامة الفكرية لكل منهما ... بداية لا بآس بها .
افتح عينيك": العبارة من فيلم للمخرج الإسباني أليخانجرو آمينابار (هي نفسها عنوانه)، ذكرني بها مفتتح رواية محمود حسني "خرائط يونس": ماذا لو فتحت عينيك صباحا فوجدتَ نفسك وحدَك في المدينة؟ لا بشر إلاّك؟ السناريوهات مفتوحة على كلّ الاحتمالات،.. وأحُدها ذاك الذي يقدّمه حسني في روايته الأولى يستيقظ البطل ليجد جميع من في الجزيرة اختفوا كأنّما تبخّروا لتبدأ رحلةٌ ميثولوجية ما بين حيواتٍ عديدة ومصائر تتقاطع كلّها في حياة يونس "يونس الماضي/ يونس الحاضر الرّواية كُتبت بسرد متواتر مل بين حياتين: حياة يونس حبيس الجزيرة، والحوت حبيس الوحل، كلاهُما يشكّل القطعة النّاقصة من حياة الآخر، حيث نقرأ تأملات يونس ونرى بعينيه سياحته في فراغ الجزيرة، وفي امتلاء لوحات تورنر؛ ونصغي إلى موسيقى الحوت، أنين البشر الأزليّ، وهو على الشّاطي، لا زعانفه تسعفه ولا أقدام لديه ليتقدّم... لا ريب في أنّ اختيار اسم يونس لم يكن صدفةً، فيونس ميثولوجياً هو الذي سكن بطن الحوت، لكن في رواية محمود حسني الحوت هو الذي يسكن يونس، وعبره يسكن كلّ البشر: هل البشر إلا حيتانٌ؟ حيتانٌ نحنُ على الشّاطئ، لا زعانفُنا تُسعفنا ولا أقدامُنا تنفعُنا. رواية جميلة، يدشّن بها محمود حسني صوتاً منفرداً ضمن جوقة عازفي السّرد الشّباب.
عندما تبدأ بجملة "إني أحتضر" لا بد أن تنتهي بجملة "ها أنا أغادر"، وفي وسط الحالتين تيهٌ يعيد ترتيباً عميقاً للذات.
في قالب روائي يكتنفه الغموض والغرائبية يكتب محمود حسني عن مأزق اللغة وتداعيات فقدانها اذا ما تم هذا على مستوى الفرد أو الجمع أو كلاهما. جزيرة في اللامكان وسبعة أيام في اللازمان يجتمعان في عملٍ تتقاطع فيه قصتان محوريتان (يونس والحوت) حيث "تتفاقم فيهما العتمة".
في خرائط يونس مشاهد ذات وصف دقيق ولغة عذبة واسلوب أدبي محترف يلقي نظرة على الانسان المعاصر أمام التقدم التقني والعلمي في مقابل تقهقر الفكر وشُح ما يتوق إليه روحياً.
عمل فيه اعادة تشكيل حكاية "صاحب الحوت" من منظور رمزي وعصري لا يطغى على الحكاية الأصل.
التجرد من المكان هو تجرد من المعنى الزمنيّ كذلك، وفي هذه الرواية لن يجد القارئ داعٍ لتتبع هذان العنصران، فالهموم والخيبات الإنسانية هنا متراكمة ومنعزلة وتدور داخل نفسها في بحث عن الطمأنينة أكثر من البحث عن جواب.
رواية مُحكمة تعرّف بنفسها، أي من الصعب أن تُحكى كقصة لها أبعاد بداية ونهاية بسيطين، ورغم ذلك، فيها الكثير مما تُرك مفتوحاً للتأويل. الملفت كذلك لغة الكاتب ومفرداته الخاصة جداً، وإمكانيته بتوضيفها بطريقتين مختلفتين: شاعرية وسردية.
نحتاج أكثر لهذا النوع من الأدب الذي لا يكتب الأمور بمثالية ولا ينهيها فقط لأن الرواية انتهت، فهو أدب صادق يشبهنا ويشبه طبائع الحياة.
انهيت قراءة خرائط يونس للكاتب محمود حسني البارحة, في الأوقات التي اقرأ لبورخيس, أحاول تخيّل فِكرة العالم دون لُغة, كيف سننظرإلى بعضنا البعض, وإلى انفسنا بوعي مَعطوب, وان احتجنا إلى ان نترجم صوت الذاكرة إلى الخارج ومن ثم إلى دواخلنا أو العكس, دون تحوير, كيف سنفعل؟ لابدّ الفكرة مؤسِفة.. رّواية خرائط يونس مكتوبة بلغةٍ ألقة, قرأتها بترقّب شديد, شعرت بنفس الحوت البارد, وتلاءمت مع هواء الجزيرة وجسورها وطينها كأني منها. كنت يونس, وكنت علا. محمود حسني افقدني اللغة, وسعدت باستعادتها الآن .. رّواية صريحة في تفحّصها وفي مدّ أسئلة مكتنزة ومَتينة من دون ان تتعثر المخيّلة ... خرائط يونس: صَمت ينتفي واشتباك.
رواية خرائط يونس تحوي لغة دافئة ووصفاً كارثياً يجثم على الأنفاس. كان ملفتاً اختيار اسم يونس والجانب الفانتازي من الرواية كوصف الحوت والبحر وتكور الشخصيات كأجنة.. رواية تبعث على القلق بمدى انقلاب الموازين بشيء من أدب الديستوبيا في مدينة كارثية. يتضح من خلال السرد تأثر كبير برواية العمى لساراماغو .
بما أنه العمل الروائي الأول لروائي شاب فالعمل ممتاز كعتبة دخول إلى عالم الكتابة الروائية. وأتوقع له أعمالاً مزهرة في حال بذل جهداً أكبر في نسج الشخصيات والمزيد من الحوارات
رواية تُلفت انتباهك من الصفحات الأولى .. تجذب قدماك للغوص في أعماقها .. حتى تشعر بكل كائن حي فيها .. وبالمناخ والبيئة .. والحوت رواية مليئة بالغموض والتشوق لآواخر صفحاتها النهاية قوية مُشبعة لي كقارئة تمنّيت لو كانت أطول ،، وتخيلتها فيلماً سينمائياً من أفلام هوليوود ^^
رواية تبقيك على تواصل وثيق معها رغم استغراقها في الصور الرمزية والأحداث الغريبة المتوالية وترك الأمر كليا لقدرة للقارئ على فهم المغزى والسبب.. فمثلا على القارئ أن يفسر ما حصل لحاكم المدينة ولماذا اختفى وفقد عقله وظهوره لاحقا في الجزيرة وهو مذعور ويتصرف على نحو مريب! على القارئ أيضا أن يفسر لنفسه سبب اختفاء كل الناس من الجزيرة وتحول بعضهم إلى كائنات مخيفة قد تأكلك وسبب انهيار الحياة في المدنية خلال أيام معدودة! في خضم هذه الأحداث الغريبة سواء في الجزيرة أو في المدينة على القارئ أن يفك رموز الاسقاط المعنوي لقصة الحوت الذي ابتلع النبي يونس مع قصة الحوت الذي ضل طريقه وعلق في ذيل النهر وإنقاذ بطل الرواية يونس له في نهاية القصة.. شعور يونس نفسه بالضياع والندم بعد ترك حبيبته علا ولجؤه إلى عزل نفسه في جزيرة متصلة بجسر مع المدينة هي بشكل أو بآخر تحاكي إحساس الضياع والندم الذي شعر به النبي يونس وهو معزول عن العالم في بطن الحوت.. ويتضاعف هذا الإحساس بالعزلة والضياع لدى يونس بعد انهيار الجسر الذي يربط الجزيرة بالمدنية! لم افلح في فك الرمزية في قصة علا وقصة الوجوه الطينية التي كانت تنحتها على الجدران وهل حنين يونس إليها والتفكير فيها هو دليل على أنه تسرع عندما تركها كما تسرع النبي يونس عندما ترك قومه! الرواية قصيرة لكنها مفعمة بكثير من الأحداث وتستحق القراءة لمن يحب هذا النوع الذي ينتمي إلى الأدب الرمزي الغرائبي..
أحيانا تمكن الكاتب من اللغة يضيعه لغة جميلة ولكني وصلت للصفحة رقم ٥٠ ولم اتصل بشخصية ولا حدث.. لم أكمل قراءتها ولكن استمتعت بألفاظك الأنيقة ولو أنني لم أفهم التركيبات البلاغية المتتالية التي أضرت بالسرد. حظ موفق في التجربة القادمة.
الرواية فيها الكثير من الرموز،والكثير من الأسئلة اللي لاتزال في ذهني واحاول ان اجد لها جواب: الحوت،القطة،الحاكم واختفائة،الانفجارات،الشعب،شرطة المدينة.
تقديرا للاختيار الفنية المغايرة، وللمغامرة الفنية لخلق عالم آخر. الروايات الأولى دائماً هى الأجرء والأكثر إثارة للدهشة. أتمنى في الأعمال القادمة محمود يبطل تركيبات الجمل الغرائبية ويخفف من تقعر الفصحى. ومبروك على العمل الجميل