يأتى هذا الكتاب كمحاولة أولية لتحرير السيرة النبوية الشريفة من أيدى وتصورات الجماعات الدينية المتطرفة والتى حاولت سرقة سيرة النبى الأكرم وتشويهها خلال عقد من هذا الزمن، فوظفت بعض الأحداث لحسابها دون استجلاء دقيق النصوص وجمع للأدلة أو فهم للسياقات والقرائن والأسباب أو تنزيه للنبى.
واستهانت بالمقاصد الشرعية واستدعت واقع النبى وأحداث سيرته لتبرير واقع تنظيها المأزوم فى تعاملها مع المجتمع فى قياس مزيف ومشابهة باطلة، فزعمت أننا فى جاهلية، وعلينا الهجرة لإقامة الدولة! وأدخلت مسائل الفقه فى دوائر العقيدة! وحملت الأوامر الرتبطة بالعادات على الوجوب! وخلطت بين المطلق والعام! وبين تناول أحاديث الأحكام وتناول أحداث السيرة! ولم تفرق بين المسائل والقضايا! فقدموا قياسات مزيفة ومشابهات باطلة لأحداث السيرة النبوية مع ترويج سريع لذلك بين صفوف المة لما امتلكوه من ماكينة إعلامية ودعائية.
يعُج الكتاب بمجموعة من المفاجآت والاكتشافات والنتائج التي توصل إليها ثلاثة من النابهين الباحثين الشباب عبر بحث وتنقيب واستنتاج وتتبع لسياقات وروايات ومصادر السيرة النبوية الشريفة في محاولة لإبراز الوجه النقي والحقيقي للسيرة بعيداً عن تشوهات الجماعات الدينية المتطرفة، يقع الكتاب في حوالي مائتي صفحة، ويناقش أسئلة شائكة وصلت الي ما يقرب من خمسة وعشرين سؤال استنبطها الباحثون من عملية عقلية مقارنة بين الأصول الأولي للسيرة النبوية وبين الكتابات الحديثة والخطابات والأفكار التي زرعتها الجماعات الدينية عبر مؤلفاتهم ورجالهم وأنصارهم خلال هذا العقد الأخير من الزمن، وتمكن الباحثون من صياغة تلكم الإشكاليات في صورة أسئلة من قبيل: لماذا نتكلم في السيرة النبوية؟ كيف تكون أحوال المسلم بالنسبة الي أسوة النبي الحسنة؟ هل السيرة مقاصدية أو أحداث يومية للنبي أي هل السيرة تاريخ أو مصدر اقتداء واهتداء؟ أيهما الضروري: قيم السيرة أو أحداثها؟ السرد التاريخي أو أخلاق النبوة أو كليهما؟ ما الأصل بالنسبة الي النبي أهو المجتمع أو الدولة؟ هل يمكن أن تكون السلطة مدخلاً لإصلاح التدين؟ هل أنفق النبي وقته كله في القتال؟ هل القتال هو الأصل أو الاستثناء؟ وكيف قضي النبي وقته إذا كان القتال دفاعي واستثناء لرد العدوان؟ هل كان للنبي تنظيم ديني وسياسي مغلق في مكة المكرمة؟ هل وجدت فترة سرية وأخري جهرية كما هو مشاع في كتابات السيرة؟ وينتهي الكتاب بطرح سؤال جوهري حول فائدة الدين لنا كبشر في حياتنا. والكتاب إجمالاً يحمل مبادرة قوية وبداية هامة لرد علوم السيرة النبوية الي أصولها الأولي بفهم سليم ومنهج علمي متوازن ومتواتر عبر تاريخ المسلمين قبل ظهور الجماعات الدينية التنظيمية في هذا القرن الأخير. يري الباحثون أن القراءة العسكرية والسياسية طغت في رؤية الجماعات الدينية لشخص النبي وللسيرة النبوية رغم أن القتال والغزوات كانت "دفاعية" و"استثنائية" فإذا تتبعنا كل غزوات النبي نجد المنهج الذي يتلخص في ضيق وقت الغزوةوعدم استفحالها ذلك أن الحرص علي الأرواح والممتلكات أمر أساسي فضلا عن إجبار الخصم والتضييق عليه ليقبل بالسلام والعيش المشترك.فمجموع سنوات رسالة النبي 23 سنة منهم سنة و5 شهور تقريبا قضاها في ذلك، أي 7% من سيرة النبي في القتال بينما قضي 93% في البناء والتنمية والتزكية والخير والدعوة، وبالتالي يتضح أنهم عطلوا رصيد ضخم من الأخلاق والقيم والروحانيات فأين ذلك من تدويناتهم؟ وأين ذلك من تشكيل وعي عموم المسلمين؟كما ركزتتلكم الكتابات علي أنه عليه السلام كان يسعي الي تأسيس "دولة" أو "سلطة سياسية" أو ..الخ مما يرد في كتب البعض، بتعميمات مخلة فبعض كتابات التنظيميين المعاصرة تحاول أن تقتبس من المؤلفات التراثية المتخصصة في ما يسمي ب"الأدب السلطاني" أو السياسة الشرعية ويغيب عنها أننا لا نعيش في دولة الخلافة. ومن ثم أدي ذلك الأمر الي "مركزية" فكرة الدولة أو السلطة، و"هامشية" المجتمع والفرد، فغالي كثيرين - كتابةً وبحثاً وسلوكاً –عند كتابة السيرة النبوية في ضرورة تشكيل تنظيم ما في المجتمع، والعزلة عنه ومفاصلته وكأنه مجتمع مشرك وكافر! ثم محاولة اعتلاء الدولة والسيطرة عليها بقياس فاسد باطل علي عهد الرسول، وإنكارا للواقع المعاصر. لكن المتتبع لسيرة النبي الأعظم يجد أن الفرد وبناءه ومن ثم المجتمع كان "المركز"، وأن "السلطة" أو "الحكم" كانت الهامش، وتحصيل حاصل يأتي أو لا يأتي لا ضير، فسلطة القلوب أقوي من سيطرة الرقاب، وفتح القلوب أهم من غزو البلدان. يؤكد الكتاب علي أن الخطيئة الأخري للجماعات الدينية المتطرفة هي اختزال السيرة النبوية في عقول الناشئة بإنشاء مدينة ثانية علي غرار مدينة الرسول بحيث أن تلك الجماعات السياسية الدينيةتريد العيش في العشر سنين الأخيرة من حياة النبي! فتتنكر لواقعها وتسعي للبطش بالمسلمين وتبدأ في تقسيم الناس من مع تنظيمهم ومن ضد تنظيمهم متناسين أنهم في مجتمع مسلم ومؤمن! ويري مؤلفوا الكتاب أنتلك الجماعات غيبت البعد الروحاني والنفسي للسيرة النبوية فرغم وجود كتابات تاريخية مهمة تمثل رصيد معرفي ومخزون روحاني وأخلاقي للمسلمين في كتابات أهل التصوف والعرفان إلا أن تلكُم الكتابات تم تجنيبها أو إزاحتها أو التهجم عليها لصالح كتابات تركز علي ما يسمي بالبُعد الحركي أو الجهادي في السيرة النبوية. فأحوال المسلم مجموعة في قول الله تعالي (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ولن تخرج عن أربعة أحوال كما ذكر الأمير عبد القادر الجزائري، الأولي بالنظر الي معاملة الحق لرسولهوالثانية: بالنظر الي معاملته لربه، والثالثة: بالنظر الي معاملة الخلق لهوالرابعة: بالنظر الي معاملته للخلق من محبتهم وإرادة الخير لهم.
ومن ثم كانت المُخرجات لغياب البعد الروحاني مُسلم مُشوه داخلياً، كاره لمجتمعه، يهتم بالقشور، سريع العنف والغضب، سطحي التفكير، وغير مُشبع نفسياً بقين الإيمان بل ويُشيع حالة من حالات الانقطاع التاريخي مع السيرة النبوية، يرتبط بالمظاهر والشكليات يبدأ بها وينتهي إليها. فترى بعض الكتابات والبحوث تُحرم وتُجر...