تأليف ناصر بن حمد الفهد هذا الكتاب ضمن سلسلة عني بها المؤلف ( كشاف الفنون في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ) حيث ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أنه فهرسه يحتوي على أكثر من عشرة علوم في أكثر من سبعين مجلدًا من كتب شيخ الإسلام.
يحتوي الكتاب على مقدمة، وتمهيد ثم خمسة مباحث الأول : ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الثاني : منهج شيخ الإسلام في النحو الثالث : شيخ الإسلام وسيبويه الرابع : اختيارات شيخ الإسلام في النحو الخامس : عملي في هذا الكتاب
ففي المبحث الأول ترجم المؤلف لشيخ الإسلام ترجمة مختصرة في أربع صفحات، وأحال إلى مراجع أُخر. وقد أحسن المؤلف في إيجاز الترجمة؛ لأن بسط الترجمة في مثل هذا الكتاب لا فائدة منه.
وفي المبحث الثاني تحدث عن منهج شيخ الإسلام في النحو، وبيَّن أن طريقته في النحو هي طريقة الراسخين في العلم بالاكتفاء بما يلزم لبيان المعاني.
ومن منهجه التجرد عند الاختلاف النحوي.
وفي المبحث الثالث أورد المؤلف موقف شيخ الإسلام من سيبويه، وحاصل الأمر ما دار بين أبي حيان النحوي وشيخ الإسلام في القصة المشهورة، حيث دار بينهما كلام في مسألة في النحو فقطعه شيخ الإسلام فيها وألظمه الحجة، فذكر أبو حيان كلامًا لسيبويه يخالف كلام الشيخ. فقال الشيخ : يفشر سيبويه، أسيبويه نبي النحو أرسله الله حتى يكون معصومًا، سيبويه أخطأ في ( الكتاب ) في ثمانين موضعًا لا تفهمها أنت ولا هو!.
ثم ذكر المؤلف حقيقة موقف شيخ الإسلام من سيبويه؛ وذلك بأمرين : الأمر الأول : تعظيم شيخ الإسلام لكتاب سيبويه؛ فمن ذلك قوله : «ليس في العالم مثل كتابه، وفيه حكمة كلام العرب»، و قوله : «كتاب سيبويه مما لا يقدر على مثله عامة الخلق». الأمر الثاني : انتقاد شيخ الإسلام لكتاب سيبويه؛ حيث ذكر المؤلف أنه لم يقف على هذه الانتقادات، ثم ذكر تعليلات جيدة.
وفي المبحث الرابع ذكر المؤلف اختيارات شيخ الإسلام النحوية مجملة، وقد بلغت خمسة وثلاثين (35) اختيارًا.
وفي المبحث الخامس ذكر المؤلف منهجه في الكتاب.
ثم سرد للقضايا النحوية والتصريفية التي تعرض لها شيخ الإسلام مبوبة في اثني عشر فصلا متضمنة أكثر من ثمانين مسألة.
والكتاب فيما أعلم أول كتب جمع هذه المسائل؛ وتبقى هناك حاجة إلى ( دراسة المسائل النحوية والتصريفية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ).
يقع الكتاب في تسع وخمسين وثلاثمئة (359) صفحة من الحجم المعتاد. ونشره مكتبة ( أضواء السلف ) سنة 1423 هـ الموافق 2002 مسيحية، وقد أخرج الكتاب إخراجًا جيدًا يظهر حرص الدار على نشر مطبوعاتها في حلة تسر الناظرين.
هو ناصرُ بنُ حَمَدِ بنِ حمَيِّنِ[1] بنِ حمدِ بنِ فهدٍ، من عشيرةِ الأساعدةِ الروقيَّةِ، وينتهي نسبُه إلى بني سعدِ بنِ بكرٍ الذين استرضعَ فيهم الرسولُ –صلى اللهُ عليه وسلَّمَ-، ويُعرَفونَ اليومَ بـ(عتيبةَ). وأمُّه نورةُ الغزيُّ، يعودُ نسبُها إلى البدارينَ الدواسرِ.
كانَتْ مساكنُ أهلِه في (الثويرِ)، وهي من قرى (الزلفي)، وتحوَّلَ أبوه الشيخُ حَمَدُ بنُ حميِّنٍ إلى (الرياضِ)؛ للعملِ عندَ الشيخِ العلامةِ محمدِ بنِ إبراهيمَ –رحمَه اللهُ-، فالتزمَه ثمانيَ عشرةَ سنةً حتَّى وفاتِه.
فصلٌ في ذكرِ سنةِ ولادتِه ونَبْذٍ من حياتِه وطلبِه : وُلِدَ في (الرياضِ) في شهرِ شوَّالٍ سنة 1388هـ، وفيها نشأَ. وبعـدَ إنهائِه الثانويَّةَ شرعَ في دراسةِ الهندسةِ في جامعةِ الملكِ سعودٍ، وكان مبرِّزًا فيها مُقدَّمًا. ولمَّا بلغَ السنةَ الثالثةَ التزمَ، فتحوَّل منها إلى كليةِ الشريعةِ في جامعةِ الإمامِ محمدِ بنِ سعودٍ الإسلاميةِ، وحفظَ القرآنَ في ثلاثةِ أشهرٍ، وكتبَ في الورقةِ الأولى من مصحفِه الذي كانَ يحفظُ منه : ( تمَّ –وبحمدِ اللهِ وتوفيقِه- الانتهاءُ منه وختمُه –حفظًا- عرضةً واحدةً بعدَ عصرِ يومِ الأحدِ التاسعِ والعشرينَ من ذي القعدةِ لعامِ اثني عشرَ وأربعِمئةٍ وألفٍ من هجرةِ المصطفى صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، وكانَ البدْءُ في حفظِه من أوَّلِ رمضانَ من نفسِ السنةِ. والحمدُ للهِ الذي بحمدِه تتمُّ الصالحاتُ.).
وفي كليةِ الشريعةِ تخرَّجَ على بعضِ المشايخِ، من أبرزِهم: الشيخُ عبدُ العزيزِ الراجحيُّ، والشيخُ زيدُ بنُ فيَّاضٍ –رحمَه اللهُ-، والشيخُ أحمدُ معبدٍ الأزهريُّ. وأُجيزَ في الكليةِ سنةَ 1412ه بترتيبِ الأولِ في دَفْعَتِه، وطلبَتْه كليَّتا (الشريعةِ) و (أصولِ الدينِ) للإعادةِ، فاختارَ (أصولَ الدينِ – قسمَ العقيدةِ والمذاهبِ المعاصرةِ). ونُدِبَ إلى تايلاندَ أستـاذًا، وناظرَ هنالك جهميًّا فظهرَ عليه فصفقَ الحاضرونَ[2].
واجتهدَ إذْ ذاك في الطلبِ بجردِ الكتبِ والمطالعةِ والبحثِ، وكان وَلِعًا بالقراءةِ، وما رأيتُه ساعةً في البيتِ بغيرِ كتابٍ، وكانَ يأخذُ معَه في سيارتِه كتابًا يقرؤُه عندَ (الإشاراتِ)، ولو قلتُ إنَّه يقرأُ في اليومِ خمسَ عشرةَ ساعةً لأجحفتُ.
وبرعَ في أكثرِ فنونِ الشريعةِ؛ في العقيدةِ وما يتصلُ بها والحديثِ والرجالِ والفقهِ بمذاهبِه والأصولِ والفرائضِ،وكانَ له حسنُ نظرٍ وقدرةٌ على الاستنباطِ والتعليلِ والتحقيقِ. وهو –أيضًا- عالمٌ بالتاريخِ والأنسابِ، وكانَ سُئِل الشيخُ وليدُ السنانيُّ –أحسنَ اللهُ فكاكَه- عن بعض الأنسابِ -وهو نسَّابةٌ لا يُشَقُّ له غبارٌ، معروفٌ بذلك-، فقالَ: سلوا ذلك الأسعديَّ –نسبةً إلى الأساعدةِ-. يعني الشيخَ ناصرَ الفهدِ.
وحدثني بعضُ أساتيذِ العقيدةِ في جامعةِ الإمامِ، قالَ : كانَ أبوك قريني في دَرْسِ (الماجستيرِ)، وكانَ أذكانا قلبًا وأسرعَنا حفظًا وفهمًا، ولا يعيبُه إلا شدَّتُه. وهذا صحيحٌ، فإنَّه إذا ناظرَ احتدَّ، فما يسكتَ غضبُه إلا اعتذرَ من مقابلِه.
وبلغني أنَّ أستاذًا في (قسمِ العقيدةِ) قالَ للتلاميذِ يومًا: كانَ في قسمِنا رجــــلٌ كثيرُ الشبهاتِ، ولم يستطعْ أحدٌ القيامَ له غيرُ ناصرِ الفهدِ.
وفي سنةِ 1415 أُدخِلَ سجنَ الحايرِ، ولبثَ فيه ثلاثَ سنينَ ونصفَ سنةٍ، وخرجَ سنةَ 1418.
وبعدَ الفرجِ دخلَ (الإنترنتُّ)، وكانَتْ له أخبارٌ فيه وصولاتٌ، طويتُ الكَشْحَ عنها؛ لضيقِ الوقتِ.
وكانَ الزائرونَ يكثرونَ، ووقتُه لا يتسعُ، فأقامَ مجلسًا في بيتِه يومَيِ السبتِ والثلاثاءِ بينَ المغربِ والعشاءِ من كلِّ أسبوعٍ، يُدار فيه ما جدَّ من أحاديثَ وأخبارٍ، وكانَ المجلسُ يكتظُّ حتى تمتلئَ أطرافُه فيجعلونَ يجلسون في منتصفِ المجلسِ صفوفًا.
ولـمَّا ابتلى اللهُ المسلمينَ بغزوِ أمريكا لأفغانستانَ، سعى الشيخُ يحرِّضُ المؤمنينَ على نصرةِ إخوانِهم ويحذِّرُهم من مظاهرة الكفارِ على المسلمينَ، فلم يبرحْ أن طُلِبَ، ثمَّ سُجِنَ سنةَ 1424.
ومنذُ ذلك الحينِ وهو في (زنزانةٍ انفراديَّةٍ) حتى الساعةِ. وهو محظورٌ من رؤيةِ أهلِه أو مكالمتِهم منذُ ستِّ سنينَ[3].
وقد فتحَ اللهُ عليه في السجنِ من بركاتِه، وزادَه بسطةً في العلمِ، فمن ذلك أنَّه أتمَّ حفظَ الكتبِ التسعةِ من جمعِ اليحيى[4]، وحفظَ عددًا صالحًا من الكتبِ والمتونِ، وقرأَ (مجموعَ الفتاوى) ستَّ مراتٍ، وصنَّفَ خمسًا وثمانينَ رسالةً، ونظمَ أصولَ فقهِ شيخ الإسلامِ وأصولَ تفسيرِه في أكثـرَ من ثمانمِئةِ بيتٍ. وقالَ لي أخٌ حديثُ عهدٍ بسجنٍ: إنَّ بعضَ العسكرِ يقولُ: ما لهذا الرجلِ (الموسوسِ) –يقصدُ الشيخَ ناصرًا- ، ينامُ أربعَ ساعاتٍ، ويقضي سائرَ وقتِه يصلي ويقرأُ!!
وعُرِضَ في السجنِ للفتنةِ، وعُذِّبَ، وأرادوه على الهوانِ فأبى، وما زالَ ثابتًا صابرًا ، زاده ا