"إن ما كتبته جزء من كل لأن مأساة الشعب العربي في عُمان اكبر من ان يعبر عنها قلم مها بلغ هذا القلم من القدرة على التعبير" -مصطفى، عوني
(سلطنة الظلام في مسقط وعمان) سلطنة الظلام اسم مناسب جداً لوصف تلك الفترة من التاريخ، هي فعلاً ظلام ظلام… كتاب يعيدك إلى الفترة الماضية من تاريخ عمان، التاريخ ما قبل النهضة المكتوم المنسي إلا من قصص الأجداد المذكورة تذكيراً لنا بحظنا للعيش في عالم اليوم. القمع والعنف والاضطهاد، الجوع والفقر كل هذا شكل صفحة في تاريخ الشعب العماني يوثقها مصطفى عوني في كتابه عن عُمان، مصطفى عوني قد طرد من عمان بعد كتابة هذا الكتاب وتلك الأسطر التي فضحت كل واقع وكل معاناة تجرعها الشعب وصارت في حقه.
الكتاب مقسم إلى بابين، الباب الأول: وقائع واحداث وفيها يصف الكاتب الوضع العام في عمان إجتماعياً اقتصادياً سياسياً تعليمياً كان، وقد وثق التقسيم الطبقي للمجتمع وذكر معلومات حول سيطرة الانجليز والهنود ومحاولة مسخ الهوية العربية للمجتمع العماني وإحباط عزيمته وتفقيره وقمعه بأبشع الطرق والأساليب الممكنة. العلم ممنوع ومحرم والمجتمع يعيش في غياهيب الجهل والظلامية والفقر صار أساس مجتمع، معاناة تتبرأ من كل سلطة وظلم وجور، الجيش -الغير عربي- والسجن الذي سلط على العمانيين حتى يجردهم من أدنى إنسانيتهم وحقوقهم، والسلطان اللامبالي بوضع الشعب وحالة، مؤلم مؤلم كل ما قرأتة!. أما الباب الثاني: حكايات من مسقط وعمان، ويبدو أن الكاتب فيه حاول التخفيف من احزان وقائع الباب الأول من خلال ذكر بعض الطرائف الكوميدية التي هي ليست إلا كوميديا سوداء حزينة عن فقر الشعب أو جهله واستعباده.
الكتاب مسني جداً لكوني عمانية ومستني ايضاً كل تلك المشاعر الصادقة التي يملكها الكاتب حول عمان، إذا أنه استمر في التذكير مرات لا محدودة حول الشعب العماني وعزيمته واصراره وعن الثائرين في الجبل الأخضر والفقراء المساكين الذي يكتفون باللعن في صدروهم، ماذا اقول بعد؟ فترة وولت في التاريخ العماني، لكنها كانت حجراً أعاق تقدمنا لفترة ليست بالقليلة وكل تلك الاحداث معلومة لا أعيد ذكرها في التقييم، ولكني استشعر هذا التاريخ ومرارته حتى اليوم، ومن حق بل واجب كل عماني إدراك هذا التاريخ مهما حظرت الكتب وخرست الأفواه.
في الحقيقة لست متأكدة من صحة كل ما ذكر في الكتاب، ولا أعلم كيف وصل ليدي بالضبط . لكن أيا كان ، ألف تحية لسلطنة عمان متشوقة جدا للإطلاع على تاريخها ولدي من الفضول ما يدغدغني وأعرف أنه لن يستكين حتى أشبعت . أن أكون ابنة لبلد شبع من الظلم والعسف والفوضى حتى تُخم فهذا يعني أن الاطلاع على تحارب دول أخرى سواء كانت إيجابية أو سلبية سيكون أمرا لا بد من الوقوف قليلا عليه . استوقفني في هذا الكتاب حجم الظلم والعنصرية والتعسف الحاصل على المواطنين، والغباء والديكتاتوريية والأنانية في الحكام والولاة والسلطان حسب الكتاب فإنه في زمن الاستعمار البريطاني كانت لا توجد غير مدرستين فقط في كافة أنحاء السلطنة، وأنه في إحدى السنوات الدراسية لم يكن هناك غير 8 طلبة مقيدين في الصف السادس ابتدائي . هذا غير ما ورد فيه عن التزمت الديني والانحطاط الأخلاقي وانتشار الرذيلة أما عن الزراعة والصناعة والإنتاج فلم يكن هناك. أشياء تذكر ،. اليوم السلطنة من أكثر الدول الشرق الأوسط استقرارا ، هذا غير التطور الملحوظ في التعليم والاقتصاد وغيرها ، إضافة لعدم سماعنا عن أي صراعات داخلية بالسلطنة رغم تعدد المذاهب الدينية بها . أخيرا ، أحب الكتب التي تثير فضولي للبحث والاطلاع جدا ، وهذا الكتاب أثار فضولي بشكل كبير .
كتب "عوني مصطفى" في مقدمة الكتاب: "يعيش وطننا العربي اليوم معركة وثورة ... معركة في سبيل الحرية والعزة والكرامة، وثورة على الاستعمار والرجعية والتخلف... ولكن هنالك بقعاً في الوطن العربي ما زالت غارقة في الظلام، ظلام يحتاج إلى طاقة هائلة من الوعي، وتيار عارم من الثورة، وضمير للبشرية واع حتى يستطيع لمس المأساة في سـلطنة مسقط وعمان... حيث تسيطر جميع وسائل قتل الإنسانية في الإنسان... فهل تراه يسمع الضمير العالمي؟ هل تراها تتحرك الدول العربية لتمد يد المون لإخوان لنا يعيشون في ظلام مقبرة الأحياء؟ ما زال إيماني بالعروبة مقدسًَا... وما زالت ثقتي بالضمير العالمي ثقة حر بالأحرار... وما زال الشعب العربي في مسقط وعمان ينتظر، عسى أن يسمع صوت مغيث..."
عندما نستحضر صورة عمان قبل عام 1970م، نجد أن المشهد يبدو ضبابيًا، تكتنفه مبالغات الذاكرة الشفهية، وأساطير وخرافات المخيال الشعبي. ومع ذلك، فهناك ما هو ثابت ومؤكد، مما رأيته بعيني وسمعته بأذني: كانت الأوضاع مأساوية إلى أقصى الحدود، حياة تعيدك قرونًا إلى الوراء، إلى عصر ما قبل الإسلام؛ فقر مدقع، جهل مستشرٍ، أمراض فتاكة، قذارة، وغياب شبه كامل لمقومات الحياة. لا أسواق منظمة، ولا محلات تجارية، لا مطاعم، لا مستشفيات، لا مدارس أو جامعات، وأمان مفقود، وبيوت بدائية تفتقر إلى أبسط معايير البناء والتأثيث. أما المواطن العماني فكان خاضعًا لسلطة الولاء والشيوخ والإقطاعيين، الذين كانوا بدورهم في صراعات قبلية لا تنتهي فيما بينهم.
هذه المعيشة القاسية دفعت إلى ما عرف بـ"الشتات العماني"، حيث هاجر الكثيرون إلى دول الخليج أو دول عربية أخرى بحثًا عن حياة كريمة مفقودة في الوطن. ويجدر التذكير بأن النظرة السائدة للعماني في ذلك الوقت لم تكن تختلف كثيرًا عن النظرة إلى العمالة المستقدمة من الدول الآسيوية النامية، وهو ما أضفى مزيدًا من الإذلال على واقع المواطن.
ومع كل ذلك، كان هناك إجماع مطلق على رفض الوجود البريطاني الإمبريالي، واعتباره استعمارًا مقيتًا. ومن رحم هذه الظروف القاسية، انبثقت ثورة الجبل الأخضر، ولاحقًا ثورة ظفار.
الكتاب الذي نناقشه هنا يقدم بانوراما دقيقة، أقرب إلى العمل الاستخباراتي، عن الواقع الاجتماعي والسياسي في عمان قبل النهضة. ينقسم إلى بابين رئيسيين:
1. وقائع وحقائق يتناول قضايا تمس جوهر الوجع العماني: التعليم، الاقتصاد، الزراعة، الأخلاق، الحكم المحلي، العادات والتقاليد، وغيرها. ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا القسم، الإشارة إلى التهديد الوجودي للهوية العربية/العمانية في ظل سيطرة قوميات وأعراق أجنبية على مفاصل الدولة، بتواطؤ مباشر من القنصلية البريطانية في مسقط، التي كانت الآمر الناهي وتتحكم في الثروات العمانية لصالح غير العمانيين. فعلى سبيل المثال، كان التجار الهنود المعروفون بـ"البانيان" يسيطرون على الأسواق ويتحكمون في حركة السلع الداخلة والخارجة، بينما بنى اللواتيون مدينة متحضرة داخل سورهم المعروف، لا يسمح لأي شخص من خارج مجتمعهم بدخوله، أو مشاركتهم أنشطتهم التجارية ومحافلهم الدينية.
2. حكايات من مسقط وعمان يأخذنا الكاتب هنا في جولة قصصية مشبعة بالكوميديا السوداء، ومطعمة بروح الأدب اللامعقول، ليتهكم بذكاء على استبداد السلطة وأعوانها تحت الوصاية البريطانية. الحكايات المروية تكشف بمرارة وضعًا عبثيًا فاضحًا، وتستحضر لنا الثيمات الكافكاوية المؤسلبة، من قبيل سجن المواطن بلا تهمة، والمحاكمة دون أيما سبب، والإهانة بالضرب والجلد لإمتاع المتنفذين أو إشباع نزواتهم.
في النهاية، يمكن القول إن هذا الكتاب يستحق القراءة بلا شك، إذ يميط اللثام عن مرحلة حساسة ومغيبة من التاريخ العماني، ويقدم شهادة حية على معاناة الإنسان العماني، ونضاله من أجل استعادة كرامته وحقوقه.