إن لقراءة كلمات خرجت من حلق وقلم كاتب مثل عبدالله حبيب، إن لاحتضان كلماته نشوة عظيمة، وذلك بكل تأكيد لأن عبدالله حبيب يتجلى في كلماته، نبصره في التكوين النهائي لحروفه، نراه منحشرًا ومنكشفًا بين الكلمة والأخرى وفي المسافة التي تأخذها النقاط صاعدة أوهابطة فوق وتحت الأحرف شديدة الحساسية تلك. إنني لذو حظٍ عظيم لأن حدقات عينيّ تقرأ هذه الكلمات، وإني لأكثر حظًا لأنني أعيش في زمان يعيش فيه هو ونتشارك فيه هذه الرقعة من الأرض.
بعد منتصف ليلة أحدٍ جديد من أسبوع جديد، انتهيت من قراءة نصوص "كما البحر يمحو"، وهو عمل نشر قبل ست سنوات من الآن، ورغم ذلك، خرجت للتو من تعويذة العذوبة السحرية التي يكتب بها عبدالله حبيب. ويصادف أن تأثير قراءة كتاب لعبدالله حبيب أقوى هذه المرَّة لظروف خاصة -رغم كونها عامّة جدًا كذلك- ولهذا السبب ثقل الكلمات كان مضاعفًا ووقعها على القلب كإبهامٍ مهشَّم جرّاء سقوط طابوق عليه. أقول أو نقول دومًا أن هذا الكاتب ليس من هذا الزمن، ولو أتاح لي كبريائي لأمضيت ليالٍ وأيام في إطراء كل كلمة من كلماته، لكن لا أريد المبالغة ولا أرغب في ابتذال نفسي ولا أبتغي امتعاضه لأني أعرف أنه سيرفض شيء كهذا وهو البعيد عن الأضواء، القريب جدًا من تجربته الإبداعية الخاصّة.
إن المرء حين يقرأ عبدالله حبيب يستطيع أن يستشف عبق السنين الطِوال التي عاشها، يصبح قادرًا على رؤية ماضيه وحاضره وربما مستقبله مما يتقيأه على الورقة البيضاء التي يقول أن بياضها جزء من نصوصه. إن تجلي ذاته في نصوصه واضح مما يعطينا لمحة عن تلك الذات التي صقلتها الحياة، والحب، والعزلة وبكل تأكيد الكتابة. إنه شاعر في نهاية الأمر، إنه شاعرٌ بالإنسان وشاعرٌ بالحب وشاعرٌ بالكلمات، يقتنص فرصة انقشاع المعنى ويطبع لنا فلسفةً في عيش الحياة في نصوصٍ متفاوتة في الطول والعُمق. تراه شاعرًا بحق ويضغط تجارب طويلة من حياة البشرية حين يقول: "أيها البحر/جئت إليك ليس بحثًا عن مكان يتسع لأحزاني/بل كي أرى أحزانك" أو "ربطت الليل بضفيرتها/وركضت/ساحبة ورائها القمر." ويقول: "من أي كوكب تجيء الموسيقى/ كلما تعرَّت امرأة؟" في تجلٍ واضح للصورة الشعرية في أقصى مداها العذب والجارح. إنه شاعرٌ بحق، وأتمنى أن ينصفه الشَّعر أيضًا.
لكلٍ منّا ارتحالاته مع الحب وفي عوالمه، وقد يطولها العذاب والشتات، بل قد يكون العذاب واجبٌ في الحب فـ"ليس من واجب الحب أن يجعلنا سعداء. العكس تمامًا وبالضبط هو الصحيح؛ فالحب العظيم هو ما يجعلك تشعر من جديد بلوعة الفقد وإثم الغياب مثل خنجر صدئ على خاصرة ضامرة أو شفة متشققة.". لكلٍ معاركه مع الحب، لكنك حين تشاهد هذا الشاعر يرمي لنا بلوعته في تجاربه مع الحب تشعر أنك هو، ولربما هذه إحدى فضائل الأدب فهو شارح لتجارب البشرية بسردية تتخللها الدقة في التصوير والتشارك الإنساني فيها. حين تقرأ عبدالله حبيب العاشق الغارق في وحل الحب (وماء الوحل قد يكون ماء ورد) تجده يضيء عاطفةً وهوىً حتى ليمكن أن يكون ورقة نباتٍ لم تنضج بعد لشدة رهافتها ورقّتها، وهذا لا يمكن أن يكون ضعفًا، بل انتصارًا للصفة الإنسانية لدى البشر، ولعاطفة الكون التي تختبئ في دواخل الكائنات.
إن المرء -سواء كان عاشقًا أم لا- يصبح شديد الحساسية (حين يقرأ ما يكتبه عبدالله حبيب عن الحب، ومنه، وإليه) كأن حواسّه جميعها تم تفعيلها للحد الأقصى، حيث وضع في القسم الثالث من الكتاب 130 نصًا عن الحب تتجمع فيها استنارات واستعطافات واستنجادات وحِكَم لايمكن أن تصدر إلّا عن شخص خاض هذا العالم بعنفٍ شديد، حيث يقول واصفًا الحب بأنه "ألا يستطيع أحد منعك من البكاء حين تتذكرها في حشد ينبغي أن تكون رابط الجأش فيه ولاتظهر فيه العواطف الشخصية التي تهاجمك على حين غرّة" في شرح دقيق لحالة الوجد وتدفق الألم الذي لا يعرف وقتًا محدد ولا مناسبة معينة، فتتدفق مياه العين البشرية على مرأى من أعين الآخرين. ثم يقول في موضعٍ آخر أن الحب هو "أن تكون مهجورًا تمامًا، وتعرف أن هناك من يريدك" أي أن تأثير هذا الهيام (وهو أقصى مراحل الحب عند الثعالبي النيسابوري بالمناسبة) يعرقل الحياة، بمعنى أن يشعرك فقد من تحب بأنك هائم وحيد في شوارع العالم رغم أن الكثير في انتظار أن يضمّوا قلبك لكنك تأبى وتعاند وتتجاهل وتتمسك بما يمليه عليك احساسك، لذلك يكملها في نص تالٍ في أن الحب هو "أن تكون ملتزمًا به (حتى ولو كان ذلك مستحيلًا)" مما يستدعي الانتباه إلى أن الحب أشبه بمسٍ ميتافيزيقي أو من مصدرٍ آخر غير هذا الواقع الذي نعيش فيه والذي يحوّلنا من بشر إلى كائنات من نوع آخر. بالرغم من كل ذلك، نجد نظرة مواربة بين نصوص عبدالله حبيب حول الحب بوصفه أكبر من كل شيء وأن الألم ملازم له في حالة الضائعين بلا بوصلة في غياهب الغياب، يقول أن الحب هو "أن تتوقع دمعة الفراق في أي لحظة. إن لم تتوقعها فأنت غريب عن الحب، وأنت لا تستحق الحب، وأنت لا تعرف الحب" مما يدفعني للرجوع إلى ما قاله أندريه تاركوفسكي في تحفته "النحت في الزمن" حول أن الحب لا يكون إلا من طرف واحد وما عدى ذلك ليس حبًا، ولا أستغرب هذا الترابط لأن العلاقة التي تجمع عبدالله حبيب وتاركوفسكي شديدة العمق سينمائيًا بكل تأكيد. لكن المرء يقف قليلًا عن فلسفة كهذه، ويكون هذا الوقوف إما امتعاضًا أو تفهمًا لما قيل حول أن الحب شديد التعقيد والسهولة في آن، وأنه يدفع أكثر العاقلين للجنون، ورغم أنه وقود وجودنا الفيزيقي والميتافيزيقي هو أيضًا مصدر أوجاعنا وجروحنا التي لا يكفيها ضماد عادي لتكفّ عن السيلان دمًا. ويفضي لنا ولنفسه أخيرًا أن الحب هو "ألا تحاول إكمال كتابة هذا النص" في نبرة استسلاميَّة لطغيان هذا الهيام وسط جدلية تثير الحنق، أن يستمر في سكب جراحاته من الحب عن طريق الكتابة أم يقف خالي الوفاض من الكلمات لأن الحب يمتص كل شيء حتى المقدرة على التعبير. يقرر أن الحب في الإبقاء على ما في القلب، في القلب فقط، وكل ما سبق ليس إلّا شيئًا يسيرًا من علاقة عبدالله حبيب مع الحب في كتابه "كما البحر يمحو".
إن ما يربط الأدب بالموسيقى شيء كبير، فلطالما كنت أقول أن على الباحثين في الأدب والموسيقى أن يلتفتوا إلى تلك العلاقة الصامدة التي تربط عبدالله حبيب بطلال مداح، خاصة عندما نرى ظهور طلال مداح كثيرًا في نصوص عبدالله حبيب، والأمر لا يتوقف على ظهوره في إصدار واحد فقط بل الكثير من إصدارته. نشهد في هذا الكتاب ظهورين لطلال، أولًا حين وصف الحب بأنه ترديدٌ لأغنية "أحبك لو تكون حاضر" المكتوبة بإتقان (النص السابع، (الـ)حُبّ هو...)، والثانية حين قال بأن طلال مداح -ولم يكن وحده- من يفهم حلكة ذلك البياض لتلك الليلة التي لاتنتهي، بل كل جميع الليالي الطوال، ربما لأنه يشاركنا -أي طلال- تلك الليالي البيضاء دومًا. كما أننا نراه في "صخرة عند المصب: مقاطع من رسائل حب" في المقطع الرابع يجعل صوت الأرض ذاك منبعًا شرقيًا يمازج بين شبه الجزيرة والخليج، إضافة إلى ترابط صوته مع الطبيعة الحية في الشرق كالجبال والبحار في المنطقة بخصوصيتها، وهذا أبلغ وصف قرأته لصوت طلال مداح ذو الحنجرة الذهبية وأصالته الفريدة العذبة. لا يسعني ذكر كل ظهور لطلال في كتابات عبدالله حبيب وأترك ذلك للمستقبل الذي أود أن أرى فيه ما يتمخض في ذهني في الحاضر عن هذه العلاقة التي استمتع بمراقبتها شخصيًا.
عظيم هو هذا الشعور! إنه أدب خام ونحت دقيق في زمن الكاتب كما أشار أندريه تاركوفسكي (الذي يحتل مكانة خاصّة لدى عبدالله حبيب). لكم أخذني عبدالله حبيب برفقٍ في رهافة كلماته في "كما البحر يمحو"، نصوص يشعر المرء أنها كُتبت على جمرٍ قائض!.
وأود أن أقول لكِ يا من تعرفين نفسك بقدر ما تعرفين بواطن روحي أني أحبكِ أيضًا كما البحر يمحو قلاعنا التي بنيناها على شاطئ السنين التي خضنا غماره معًا في ظهيرة ذاك اليوم الصيفي الحارق بأقدامٍ عارية، أحبكِ كما محا البحر أصابع أقدامنا وهو يبرّدها من حرارة الأرض، وسأظل.