بسم الله مقالة جديدة #بريهان #بريهان_أحمد
#الفلسفة_السردية لـ #رُواق_البغدادية
———
منذ بدأتُ يوم 31 أغسطس في قراءة رواية رُواق البغداديَّة الحائزة على المركز الأول بجائز الشارقة للإبداع والتى تدور أحداث الرواية في خطيين متباعدين حيث الزمن الأول الحاضر القريب بظروفه التاريخية وتطوراته حيث الظهور الأول لشخصية الباحثة (ريم عبدالمنعم) خلال شرحها معالم مصر القديمة للسيدة الأولي زوجة الرئيس ذلك خلال زيارتها لأهم المناطق الأثرية بشارع المعز لدين الله الفاطمي منها إلى ظهور شخصية "حسام يسرى" الصحفي الشاب بجريدة أخبار اليوم الذى تزامن وجوده بالمكان لتغطية الخبر لنجد خلال الصفحات الأولى تصاعد الحدث الذى يشعل داخل القارئ الرغبة في استكمال الأحداث؛ ليستكشف مصير الباحثة ريم بعدما أخبرت الحضور بحقائق حول "الرواق " حيث أنه المكان الضيق الذى حبست فيه نساء,وماتت أخريات ذلًا وقهرًا وقمعًا وقتلا وتشريدًا : "... للقهر تاريخ،والتاريخ لا يسير أبدًا في خطٍ مستقيم، وإنما في حلقات دائرية... لأن المرأة تمثل الحلقة الأضعف في مجتمعنا العربي، فإن نصيبها من القهر و الاضطهاد كان مضاعفًا ..." هنا تبدء الرحلة الزمانية البعيدة للقاهرة في رجب 708هــ / يناير عام 1309 :
"... هذه الأوراق المُتفرقة تم العثور عليها خلال أعمال الترميم التى جرت بين عامي 2008 و2010 لشارع المعز لدين الله بالقاهرة الفاطمية,وهي عبارة عن جانب من يوميات لسيدة تُدعي "خوند فرح" أو "دنيا الدمشقية" حسبما جاء في بعض مواضع الأوراق, التى وُجدت مخبأة في أحد البيوت المملوكية القديمة..."
من هنا تتصاعد الأحداث ليتعلق "حسام" بقضية "ريم " بعدها "بالمرأة غريبة الأطوار" التى تظهر له بشكلٍ مستمر في أحلامه أو كلمّا حدث للوطن ثورة على الظلم والفساد,كأن ظهورها شعاع يجعل القارئ يستنتج تخمينات للرسالة التى يُريد أن يرسلها الكاتب,في الحقيقة هي رسالة تسمو بالقارئ؛لأنها تجلعه يبحث في التاريخ للتأكد من صحة الأحداث الواردة, رُغم أن هناك الكثير من الآراء التى تُفضل عدم الإتكاء على معلومات الرواية التاريخية, لكن من وجهة نظرى ليس هناك أى عضاضة للتأثر بالمعلومات الواردة في الرواية,مادامت تُثير داخل القارئ رغبة البحث في التاريخ المتروك؛بسبب كثرة الأحداث والأسماء المذكورة في كتب التاريخ بطريقةٍ جامدةٍ, لذلك يحق للمبدع إعادة التاريخ وتصويغه في قالب روائي يضمن لجمهور القراء التحفيز على الرجوع للكتاب التاريخي مرة أخرى,لأن المبدع يقدم له أدوات البحث التى تسهل عليه التركيز على تفاصيل النص والتدقيق فيها أكثر؛على سبيل المثال : تجعل القارئ يستخدم اسماء الشخصيات الواردة في التاريخ ليصوغها في شكل قصة أو حكاية تضمن تسهيل عملية القراءة في سير التاريخ.
مسألة الرواية التاريخية تجعلنا نتساءل : هل لكاتب تلك النوع من الروايات فلسفة خاصة ؟
أعرف أن تلك المسألة تخص المُبدع وحده لكن حقيقة الأمر أن رواية "رواق البغداديَّة " رواية ذات طابع خاص جدًا ؛لأنها ساقت أحداث ثورة 25 يناير عام 2011 م لتُخرج من غياهب جبّ الماضي السحيق شخصيات؛مثل: بيبرس الجاشنكير,الأمير بكتمير الساقي,والسلطان عبدالناصر بن قلاوون,والأمير علم الدين سنجير الجاولي زوج " خوند فرح " من ثُّم تظهر القضايا السياسية بصفةٍ عامة لتصف زماننا الحاضر بصفةٍ خاصة, حيث التهافت على السلطة في كل زمان ومكان, بل الجاشنكير رمز يجعل القارئ مدرك مغزى وجوده خلال الأحداث ليمنحه لقب "طاغية كل زمان" لينطلق محاولاً فك الشفرة الرمزية لشخصية " عزالدين القيسراني " حيث تمثلت فيه معنى "العدالة "الغائبة التى لم يطل وجودها أمام الظلم في كل زمان ومكان.
تعددت الاتجاهات الفلسفية والواقع المُدمج بالخيال؛ليطرح الرؤية الفلسفية خلال بنية السرد؛لينقل معاناة الشخصيات الداخلية من خلال المنولوجات (الحوارات الداخلية ) ظهرت خلال مناجاة " دنيا الدمشقية " مع الله لتصف عين حالها؛قائلة:
"... اعتدتُ مفارقة مَن أحب منذ صغري، فارقتُ وطني الذي لا أذكر اسمه، ولا يحضرني منه سوى صورٍ مشوشةٍ تجتاحُ ذاكرتي في أحايينَ مُتباعدةٍ، فارقتُ أمي وبكيتُها طويلًا وما زلتُ أبكيها، ولا أعلم مصيرها، فارقتُ زوجي، الذي انتشلني من أقبية الحريم، وجعلني أميرةً مُكرَّمةً، وها هو ذا الآن ضائعٌ مجهولُ المصير، لا أعرفُ إن كان حيًّا، أم ابتلعه الرَّدى، وفارقتُ ابني الذي لم أره، وخرج من رحمي وأنا عنه مُغيبة، اختطفه الجاشنكير فلا أدري ما فعل به، أهو الآن في باطنِ الأرض، أم في حضن امرأةٍ يلتقم ثدييْها عوضًا عن ثدي أمه الذي يحنُّ إليه كل مساء، ولا تفارقني آلامه حتى اليوم..." .
اللغة الشعرية في " رواق البغداديَّة" :
وجدتُ نفسى أمام رواية متنوعة في الوصف الزمانى والمكانى ؛لأنها اعتمدت على أحداث تاريخية اجتماعية وإنسانية,شعرت بكلِّ الأحاسيس التى تمر بها "دنيا الدمشقية" و "ورد" رفيقة الدرب التى ماتت شهيدة التضحية من أجل شقيقتها في المأساة,هنا يحاول المُبدع بكل ما أوتى من إبداع تنظيم النص وأحداثه المتوالية باللغة الشعريّة التى تُعيد لنفس القارئ الشجن ,امتلك السعيد أدواته البيانية والبلاغية لينقل للمتلقي الحالة التى يعايشها مع شخصياته في الزمن القريب والبعيد؛على سبيل المثال:
- " أن أعذبه بوجودى ربما كان ذلك هو ما أملكه من انتقام قد يكون بقاء المظلوم أقوي صفعة يتلقاها ظالمة ".
- " لكن " أنا" الحقيقي مسجونٌ بداخلي،صامتٌ،منكمشٌ في ركنٍ مُظلمٍ،يبكني أحيانًا،ويراقب مايفعله ذلك الظاهر المسيطر لكنه أعجز من أن يمنعه،وأضعف من أن يصرخ ويقول للجميع أن من يتحدث شخصٌ مدعٍّ ومنتحلٌ".
- ".. أرجوكِ تكلمي! اهربي من وادي الأموات الذى تسجنين فيه روحك،ربما كان البوْح وسيلةً عديمة القيمة أمام آلامنا الكبيرة لكنه على الأقل أفضل من الصمت .. فالألم مع الصمت موتٌ بطئ.." . .
هنا تظهر لغة الظهور الشعريّة على لسان " خوند فرح " لتثير الفضول داخل "حسام " لتجعلنا نعيش معه التجربة : " ابحثْ عني ... مثلما ظللت عمري كله أبحثُ عنك !! " هذا جل الإبداع عندما تأثرنا جملة لتخذنا إلى أخر صفحة بالرواية سواءً كانت الأحداث حقيقة أو خيال .
تظهر أيضًا الايدلوجية الفلسفية للراوى العليم للتعبير عن الحياة والمواجهة:" ربما علمتني مهنتي أن أجعل الآخرين يتكلمون ولا أتورط في إبداء موقف، لكن إدمان هذا الأمر ربما جعلني بلا موقف تقريبا، أو على الأقل أُفضل أن أحتفظ بمواقفي لنفسي... ".
.
مرة أخرى في الزمن الحاضر تظهر فلسفة ريم؛قائلة:
" - ليس كل حقيقة تُقال.
- كل الحقائق تستحق أن تُقال، إلا إذا كان قائلها أضعف من أن يتحمل توابعها أو مستمعها أهون من أن يواجهها... ".
أمّا عن الحكاية داخل البناء السردي كانت منتظمة في شكل منظم ودقيق,حيث تبدء الأفكار والأحداث في الحاضر ثم يأخذنا المُبدع إلى عام 1309 الفكرة كانت منظمة بشكلٍ تفصيلي ودقيق حتى بعض الحقائق الواردة أشار الكاتب لمراجعها بكل دقة يميل للدقة في الحدث الوارد ليرسم بريشة خياله الدلالات التى يريدها.
اعتمــد على مراجع تراثية في التاريخ ؛مثل :"
- كتاب المقريزي " السلوك لمعرفة دول الملوك" , المرجع الثاني "المدخل" لابن الحاج, النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة كتاب من كتب السير والتراجم، ألفه المؤرخ ابن تغري بردي. بالطبع يستشف القارئ مدي البحث والتجميع ليخرج لنا العمل الدسم الذى بين ايدينا؛ليشعر القارئ بالقدرة الإبداعيّة التى يمتلكها المُبدع.
دور المــرأة في " رُواق البغداديّة" :
أثناء قراءة "رُواق البغداديَّة " نلاحظ مدى رقي "أسامة السعيد" عندما تحدث عن المرأة؛لأن الكثير من الكُتَّاب يصورونها على هيئة تقليدية يحس من خلالها المتلقي بالتقليدية أما أم أو أخت أو زوجة خائنة أو وطن أو باغية؛القارئ المتمكن سيلاحظ ذلك. لكن قلم السعيد كان طامحًا ليجعل المرأة وطن ورافضة للظلم بل تقف أمام ظلم الجاشنكير " الطاغية" حتى "ريم " الباحثة الأثرية مناضلة أمام ظلم فساد حكم الحقبة المباركية ليقول الراوى :" ما أشبه اليوم بالبارحة حقا,أية نبوءة تحملها تلك المرأة المملوكية وهل يمكن أن يُعيد التاريخ نفسه بتلك الصورة الغريبة؟! " السؤال في الحقيقة فلسفي يحثنا للبحث عن الفلسفة التاريخية وحركة دوران التاريخ لأن القراءة ليست عملية استمتاعية فحسب لكنها عملية فكرية إنتاجية تنعكس على القارئ بالثقافة الفكرية .
عبر السعيد عن مشاعر المرأة في كل زمان ومكان فرغم التقدم والثورات التى شغلت مجتمعنا العربي إلا أن وضع المرأة مازال على ماهو عليه، حينما قالت ريم لـ "حسام يسرى – الصحفي " الذى تخاذل عن وجوده بجانبها في واقعة كشوف العذرية :" لقد حسبتك رجلًا يُدرك أن المرأة وطنٌ,تُكرم عندما يكون الوطن عزيزًا,وتهان عندما يكون الوطن مُغتصبًا" .
يكشف حسام في النهاية وضع المرأة أنها الثورة والتمرد والقوة؛ لم يبالغ عندما قال أنها التاريخ :" كان من السهل أن أدرك حجم التشابه بين ماعايشته تلك المرأة وماتُعيشه حاليًا,فالتاريخ ربما يحمل الكثير من المفاجآت والكنوز التي لا تحتاج إلا لمن يُنقب عنها ويتعقب أسرارها.." .
في النهاية عبرت الرواية عن قضايا كثيرة تخاطبنا بلغة التشويق والأثارة التى تجعلنا نتابع الأحداث لنكتشف الحقيقة,تعبر عن المظلومين لتخبرنا أن الظلم لا يدوم,تخرج بالقارئ ليري زمنًا أخر لنجدنا مع النص إزاء عصر مملوكي
تبدء رحلته من دار "رُواق البغداديَّة " ليقر الراوى في خاتمة الفصل الأخير بالحقيقة التى تحتاج إلى علاج وهو وضع المرأة :" كنتُ أعرف الإجابة,فأنا من ذبحتها أولا ,أنا من لم يحتمل شجاعتها لأنها تفضح جبنى وضعفي,أنا من وضع زهرة حياته الوحيدة قربانًا علي مذبح صنم! " .
حيث لازالت قضية المرأة في مجتمعنا تحتاج لرؤية جديدة خلال طرحها في الأعمال الإبداعية.
لكننا وجدنا قلم السعيد مُنقذها من الغرق.
فى النهاية أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التى تُقدمها للقارئ وللمجتمع وللعالم أظن أنها أرقي الرسائل التى يقدمها الإبداع الأدبي.