يبحث هذا الكتاب في صور الذات الفلسفية والصوفية، الفردية والتاريخية، الأنطولوجية والعمرانية؛ وفي جملة مفاهيم وقضايا متصلة بمفهوم الذات، كالعقل والحق والعدل والدين والوجود والماهية.
يتألف هذا الكتاب الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (480 صفحة من القطع المتوسط، موثقًا ومفهرسًا)، من 16 فصلًا. وإشكاليته الأساس هي: هل كانت هذه الذات التي تتكلم عنها الفلسفة العربية الإسلامية تشير حقًا إلى الهوية الفردية "الأنا" أم إلى الماهيّة العامة "الإنسان بما هو إنسان"؟ وما العلاقة التي تنسجها هذه الذات مع مفاهيم متقابلة، مثل الماهيّة والجوهر والنفس والعقل والأنا والهوية والوجود؟ وما صلتها بالجسم المُغري بأحاسيسه وأهوائه وانفعالاته وقواه وغرائزه الجامحة، وبالذات المطلقة الجاذبة بكمالها التام وبهائها الغامر؟
سؤال الذات في الفصل الأول، "سؤال الذات"، يقول المصباحي إن الذات العربية تعيش محنةً مركبةً: "عقلها مقيد، وحريتها مطوقة، وجسدها ممتهن، وولاؤها موزع بكيفية تراجيدية بين قطبي التراث والمعاصرة". والخروج من محنة الذات يشترط الوعي بأن سؤال الذات هو سؤال الحرية؛ فالذات هي خلاصة الاختيارات الحرة الصادرة عن التزام ومعاناة وقلق وصراع مع نفسها أولًا، ومع الآخر ثانيًا، ومع الإكراهات والالتزامات التي تحيط بها ثالثًا.
يبحث المصباحي في الفصل الثاني، "تقابل الرؤيتين الفلسفية والصوفية للذات - ابن باجة"، ويخلص إلى أن نقد ابن باجة طريقَ المتصوفة كان موجَّهًا نحو غايتين: أولى تتعلق بانعكاس التصوف على العلوم والصناعات والتدابير الخُلقية والسياسية؛ أي انعكاس العرفان الصوفي على المدينة، وثانية تتعلق بمستوى الأثر الذي تحدثه الإدراكات في الواصل بين التجربتين الصوفية والفلسفية. ويضيف: "اعتبر ابن باجة فعل التصوف أقل مرتبةً من فعل الفلسفة، لأن غايته تقتصر على تحصيل الالتذاذ الحسّي والوجد القلبي، لا الوقوف على السعادة العقلية. وهذا معناه أن التصوف، على الرغم من إلحاحه على إماتة الجسم والتنكيل برغباته وانفعالاته، يبقى في نظر ابن باجة أوثق ارتباطًا بالجسم منه بالعقل".
ويسأل المصباحي في الفصل الثالث، "المواطنة الفلسفية للمتوحدين - ابن باجة": هل يحتاج الفرد إلى الدولة (العامة) من أجل تحقيق غايته وسعادته الخاصة؟ هل يحقق المتوحد سعادته بوصفه جزءًا من الدولة، أي مواطنًا كامل المواطنة بما تقتضيه من القيام بالواجبات نحو المدينة، أم تكمن سعادته في الاغتراب عنها والإعراض عن المجتمع بكل ما يوجبه من مسؤولياتٍ مدنيةٍ وخُلقية؟ ويصل المصباحي إلى أن لا وطن للفيلسوف، "فوطن الفيلسوف هو الذي يوفر له شروط النظر العقلي، إنه وطن العلم والعلماء أينما كان، ومتى وُجد، فإنه وطن غير محدود بالزمان والمكان".
وفي الفصل الرابع، "من اللاذات إلى ما بعد الذات - ابن طفيل"، يستشفّ المصباحي أنّ غاية ابن طفيل من "حي بن يقظان" أن يطيح التعريفين الفلسفيين الشهيرين للإنسان بأنه حيوان ناطق وأنه مدني بالطبع، مقوضًا التعريف الأول بإنكاره أن يشكّل البدن إحدى حقيقتي الذات البشرية وهي الحياة؛ وبرفضه أن يمثّل العقلُ الحقيقة الأخرى للذات البشرية، وهي العلم النظري. ونَسَف التعريف الثاني، الإنسان مدني بالطبع بالهجوم على المدينة، أي على السياسة، لعدم تجاوب أهلها وقادتها معه وعجزه عن إصلاحها. وهكذا يكون قد أثبت أنّ الإنسان ليس مدنيًا بالطبع.
عقل ووجود وعمران ويرى المصباحي في الفصل الخامس، "التصوف باعتباره تجربةً للتحول من الأنا إلى اللاأنا"، أنّ التصوف يَعُدّ معرفةَ الأنا الطريقَ نحو معرفة الحق، مستثمرًا في ذلك القول المأثور "من عرَف نفسه فقد عرف ربّه". لكن الجدل الصوفي يقلب العلاقة السببية بين إدراك النفس وإدراك الله، لتصبح: من لا يعرف الله لا يعرف نفسه، أو لو لم يعرف الإنسان الله، لما عَرف نفسه. فالتصوف تجربة ما بعد معرفية، ليس لأنها تطلب مزيدًا من الحيرة كي تزداد معرفةً وعرفانًا فحسب، لكن لأنها قائمة على فناء الأنا في الحق.
في الفصل السادس، "تحولات الذات العمرانية – ابن خلدون"، يقول المؤلف إنّ ابن خلدون أنشأ علم العمران ليجعله رؤيةً بديلةً عن الرؤى الفلسفية للعالَم التي كانت سائدةً آنذاك، "وكانت هذه الرؤية وراء إضفاء دلالات جديدة على المفاهيم التي استعارها من الفلاسفة والعلماء جعلتها تتحول مفاهيم جديدة". وجاء اكتشافه مدويًا وهائلًا، مثله مثل ديكارت الذي جاء في نهاية القرون الوسطى، ونيتشه في نهاية المثالية الألمانية، وهايدغر في نهاية الميتافيزيقا الغربية، ودريدا في نهاية الحداثة، والتأويلية في نهاية العقل والأنطولوجيا، "لكن الفرق بين هؤلاء وابن خلدون أنّ هذا الأخير جاء في نهاية لا تتطلع إلى بدايةٍ جديدة، بينما جاء إعلان كل من ديكارت ونيتشه وهايدغر ودريدا وغادامير لنهاياتهم مع مطالع فجر جديد".
وفي الفصل السابع، "العقل والوجود عند ابن خلدون"، يقول المصباحي إن العقل البشري عند ابن خلدون ليس جوهرًا متعاليًا، إنما فعل مشروط بجملةٍ من الشروط المتضاربة كالجسد والنفس والتاريخ والعمران والغيب والبداوة والحضارة والملكات والمكتسبات والكشوف. وإذا كان ابن خلدون يعترف بقدرة العقل العادلة على معرفة الطبيعة، فإنه كان يشكّك في أن تكون تلك المعرفة متطابقةً مع الوجود كما هو، لأنه غير قادر على الإحاطة بأسباب الوجود وأطواره كلها.
أما في الفصل الثامن، "إشكالية موضوع علم العمران عند ابن خلدون"، فيستخلص المؤلف أنّ دلالة الترخيص الذي أفتى به ابن خلدون لإثبات موضوع علم العمران من داخل علم العمران نفسه "كانت من أجل إثبات أن لا علاقة عضوية لهذا العلم بغيره، لا بالعلوم العقلية ولا بالعلوم الشرعية. فقد أراد لعلمه أن يكون حديثًا كلّ الحداثة فأخرجه من نظامي العلوم الشرعية والعلوم الفلسفية. وهذا ما حمله على أن يخوض معركةً مزدوجةً لإثبات مشروعية علمه واستقلاله عن نظامي العلوم الشرعية والعلوم العقلية معًا".
حق وعقل وإيمان يجتهد المصباحي في الفصل التاسع، "معاني الحق لدى الغزالي"، لف...