أحيانًا عندما تقرأ مثل هذه الأطروحات عن مناهج الحداثيين، التى تُخضع الشرع لهيمنة العلوم الغربية كالهرمنيوطيقا ، تسأل نفسك لماذا لا ينبذ الحداثيون الشرع جملة وتفصيلًا بدلًا من هذه المحاولة التي وصفها العلماني العتيد الغيور على علمانيته عادل ضاهر في كتابه الأسس الفلسفية للعلمانية بأنها " تراجع للفكر العلماني "، ويصف الحداثيين بأنهم " يقدمون أكبر التنازلات للحركات المناوئة للعلمانية " .
ربما الإجابة عن هذه السؤال له تعلق بقوة وهمينة الإسلام في مجتمعاتنا وصعوبة مجابهته صراحة، ومن هنا فإن هذه الدراسة -على لطيف حجمها- كاشفة عن جانب من جوانب الأخطاء الفادحة للفكر الحداثي يرتكبها أثناء عمليته التوفيقية تلك ، ألا وهي " ظاهرة إهدار السياق " .
يرصد الكتاب ركائز إهدار السياق فيحصرها في " الهرمنيوطيقا الغربية " و " مقاصد الشريعة الإسلامية ". والحقيقة أن القراءة الهرمنيوطيقية تنتهي إلى تاريخية النص، وهو ما عبّر عنه محمد الطالبي الحداثي التونسي بالقراءة السهمية، أي عدم الوقوف عند الحكم الآني الذي أعطته النصوص يوم نزولها، هذه المنهجية يقول عنها المؤلف تؤول في النهاية إلى نتيجة كلية تقول بأن جوهر الشريعة هو العلمانية، وقد عبّر عن هذا المعنى أيضًا حسن حنفي ونصر أبو زيد .
أما مقاصد الشريعة فقد استغلها الحداثيون في رأيي استغلالًا خطيرًا، فهي عندهم مقاصد عامة لا تهتم بالوسائل الموصلة لهذه المقاصد، ومن هنا كانت حملة الحداثيين الشعواء على علم الأصول وعلى الإمام الشافعي الذي اتهمه نصر أبو زيد بأنه يُكرّس لأيديولوجيا سلطة النصوص، ويكرر أن النصوص في ذاتها لا تملك أي سلطة؛ ولذلك يجعل المؤلف هنا في براعة حقيقية مآلات الموقف الحداثي من السياق تتمحور حول : " النزاع في سلطة النص الشرعي " و " القول بنسبية النصوص" و " نزع القداسة عن النص الشرعي " = وهي أمور تناولها المؤلف في شيء من الإيحاز، لكن يمكن مطالعتها تفصيليًا لمن أراد التوسع بقراءة دراسة خالد السيف عن نظرية التأويل الحديثة .
إذن فكرة إهدار السياق كما يرصدها الكتاب ناتجة عن فساد منهجهم ابتداءً، مثل إغراقهم في توظيف السياق الاجتماعي والمبالغة فيها كأسباب النزول مثلًا، دون ملاحظة المسالك المنهجية لإعمال هذا النوع من السياق كما يقول الكتاب، وكنا قد عرضنا من قبل مراجعة لدراسة تناولت هذا الأمر تفصيليًا للدكتور أحمد قوشتي عن التوظيف العلماني لأسباب النزول .
على كل حال لا يكتفى هذا الكتاب- اللطيف متنًا وحجمًا- برصد ظاهرة إهدار الحداثيين للسياق وفقط، بل هو يقدّم نقدًا سديدًا لهذه الظاهرة في شكل مآخذ منهجية عامة ومآخذ منهجية تفصيلية، بما يوضح كيف أن الحداثيين تجاوزوا كل الضوابط المنهجية التي تواضع عليها الأصوليون .
الكتاب يستحق خمس نجوم، ويُعَدُّ لبنة لدراسات أوسع في هذا المجال .
أطروحات جيدة , ولكن يحتاج الى فهم مسبق في علم الأصول لان الكاتب يفترض علمك المسبق ببعض القواعد التي قررها الأصوليون مثل : قرائن السياق , وهي القيود التي تدل على السياق