لقد كان كانط صانع ألفاظ أساسية، صانع مصطلحات وحدود ومفاهيم متألق، صانع تلقائي، إلاّ أنّ ذلك التألق، وكذلك الروح النقدي المتثوب عطاءًا، ما جاء برغبة نفسية تتقصد إثبات الذات على نحو شخصي منغلق، بل بوازع معرفي فلسفي حقيقي يتقصّد إحداث قطيعة معرفية كان مرادها التوقف عند جملة من المفاهيم المصطلحية المهيمنة على التفكّر الفلسفي، ومن ثمّ الاستئناف. استئناف النّظر فيها لرفد مسارات ذلك التفكّر الحيوي بالجديد النقدي الخلاق إبداعاً، وذلك هو جانب من مناوبة الفيلسوف التنويري الذي يقف عند أطلال المعارف والبناءات والكلمات والمعاني والمفاهيم الفلسفية الأساسية ليعيد ويستأنف قولها من جديد بغية الحفاظ على ديمومة الفكر الفلسفي الخلاق، وحيوية دفق التفكّر الفلسفي المعطاء.
يعيد النظر في الكلمات والمفاهيم ليجلي عنها ما يعطّل دورها الحقيقي في راهن حال معرفي، ويبعث فيها نبض الحيوية والنشاط والدفق والزخم الدلالي لتستأنف مهمتها المعرفية في إناء التفكّر الفلسفي ودوامه، بل في إثراء دور الفيلسوف التنويري الذي يتضلّع بالنقد أو الطريق النقدية بعيداً عن أيّة موجّهات قبلية أو قسرية أو تلك المتأتيّة عبر وصاية غيرنا علينا. وتلك هي لعمري مهمة العقل التنويري الذي رسم ملامحه كانط بعيداً عن دلالته المحضة التي ترتجع إلى مقولات ومبادئ مكتفية بذاتها متعالية على واقع ما يجرب ويحدث في الوجود الإنساني.
إنّ ما ترمي إليه فصول ومباحث هذا الكتاب إنّما هو استكشاف دروب الفيلسوف، استكشاف أساليبه في نسج جهازه المصطلحي وهو يهمّ ببناء مفاهيم ودلالات مصطلاحاته وكلماته الأساسية عبر سياقات أنظمة تفكيره وتفكُّره في سلسلة كتاباته، وفي جسديات ومعماريات ودلالات نصوصه الفلسفيّة.
كاتب وناقد وفيلسوف عراقي وأستاذ جامعي ، من مواليد الكوفة 1959م ، يحمل شهادة الدكتوراة من جامعة بغداد في العام 1997م متخصصاً في الفلسفة الألمانية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر
المؤلفات الفلسفية : الحضور والتمركز: قراءة في العقل الميتافيزيائي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2000.
لمعرفة النقدية: مدخل إلى نظرية المعرفة، دار الكندي، إربد ـ الأردن، 2001.
محنة الهوية: مسارات البناء وتحولات الرؤية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002.
العلامة.. الجسد.. الاختلاف؛ تأملات في فلسفة مارتن هيدغر ، مكتبة عدنان ، بغداد ، 2015
ما الفيلسوف؟ إنسان التنوير ومفكر صباح الغد , منشورات ضفاف ، بيروت ، 2016
" إن عام 1770 هو العام الحاسم في نشأة فكر كانط النقدي كله، والذي ظهرت فيه رسالته اللاتينية صورة و مبادئ العالم الحسي والعالم العقلي، متضمنه لنظريته في الزمان والمكان كصورتين قبليتين من صور الحساسية، كما سنراها، فيما بعد، في عمله الرئيس نقد العقل المحض، ممهدة للطريق النقدي الذي سيشغل الفلسفة الحديثة من بعده إلى يومنا هذا. كان ذاك العام عام الكشف الخطير الذي سيؤدي إلى ثورة في العلوم العقلية، تشبه الثورة التي أحدثها كوبرنيكوس في علم الفلك؛ ثورة في منهج الفكر الإنساني بدأت من نقد العقل المحض ، وامتدت إلى حميع العلوم، فهدمت صرح الميتافيزيقا السائدة في عصره، ووضعت مكانها بناء محكماً متماسكاً." —الفيلسوف المصري عبدالغفار مكاوي
الكتاب لا يبحث في سيرة كانط الشخصية، بل هو دراسة وقراءة لمفاصل فلسفته؛ في مفاهيم خطابه الفلسفي التي كان الباعث النقدي فيها جزء من خطاب فلسفي مكتنز البناء . مع الاستغوار في ذائقته اللغوية والمصطلحية في بناء المفاهيم الفلسفية ونحت رسومها وتبيان حدودها. كذا الابحار في مجاهل فلسفته التي تعنى بوجه خاص، بمعمارية العقل البشري.