كنت رفقة مجموعة من التونسيين يوم 25 يناير 2012 بميدان التحرير بالقاهرة ضمن مليونية مصرية احتفالا بالذكرى الأولى للثورة المصرية. كان عددنا لا يتجاوز العشرة وسط أكثر من مليون مصري. وكان لِعَلمِ تونس الذي رفعناه الأثر السحريّ على الجميع. فمنْ مقبّل له ومِن باك فرحا ومن منشد شعارات بالمناسبة. ساعدني الكتاب الذي نقدمه اليوم لكم على فهم ماكان قد استغلق عليّ فهمه آنذاك. لماذا كان هذا الاحتفاء بتونس؟ وما سرّ الفعل التونسي الذي قاد الحراك الثوريّ منذ 14 جانفي 2011 في العالم العربي؟ حاول الكاتب رصد مكامن القوة في المجتمع التونسيّ ومن خلال التحليل التاريخي قاصدا فهم ما ميّز هذا المجتمع وجعله رائدا بما يعتمل من حراك سياسيّ في المنطقة رغم قلة عدده وحدود مساحته، متحدّيا كل العوائق. تفاعل الكثير من القراء مع الطبعة الأولى لهذا الكتاب وهاهو المؤلف يقدم لقارئه طبعة ثانية منقحة بعد نفاد الطبعة الأولى في بعض الأشهر مراهنا على تفاعل عدد أكبر من القراء الراغبين في معرفة ما حدث وماذا يمكن أن يحدث في تونس والعالم العربي؟ وفي معرفة ما إذا كانت الثورة ستكتمل وتحقق أهدافها في النموّ والحداثة والديمقراطية والاستقلال؟
ولد بنصر الله جنوب القيروان حيث زاول تعليمه الإبتدائي بمدرسة العجاجنة.. تابع تعليمه الثانوي بسيدي بوزيد حيث تحصل على شهادة الباكالوريا آداب. تابع دراسته الجامعية بدار المعلمين بسوسة اختصاص اللغة و الآداب العربية، حيث تعرّض إلى ملاحقات و تتبع أمني، ثم محاكمة سياسية. خرج من سنوات الهرسلة الأمنية و أيام الثورة، بأعمال روائية بدأ في نشرها على التوالي :
ملح قرطاج : في تعرية النظام البوليسي الاستبدادي و كشف ملامحه القبيحة الفزاعة : في تحليل الهشاشة الداخلية لسلطة الاستبداد يسقط الشاه : مقاربة روائية لانهيار الدكتاتورية المدوي، و ما يعقبه من صراع بين قوى الثورة و قوى الردة أبناء بورقيبة : تكشف الآليات الغامضة التي حولت البورقيبية من ثورة تحرر إلى جهاز قمع سياسة الخنازير : عمل قصصي صادم في فضح الساسة المتلونين الذين يديرون الشأن السياسي بأخلاق الحظيرة.
يشتغل الكاتب حاليا موظفا بوزارة البيئة و التنمية المستديمة.
لا أفهم كيف كتب صاحب "انتفاضات الفلاحين" و"في أصول الحركة القومية" و"تونس والتحديث" كتابا كهذا. لقد ذكر في مقدّمته أنّه بحكم معاصرته للأحداث لا يستطيع أن يكون موضوعيا تماما ولكنّه سيحاول ذلك جاهدا. ربّما حاول فعلا، ولكنّها محاولات فاشلة لا مراء عليها. لا أتحدث عن انحيازه التامّ للقوى اليسارية في مقابل تهجّمه على الإسلام السياسيّ، فهذا انتماء إديولوجيّ لا يلام عليه ولكنني أتحدث عن تأثر نظرة المؤرّخ بهذا الانتماء في أحيان بلغت حدّ التناقض الحادّ. يقول في الصفحة 213 :"فاليساريون أي `العلمانيون` وبدرجة أقل العروبيون هم الذين اضطلعوا بدور رئيسي في إسقاط بن علي". ثم يعود في الصفحة 215 ليقول في تفسيره لفشل اليساريين والتقدميين في انتخابات 2011 :"كما أنه يعتمد في نضاله على البيان أكثر ممّا يعتمد على الميدان" وبنفس التناقض أيضا يقول عن الإسلاميين في الصفحة 214 :"كما استغل حزب النهضة بعد 14 جانفي 2011 المساجد والجوامع وتعمّد المزج بين الدين والسياسة، ونكّل بكل شراسة بالعلمانيين والشيوعيين وبالملحدين وبـ`أيتام بن علي`" ثم في الصفحة الموالية يعود فيقول :" انجر اليسار في مداخلاته التلفزية وكتاباته الصحفية إلى توجيه انتقادات حادّة جدا للإسلاميين السياسيين، بينما أحجم هؤلاء الأخيرين عن ذلك. الشيء الذي جعلهم يظهرون لدى الرأي العام بمظهر السياسيين الناضجين والمسؤولين." هذا دون الحديث عن تأكيده على الصداقة الحميمة بين النهضة والسعودية، وهو أمر يحيّرني حقا.
الغريب أنّ الكتاب يتناول بالبحث حقبة بن عليّ، ولئن كان من الممكن اعتبار الانتفاضة الكبرى آخر فصول حكم بن عليّ، فإنّ الأكيد أن انتخابات 2011 تتعلّق بشيء آخر عدا حكم بن عليّ، وهي مرتبطة به بقدر ارتباط حكم بورقيبة وهو الذي أفرد له كتابا مستقلا. فكان تحليله للثورة سطحيا وتغلب عليه اللحظية الصحفية، والانفعال. فكل ما ذكره تقريبا لا يتجاوز ما نسمعه يوميا في خطابات السياسيين (الفاشلين عمليّا) الذي يشاركهم الكاتب إلى حدّ ما الإيديولوجيا.
لقد درس الكاتب مختلف جوانب الحقبة النوفمبرية (نسبة إلى انقلاب 7 نوفمبر) وحاول الفصل في الأرقام والإحصائيات التي زيّف بن عليّ أكثرها، ولكنني في نهاية الكتاب لم أفهم ماذا يعيب الكاتب على بن عليّ فعليّا. طبعا عدا قمع الحريات واعتقال المعارضين وهي أمور تحدث الكاتب عن حضورها في زمن بورقيبة. ولا يختلف الأخير عن بن عليّ ـ بحسب ما فهمته من الكاتب أيضا ـ إلا في فساد الطرابلسية الذي لم يركّز عليه الكاتب كثيرا، وإنّما كرّره هنا وهناك دون إحصائيات فعلية. لقد حاول الكاتب إدانة بن عليّ بتدهور الأوضاع في تونس، فخلص إلى أنّه استمرّ تقريبا في نفس السياسة التي انتهجها بورقيبة من قبله، وأنّ التدهور الحاصل لم تتسبّب فيها خياراته بقدر ما تسبّبت فيها العولمة بما أفرزته من مظاهر.
كما خلص الكاتب إلى بعض الملاحظات المخجلة والتي لا تليق به كمؤرّخ، فخلال حديثه عن فئة المعينات المنزليات يقول "وتعيش الكثير من المعينات أنواعا من انفصام الشخصية، فهن في مسقط رأسهن علجية وخديجة وخميسة وفي منازل مشغليهم سوسن وليليا وسميرة، وهنّ يخجلن من مهنتهن ويروجن في مسقط رأسهن أنهن يشتغلن في المصانع، لأن كلمة خديمة أو Bonne تجلب الاحتقار لهنّ. ويشتكي المشغلون دائما من كسل المعينات ومن عدم إتقانهنّ للعمل ومن انجرارهنّ أحيانا إلى السرقة ومن سوء معاملتهنّ للأطفال." فلماذا يعرض علينا الكاتب تقييما لعمل المعينات من وجهة نظر المشغلين؟ فيم يفيدنا هذا التقييم مثلا؟ هذا دون التطرق إلى باقي الأفكار التي وإن كانت صحيحة في بعض الأحيان فلا يمكن اعتبارها قاعدة أو ظاهرة فعليّة بدون احصائيات معتمدة.
ويحدّثنا أيضا عن الكثير من الظواهر الطارئة في زمن بن علي أو ما بعده، بينما هي ظواهر معروفة عند عموم الناس منذ القديم. فعند الحديث عن مرحلة التحضير للانتخابات، يقول "كما عمد بعض المواطنين لردع غياب الحس المدني لدى الذين يلقون بالنفايات في أي مكان، إلى الكتابة على الجدران بأحرف غليظة : الله لا ترحم والدين اللي يحطّ الزبلة هنا"... وهي عبارة موجودة في كل ربوع الخضراء منذ دهور. وكثيرا يذكر الكاتب شعارات وأمثالا رائجة لم أسمع عنها في حياتي إلى درجة تجعلني أشكّ في كوني عشت في تونس. إذ يقول مثلا "كما لوحظ ارتداء الكثير من الفتيات للحجاب لكن مع المحافظة على اللباس الغربي، وهو ما جعل التونسيين يرددون العبارة التالية: الرأس إخواني والنص اللوطاني زهواني." لقد راجت هذه الفكرة فعلا، ولكنها راجت عند خفاف العقول الذين يكتفون بإسقاط أحكام مسبقة، فكيف يعقل لشخص يقدم تحليلا اجتماعيا أن يخرج لنا شيئا كهذا؟ وكيف لدارس حقيقيّ للحركات الاحتجاجية في تونس، أن يجهل أسماء مجموعات الألترا الكرويّة ويكتفي بذكر أسمائها مع التعليق الآتي "وظهرت شعارات غريبة على الجدران في المدن الكبرى هي خليط من الثورية والفوضوية الهدامة"؟
باختصار كان الكتاب محبطا جدا، وماكان على الدكتور الهادي التيمومي أن ينساق وراء حماس الكتابة عن هذه المرحلة، والاكتفاء بالتوثيق لهذه المرحلة، وإرجاء التحاليل إلى زمن أبعد. إن هذا الكتاب لا يفيد في شيء تقريبا، وهو أسوأ ما قرأت للهادي التيمومي الذي له كتب قيمة فعلا.
1/التحيز وغياب الموضوعية عند ذكر ادوار الاحزاب او القوى المساهمة في الاطاحة بالنظام 2/ اعتباره ان التدين و خاصة تحجب المرأة هي خطوة الى الوراء دليل على اعتباره ان كل الاديان في سلة واحدة مجرد تفسيرات للعالم وانه لا يوجد دين الحق. و هذا لا يفيد الا القول بالصدفة العمياء المنشئة للكون و هذا عبث.