ظل يوسف إدريس شاغلاً للحياة الثقافية والأدبية والسياسية ما يزيد عن الأربعة عقود من الزمان، وذلك منذ انفجرت موهبته العاصفة عام 1950، ونشر قصته الأولى "أنشودة الغرباء"، ثم توالت قصصه فيما بعد، ثم نشر مجموعته القصصية الأولى "أرخص ليالي" عام 1954، ليصبح في مقدمة صفوف كتاب القصة القصيرة بشكل مطلق في مصر والعالم العربي، ويحدث استقطاب عام، للدرجة التي أضرت كتاب الجيل الذي سبقه، وبالتالي كتاب جيله الذين أصبحوا شبه مستبعدين عن المشهد الأدبي تماماً، وساعدت العلاقات القوية بين إدريس والسلطة السياسية على تعميق وتعميم وجوده الأدبي في الثقافة المصرية والعربية والعالمية، وكرست تلك الظاهرة للكاتب الأوحد، وللكاتب الظاهرة، والكاتب الأسطورة، ودون ذلك لا شيء، ولا ظاهرة دونه، ليصبح يوسف إدريس ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ الأدبي والثقافي المصري والعربي.
كتاب أكثر من رائع يتعرض لكواليس الحياة الثقافية في مصر منذ الخمسينات حتى السبعينات وينصف العديد من كتاب القصة القصيرة أصحاب الإنتاج الأدبي الرائع الذين تواروا خلف نجومية ووهج يزسف إدريس مثل أبوالمعاطي أبو النجا وسليمان فياض وإدوارد الخراط كما يلقي الضوء على العديد من كتاب القصة القصيرة المجهولين بالنسبة لي والذين لم أجد لهم مجموعات مثل محمد يسري أحمد ومحمد سالم ومحمد صدقي وعبدالمعطي المسيري وعباس أحمد الذي وجدت له مجموعة بالأمس-من أهدافي أن اجمع مجموعة قصصية لكل من حتب مجموعة قصصية في مصر من محمد تيمور إلى يحي الطاهر عبدالله -ويفسر الكتاب سر مجومية يوسف إدريس بفرضه على الوسط الثقافي واعتباره الكاتب غير الرسمي لثورة يوليو رغم سجنه في عام ١٩٥٤ وبالطبع الكتاب لاينكر موهبة وإنجاز يوسف إدريس الأدبي بل يعترف بهذا في أكثر من موضع ولكن يلقي الضوء على جوانب مجهولة ويفتح الكتاب شهية القاريء لقراءة العديد من أعمال كتاب القصة الذين تم ذكرهم والأعمال النقدية التي تناولتها والكاتب بذل مجهود كبير وظهر بحثه الدءوب وثقافته الموسوعية
قد يوحي عنوان الكتاب أن مؤلفه الناقد الأدبي شعبان يوسف يستهدف الهجوم على الكاتب الكبير يوسف إدريس أو التقليل من شأنه ولكن المؤلف ظل يكرر في بداية كل فصل من كتابه أنه يحترم يوسف إدريس ويراه أديبا عظيما في مجال القصة القصيرة ولكن هدفه الحقيقي من هذا الكتاب هو إعادة مناقشة المسلمات التي سيطرت على حياتنا الأدبية والثقافية فقد تقبل المصريون فكرة أن يوسف إدريس هو الكاتب الأفضل للقصة القصيرة في مصر والعالم العربي وأن القصة القصيرة قبله سطحية وبعيدة عن الواقع وأنا شخصيا كنت أعتقد ذلك لفترة طويلة لأنه كان الكاتب الأكثر انتشارا والأكثر احتفاءا ولكن هذا الكتاب كشف لي حقيقة أن يوسف إدريس رغم عظمته لم يكن الكاتب الوحيد الذي يستحق الاحتفاء وأن هناك كتاب كثيرون في جيله يستحقون الاهتمام والاحتفاء ولكن الفرق بينه وبينهم هو أن أدريس كان مقربا من السلطة وكان كذلك في فترة من الفترات ممثلا التيار اليساري في مصر والذي كان في أوج نشاطه في الخمسينات أدركت أن النظام السياسي والسلطة يلعبان دورا هائلا في صعود نجم كاتب معين وتهميش كاتب آخر المدهش حسب الروايات التي قدمها الكاتب أن إدريس صدق نفسه وصار مغرورا فكان يعتقد أنه كاتب القصة الأفضل والأكثر موهبة وكان بشكل غير مباشر يقلل من قيمة معاصريه وحتى من بعض الشباب الذين قدمهم ومن بينهم يحى الطاهر عبد الله الكتاب لا يتحدث عن يوسف إدريس وحده ولكنه يخصص فصولا عديدة للحديث عن مبدعي القصة القصيرة من جيل يوسف إدريس والذين بدأوا النشر في الخمسينات ومنهم أبو المعاطي أبو النجا وإدوار الخراط وأحمد صدقي وغيرهم رغم تكرار بعض المعلومات إلا أن الكتاب يمتلىء بحكايات أدبية ممتعة ويكشف كواليس عديدة في عالم الثقافة المصرية
اذا جاز التعبير فهو الغيرة بين المبدعين وحتى العلماء شيئاً لابد من الاعتراف به في كل مكان وفي معظم الاوقات يوسف ادريس وهو رائد القصة القصيرة في العالم العربي كان مهووسا بالتقدير حتى انه تحول الى الغاء كل منافسيه في هذا الفرع من الادب بل وتعدى ذلك الى غضبه الكبير من منح جائزة نوبل للآداب لنجيب محفوظ وحاول القدح في محفوظ بان منحه الجائزة بسبب تأييده للتطبيع وانه الاحق بهامما اثر على مسيرته الأدبية ونظرة الناس له لم اكن اعرف ان يوسف ادريس كان يساريا في بداياته رغم علاقاته القوية مع الراسمالية وكذلك مؤلف الكتاب شعبان يوسف
كتاب جيد ومنصف لجيل ذهبي من كتاب القصة، وبه جهد بحثي دؤوب وإن كان لم ينجح في تناول بعض أهم كتاب ذلك الجيل فسقطت أسمائهم من الكتاب بشكل مثير للدهشة والأسف معا. لكن الكتاب يتميز أيضا بالجرأة في الاقتراب من المسكوت عنه من دور بعض الجماعات الأيدلوجية في إبراز كاتب وتهميش آخر وفقا لقرب هذا وبعد ذاك عن التيار الذي تمثله تلك الجماعات.