أخرجت قلبي، وطويته خمس طيات، ثم قدمته إليها، تناولته مني، أطبقت عليه، لم تفتح الورقة المستسلمة لقدرها لتقرأ ما فيها، فقط نظرت إليها باستهانة كأنها لا شيء، ثم ألقت بها إلى السيارات المسرعة. آخر الليل عدت بصدر فارغ، كلما نقرت عليه أصدر أصوات فقد وحنين، وبكاء يأتي من عالم بعيد، كنت أسمع صوت رياح تعبر صدري، فأشعر بالبرد والوحشة والخوف. كلما مرت السيارات فوق الورقة التائهة التي ضلت طريق عودتها، كانت الحروف تتطاير منها بين العجلات، حتى تجمعت على جانب الطريق تتألم، تبعتها في طريقها إلى بيتها، صعدت وراءها الدرج، حاصرتها، كانت كلما وضعت رأسها فوق وسادتها كل مساء تلتف الكلمات حولها، فتشعر بدوار يحرمها النوم، لم تفد العقاقير التي أوصى بها الأطباء، فظلت لسنوات مؤرقة في شباك مفتوح على مدينة غائمة. ............................................ المجموعة القصصية الأولى للشاعر محمود فهمي صدر له أربع دواوين عامية وديوان فصحى حاصل مؤخرًا على جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة .
اللغة شاعرية تليق بالحس الفريد بالوحدة في هذه النصوص، تأثرت في العديد منها، وبكيت أيضاً، يبدأ الكاتب قصصه وينهيها مع كافكا، بكل ما يحمله ذلك من إحساس بالوحدة والاختلاف والعزلة.
في مجموعته القصصيّة الأولي »حدث في الشتاء الماضي» والصادرة مؤخرًا عن دار الرواق يقدّم »محمود فهمي» عالمًا حكائيًا شديد الخصوصيّة، يسعي من خلاله إلي عكس عدد من حالات الاغتراب التي يعيشها الإنسان في عالم اليوم، ولعله من الغني عن الذكر أن مشاعر الاغتراب والوحدة تلك غدت سمة من سمات القص والكتابة، يعكسها ويعبّر عنها عدد من الكتّاب بل والأعمال الدرامية والسينمائية في أحيان كثيرة. يقدّم »محمود فهمي» في هذه المجموعة اثنين وعشرين نصًا قصصيًا تدور في أغلبها حول عوالم الوحدة والفقد، وضياع الجدوي، والمحاولات المتعثّرة طوال الوقت للحصول علي أبسط حقوق الحياة كاللعب والحب والصداقة مثلاً، بل تغيب االروحب ويصعب استعادتها. من بين الأشياء الكثيرة التي يعج بها المكان عثرت علي روحي القديمة، روحي التي تشبه فراشة بيضاء، كالفراشات التي طاردتها كثيرًا في الحقول المحيطة بمنزلنا القديم، الحقول التي ستتحوّل بعد سنواتٍ إلي بناياتٍ خرسانيّة متلاصقة، نظرت إلي روحي التي ينبعث النور من أجنحتها، بُحتُ إليها صامتًا بافتقادي لها، بغربتي عنّي منذ غادرتني، لا أذكر متي، لا أعرف متي ضاعت منّي، ربمّا سقطت مني ذات حزنٍ فوق رصيفٍ بارد، ربما عثر عليها أحدهم وأتي بها إلي هنا، انسابت الدموع فوق خدي، شعرت بكفها الناعمة تمر فوق وجهي وتكفكف دموعي، عندما أمسكت بالفراشة البيضاء ومدّت إليّ كفيها خرج النور من أجنحتها فشعرت به متسللاً صدري، عندها فر طائرُ أسود من بين ضلوعي، رأيته يعلو مرتعدًا ليختفي خلف النهايات البعيدة. تتخفف لغة »محمود فهمي» في القصص من شاعريتها، ليحل محلها شاعريّة الحالة والموقف، فهو لايقدم حالاتٍ قصصية واقعية بسيطة، وإنما يعمد في كل قصة علي أن يقدّم حالة شاعريةً بامتياز لا تلبث أن تتملّك القارئ أثناء قراءة العمل، وربما لهذا لا يعتمد علي شخصياتٍ متعددة في قصصه، فأغلب القصص تنهض علي بطلٍ واحد (وربما بطله) ويأتي الآخرون دومًا علي الهامش وفي الخلفية يكون حضورهم غير ذي أثرٍ كبير، حتي مع إذا كانوا أقرباء عاطفيًا أو أسريًا. »مثلما اختفت الأراضي الفضاء التي كانوا ينصبون ألعابهم فيها اختفوا ولم يعودوا للظهور مرة أخري، تمر السنوات وننتظر قدومهم فلا يأتون، ازدادت العمارات ارتفاعًا، وأصبحت البهجة شحيحة، اختنقت بين العمارات المرتفعة والشوارع المزدحمة بالمارّة والسيارات وأبواق الباعة الجائلين، علا الضجيج والحجرات التي كانت مغمورة بالشمس صارت تغرق في العتمة والرطوبة، غاب الضوء والدف والبهجة، وحلّت محلها العتمة والبرد والضجر! يصعد »الفرد» الوحيد الضائع الغائب،ليمثّل حالة عامة تدور حولها قصص المجموعة، ونلاحظ في كل قصص المجموعة أن البطل يفتقد حضور أي شخصٍ واقعي يؤنس وحدته ـ علي الأقل ـ فلا يكون الحل إلا من خلال خروج »بطلة الفيلم» مثلاً في (مشهد ثابت) التي تخرج لتعتني به بعد أن ذهب في النوم، فترتب ملابسه وتلمع له حذاءه، وتعود مسرعةً لتواصل دورها في الفيلم، أو يلجأ البطل إلي حوار حميمٍ مع »كافكا» في »عشاء مع صديق قديم»، كما لم يكن غريبًا أن يلجأ الكاتب إلي أنسنة الأشياء، فثم شعورٌ عام مسيطر بالاغتراب، لذا يجد البطل نفسه أسير »حقيبته السوداء»، وتشتكي له »الوسادة» من »الكوابيس» التي تنتقل إلي جاره بعد أن يعلق الوسادة علي الشرفة حتي يتخلّص مما علق بها، وينزعج هو والناس من حوله من »جرس إنذار» لا يتوقف لسيارة، في أخبار الأدب http://adab.akhbarelyom.com/newdetail...
أكثر ما أعجبني في هذه المجموعة .. الخيال الخيال هو البطل الأول هنا مع بداية فتحك لغلاف المجموعة حتى إغلاقك له مجموعة تتناول أجواء الوحدة بشكل مختلف في 22 قصة قصيرة ممتعة للغاية تتغلف بجو التشويق والغموض .. تتميز بالنهايات المفتوحة إلى حد ما رغم شعورك لأول وهلة أن أجواء القصص متشابهة إلى حد كبير إلا أنك بعد ما ستنتهي من الكتاب ستفتحه مرة أخرى لتعيد قراءته ستشعر بالألفة والدفء مع المجموعة وأبطالها رغم وحدتهم وبردهم
تكرار مفردات الأرصفة والنوم والحلم أصابني بالفتور بشكل قليل المجموعة في مجملها جميلة .. وخفيفة جدا وقريبة من القلب