لا يحب بافقيه التوقف كثيرا عند مقولة "تخصصه في تاريخ الحجاز"، ذاهبا إلى تلخيص ذلك بقوله: جهدي الأساسي -ولن أقول "مشروعي" البحثي حتى لا أصاب بالغرور!- ينصب على إعادة النظر في الثقافة العربية في أواخر العصر العثماني، وعلى هذا جاء كتابي "ذاكرة الرواق" عن مكة، و"ما قبل الأدب الحديث" عن حائل. في كتابه الأخير الواقع في 132 صفحة من القطع الصغير، والذي أهداه كما كتب "إلى صديقي الحائلي النبيل الأديب الأستاذ عبدالسلام الحميد، كلما خططت حرفا قلت لعله يرضيه..!"، يثير بافقيه إشكالية قديمة، توقف عندها بعض الباحثين، يجملها قوله في ديباجة الكتاب "منذ اتخذت الخلافة الكوفة فدمشق فبغداد عواصم لها، لم تلبث الجزيرة العربية، بعد حين يطول أو يقصر، أن توارت عن الأنظار، شيئا فشيئا، ثم إذا بالتدوين التاريخي يسكت عنها، فيلفها صمت طويل، حتى قبل مشارف العصر الحديث، إلا ما كان من شأن المدينتين المقدستين". فيسعى إلى تتبع ما دون عن حائل في هذا السياق، ويعثر عليه بدءا من منتصف القرن السابع عشر الميلادي، مرتبطا بالدعوة السلفية، وما دون عن تاريخ نجد في تلك الحقبة، وعلاقة حائل بالدولة السعودية الأولى. يلخص بافقيه في الفصل الأول "تاريخ يتجدد"، أجواء تلك الحقبة علميا، وهو ثقافي مرتبط بالدين والدعوة السلفية، وصولا إلى انفتاح حائل على مخرجات وعلاقات طرق الحج العراقي، واتصال علماء حائل وطلبة العلم فيها بحواضر العلم الشرعي سواء في القصيم، أو مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومصر والعراق. حظ حائل من الأدب وبعد تطواف وحفر تاريخي في ثنايا تلك الحقبة، يتوصل بافقيه إلى أن "شأن الثقافة كانت تحفه علوم الدين، وعلى ذلك كان المنتسبون إليها"، متسائلا عن حظ حائل من الأدب، شعره ونثره؟ وهو ما تصدى لبحثه في الفصل الثاني من الكتاب، بعنوان "بحثا عن أدب"، لافتا إلى أن قراء الأدب اليوم يعرفون غير أديب من أدباء حائل في الشعر والقصة القصيرة والرواية ونقد الأدب، مستشهدا بأسماء كتاب وأدباء معاصرين، منهم فهد العريفي وعاشق الهذال وجارالله الحميد، مثيرا مسائل نقدية حول معرفة جذور الأدب الحديث الذي ينشئه أدباء حائل.
يتقصى الباحث القدير الأستاذ حسين بافقيه الحراك الثقافي والأدبي في تاريخ حائل بدءاً من القرن الثامن عشر إلى عصرنا الراهن ويتحدث عن الحراك الديني والفقهي في مدينة حائل بعد اتصالها بمركز الدعوة السلفية في الدرعية في ذلك العهد، مروراً بتبعيتها للدولة العثمانية وتأثرها بالأجواء الثقافية في "الدولة العلية" وفي هذا يشير الباحث إلى أن الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد عين أحد وجهاء حائل وكيلاً له في الآستانة وهو رشيد الليلا (1294-1362هـ). إلى أن يصل الكتاب إلى العصر الحديث فيذكر شعراء وأدباء ومثقفين من حائل في حقول شتى ، القصة، الرواية، الشعر، ويورد تراجم لبعضهم، وذكر أن أول ديوان شعر عرف الطريق إلى المطبعة كان لشاعر من حائل اسمه حسن بن محمد الحجي، إلى آخر ما يتضمنه الكتاب . لا شك أنه كتاب مهم في بابه وليس ذلك بغريب على باحث مجتهد، تدل كتبه العديدة على (اهتماماته المتنوعة ، ما بين النقد الأدبي والتاريخ الثقافي – صحيفة الوطن – 17 مارس 2016