لستُ من هواة قراءة الخواطر، وتوقفت منذ فترة عن قراءة الأشعار، لكننا نحتاج من حين لآخر إلى قراءة روح الكلمة بدلاً من مادتها.. إنَّ عبارة «وثقتُ بك لكنك لم تكن أهلاً لهذه الثقة» تختلف عن «كان كتفك هشًّا»، تتشابهان في بنية المعنى، لكن تختلفان في قوتهما وتأثيرهما على المستمع.. الأولى بث، والثانية إيحاء.. وما أحوجنا ـ نحن الكُتَّاب خاصة ـ إلى أن نتعلم مثل هذه الصياغات كي نتقن فن الإيحاء، بدل التلقين المباشر والبث العقيم.
مقدمة الكتاب تثبت ما أردده دائماً؛ أنَّ أوجاع الشعراء طريق لسعادتنا نحن، ومصائبُ شعراءَ عند قراءٍ فوائدُ.
الكتاب حلو، ورغم حلاوة الكتاب، لي مأخذٌ عليه، إذ أرى أن الحياة قاتمة بما يكفي لنزيد عليها قتامة أخرى.. ما أجمل أن نرسم الابتسامة على الوجوه بدلاً من اجترار الألم.. الشِّعر والخواطر لا يعنيان تجردنا من كل المشاعر خلا الحزن، بل هما بحر من مشاعر، والبحر فيه أصناف، لكن الشعراء على ما يبدو يعشقون البحار السوداء فقط، تلك التي منشؤها الدموع، هذا ما آخذه على الكتاب، كما آخذ عليه كذلك أنَّ كل خواطره ممحورة على رجل هجر فتاة، يفتقد الكتاب إلى التنوع في الطرح.
أما دون ذلك فالكتاب رغماً عن عنوانه الذي يحوي هشاشة (كان كتفك هشا)، لكن صياغة حروفه ليست هشة إطلاقاً.. هناك تماسك جميل في المعاني والحروف والكلمات.
لاحظتُ أن الكاتبة تنتهج نهجاً في تعاملها مع الجنسين، يُظهر أن الأنثى إذا أحبَّت صاغت حبها بحروف من قلبها، فالكاتبة كررت أنها (تكتب الرجل) في أكثر من موضع، وأنه (يقرؤها)، ولم تذكر أبداً أنه يكتبها أو أنها تقرؤه.. لعل الأمر عائد إلى أن المرأة تفهم الرجل أكثر من فهم الرجل للمرأة؛ لذلك كاتبتنا هنا تكتبه وهو يقرؤها، فالكاتب هو العارف، والقارئ هو الذي يريد أن يعرف.. ثم إن هذا التوجه التصنيفي يشير إلى أن المرأة في حقيقتها تريد من يفهمها (يقرؤها) رغم غموضها، أما الرجل فالأنثى كفيلة أن تصنعه (تكتبه) في فكرها بما يليق بهما معاً.
من أجمل ما سُطِّر في هذا الكتاب هو «رسالة من حبيبة قديمة لحبيبة جديدة»، فيها كمٌّ ساخن ملتهب من المشاعر، صيغت بطريقة قاصمة، وأجمل من هذه الخاطرة تلك القصة التي بعنوان «غروب الشمس اليوم»، انتهت نهاية مأساوية كالعادة، لكن من حيث كونها قصة قصيرة فقد كانت متقنة.
هناك بين النصوص تتكرر أمنيات الانتقام: «ليتنا نتبادل الأدوار، أغيب أنا وتحترق أنت بمشاعرك بدلاً عني»، «عِشْ بين الإحساس والجنون، بين النعاس والصحوة، وأنا نصب عينيك لا أغيب قدر إنملة»، «فلتهمْ على وجهك، ولتغبْ عن أنظارهنَّ جميعاً، لكنك لن تغيب عن عين الله.. ستبتسم شفاههنَّ سويًّا حين يرين فيك عجائب الله وقدرته»، «يا رجلاً قيد قلبي، أبحث عن مقصلة تُنهيك»، هذه وغيرها الكثير.. تُرى هل كل النساء يحملن صفة انتقامية، أم أننا نتحدث هنا عن الكاتبة فقط؟!
رغم روعة الكاتبة والكتاب، هذا لا يمنعني أن أذكر أنه لم يعجبني قولها: «سحقاً لرجولتك الزائفة، بل عليك لعنة الله» في مقطوعتها (لعنة حب).. اسحقي رجولته يا شاعرتنا كيفما شئتِ وزيفيها، لكن لا تلعنيه؛ إذ ليس المؤمن لعَّاناً، وأيًّا ما اقترفت يداه، لا تجوز لعنه.. أيضاً لا يمنعني روعة الكتاب أن أقول كذلك أنَّ علامات التشكيل ليست في مواضعها، على الأقل لو كُتبت الكلمات دون تشكيل كان الكتاب سيكون أكثر تنظيماً.
من الاقتباسات التي أعجبتني وأود طرحها هنا هي:
كلماتها القوية: رزقك الله بأنثى تتمثل لك في هيئتي، حديثها أنا وشكلها وتفاصيلها أنا، وأبعد الله بين قلبها وقلبك بُعد المشرق والمغرب.
بلاغتها في وصفها للأنثى التي دفعت ثمن مشاعرها ضريبة أنها: كفقير باع أحلامه عند بائع رغيف، استنشق رائحته، ثم فرَّ هارباً لأن جيوبه فارغة.
دقتها في قولها: لقاءات الأحباب ما هي إلاَّ لقمة عالقة في حلق النسيان
الحقيقة التي أعلنتها: (ليس هناك أسوأ من متسولِ حبٍّ يطلب صدقةً على مشاعره)، قالت عنه الكاتبة في النهاية: قبَّحه الله من حب، بلا عطاء صادق ولا مبادلة عادلة.
بلاغة تناصِّها: يأتيني طيفك من كلِّ مكان، يسومني سوء العذاب، يستحيي شوقي ويذبح قلبي من كلِّ جانب.
إلهام عبارتها: حسب التوقيت الزمني لقهوتك، على ذات المقعد والمكان احتسيتها وحيدة دونك.. لم تكن مُرًّةً إلى هذا الحد، فقد كانت كلماتك مكعبات سكر تزيدها لذة وحلاوة.
ومساس تناصُّها هنا: أموت وجعاً عليك ومنك، ولا أملك إلاَّ أن أقول: ربي مسني حبه وأنت أرحم الراحمين.