دارك ويب الأدب:كتابات النساء.
أتذكر عند قراءتي تقديم مي زيادة لباحثة البادية "ملك حفني ناصف"، أنني تعجبت من معظم أسماء الكاتبات اللاتي صادفتهن. وعندما بحثت عن أعمالهن لم أجد سوى مقالة أو مقالتين، وأحيانا لم يتوفر من أعمالهن إلا ترجمات إنجليزية. وأنني رغم كوني نُسوية، لم أعترف، أو لم أمِل كثيرًا لخطابهن المتوسل، المفرط في التهذيب. فرأيت أن أنبذ وجودهن بنفس الطريقة المجحفة التي اتخذها من استحوذوا على الأدب من رجال، مهما اختلف سببهم عن سببي.
لم ألقِ بالا، ولم تُلقِ المناهج الدراسية بالًا إلا لاسم أو اسمين ذُكرَا لِمامًا كنبوية موسى. دون دراسة حقيقية لجهودها. ومن ذُكر اسمها كثيرا دون نتاجها: مي زيادة. قُدمت دائما كسيدة صالون، كامرأة جميلة تجمع الرجال من حولها. كملهمة وحبيبة، ومتحدثة أنيقة. ومثيرة للخيال الأدبي الذكوري، متجاهلين تماماً مكانتها الأدبية.
منذ مدة، ذكرت لأبي أنني ألاحظ أن عدد المنتحرات من الكاتبات أكثر بكثير من الكُتَّاب، بل لا أكاد أتعرف على كاتبة حتى أجد نهايةً تعيسة لها انتهت بالجنون أو بالموت وحيدة إن لم تأخذ قرار الموت بإرادتها. ذكرتُ له وفق معرفتي الضئيلة: ڤيرچينيا وسيلڤيا بلاث ومي زيادة، وعنايات الزيات.
لألاقي هذا الكتاب صدفة، وألتهمه في جلسة واحدة.
اكتشفت أن أدب النساء بالفعل هو دارك ويب الأدب!
مثلا اكتشفت الكاتبة أليفة رفعت، والتي كتبت تحت اسم مستعار عن جنسانية النساء. لأجد عند بحثي عنها بدلا من أعمالها، رسالةً من فتاتين كويريتين من الاسكندرية باسم "بحثا عن رغبة كويرية" ، عن اكتشافهن لأليفة، وكيف أنها عبرت عن عدم انتمائهن لأجسادهن الأنثوية في رسالة بديعة فتحت فاهي إثر قراءتها. تفاجئت فعلا من تواجد مثل ذلك الاسم، ومثل ذلك الموضوع في ذلك القرن من الزمن!
في الكتاب الكثير والكثير من ضروب اضطهاد الكتاب الرجال للكاتبات، مثل طه حسين والعقاد، سلامة موسى وحتى غسان كنفاني بإقصائه تواجد النساء في المقاومة.
واكتشفت الشاعرة فريدة إلهامي، التي قدمها صلاح جاهين. من أوائل الشاعرات اللاتي كتبن بالعامية. كتبت قصيدة "نحن البنات" التي رغم بساطتها بالنسبة لزمننا، فهي رصاصة نافذة في زمنها.
"إحنا البنات
أحنا اللي شفنا الذل و
عرفنا الآهات
مالناش وجود
إحنا العدم
إحنا اتخلقنا للألم"
"آدي الرجال الغلبانين
اللي بدهاءنا بيشتكوا
دايما و عاملين مظلومين
مالهم كده متعقدين
هما اللي ذلونا و من مليون سنه
بيبيعوا فينا و يشتروا
و يوصفونا بالعبيد و انتم يا وارثين الجدود
أيام هارون بن الرشيد
عاوزين تحطونا ف قفص
و تقيدونا بالحديد
يا قلوب حديد
يا سجانين
و تعملوا لنا غلبانين
قال غلبانين !؟
ده احنا اللي دايما غلبانات
إحنا البنات."
(وفتح لي السجان الباب .. وضحك لي ..وقال لي خلاص .. مبقاش فيه حبس !! والضحكة بتكشف عن أنياب .. وعيون بتقطر خبث !! .. ازاي السجان اللي اتعود يسجن فيه ؟ يفتح لي الباب .. ويقوللي : أهه الحرية !! ازاي ده يكون ؟ ! .. وازاي يتحرر م الإحساس .. بالعار لو يهرب يوم مسجون ! .. على مين أمال يرفع السيف ؟؟ ولمين راح يسمع ولا يشوف ؟!
صرخات ..وعيون..مليانة بخوف !! )
وذكر "نازك الملائكة، ندى عبد القادر، جليلة رضا، فدوى طوقان،إيمان مرسال، نعمات البحيري، ميرال الطحاوي، عائشة التيمورية، ملك عبد العزيز، درية شفيق، سميرة أبو غزالة، وسهام صبري التي كتبت قبل رحيلها:
"وها هي عشرون عاما من العذاب ، وعشرون عاما من الصمود ، وعشرون عاما من الانتصار في آن واحد ... يا رب أنقذني .. أنقذني يا رب .. يا رب أنا لا أطلب سوى الشهادة ، فخذ روحي صباح غد قبل أن تتفتح عيناي على صباح آخر .. فخلصني يا إلهي لأن آلاما قد غرست على آلام ، وأبكي كثيرا جدا وأنت تعلم » .
يقول شعبان يوسف" هذه نماذج قليلة من حيوات نسائية كانت مفعمة بالعطاء ، ولكنها كانت كذلك مكبلة بالحيرة والمطاردة حتى الانزواء ، فنحن لا نعلم الكثير عن أشكال رحيل كاتبات أخريات"
"فلا توجد فروق جوهرية بين انتحار فرجينيا وولف في مطلع الأربعينيات ، وبين انتحار عنايات الزيات في الستينيات ، ودرية شفيق في السبعينيات ، وأروى صالح في التسعينيات ، الفروق تكمن في التفاصيل ، وفي الزمان والمكان . وبعيدا عن النهايات التي دفعت الكثيرات لقرار الانتحار ، فهناك نهايات مؤسفة لكثيرات من الكاتبات والمبدعات البارزات في الأدب والسياسة والفن ، لأن المقدمات الاجتماعية التي أحاطت بهن كانت تنطوي على أشكال من الخلل ، ثم الملابسات الاجتماعية التي حدثت في حياتهن كانت لابد أن تؤدي إلى تلك النهايات"
كتاب، تمنيت لو لم يقدَّم لي بتلك السهولة، بل تمنيت لو عرفت حياتهن جميعا بنفسي.