هذا الكتاب هو بعض من حوارات عديدة مع صاحبه الذي لا يمل السؤال ولا الجدل. هل ترى وجودنا كله على هذه الأرض مجرد مصادفة سيئة سببها جدنا المحترم آدم وتفاحته؟ هل التاريخ بدوره سلسلة مصادفات تغير مجراه كل لحظة على هواها ذات اليمين وذات الشمال. أم هو قوانين إلهية عميقة مرسومة نلتقي فيها على ميعاد دقيق ونفترق على قدر مقدور. وإنما نسمي بعضها بالمصادفة لأننا نجهل تلك القوانين؟
من مواليد مدينة “دمشق” عام 1921، أبوه كان بقالاً يرجو أن يرث ابنه دكانه الصغيرة، لكن الابن خذل الأب حين عشق القراءة والأدب منذ نعومة أظفاره. الدكتور “شاكر مصطفى” مؤرخ وأديب أصدر حوالي خمسين كتاباً من الأدب والتاريخ والدراسات التاريخية والقصصية، إضافة إلى مئات المقالات التي نشرها في الصحف والمجلات العربية، وفي مقدمتها مجلتا “علم الفكر” و”العربي”. والمعروف عن الدكتور “مصطفى” كيفية سرده لوقائعه بطريقة فنية جذابة، وبأسلوب سلس، يسكبها بقالب قصة مشوقة كان “مصطفى” أول كاهن بشّر بنثر فني لم يعرفه تراب بلاده منذ سنين، كما يقول الشاعر “نزار قباني” في مقدمة كتاب “بيني وبينك”. ومن اطلع على سيرة حياته يدرك كم تعب على تثقيف نفسه، وكم عانى من متاعب، وواجه من صعوبات حتى استطاع أن يصبح أديباً ومؤرخاً يشار إليه، لأن أبوه كان يضربه إذا فاجأه يقرأ كتاباً أو مجلة، لأنه يعتبر ذلك إضاعة للوقت، ولكنه بقي يقرأ في السر كل ما يقع تحت يديه في نهم الميت من الجوع. يقول د.“صباح قباني” «حين تسمع صوته الخافت الخجول في حديث إذاعي أو محاضرة مسائية، وحين تقرأ كتبه الصغيرة المنمنمة تظن أنك أمام مختص في الفلسفة أو الأدب، ولكنك تسأل فيبتسمون ويقولون: “شاكر”؟ إنه مدرس تاريخ مفكر عذب ورقيق يقدم لك أضخم المسائل الفكرية وأعصاها على الإفهام بلغة بسيطة حلوة رشيقة . إنه لا يكلمك، ولكنه يهمس في سمعك همسات صغيرة متواضعة سرعان ما تكتشف أن وراءها عقلاً جباراً وثقافة أدبية وتاريخية موسوعية متألقة. وتجدك حائرا متسائلا: “هل هذا الذي أسمع وأقرأ هو أديب أم مؤرخ”؟ بل إن “شاكر مصطفى” نفسه هو الذي يتساءل كذلك في بعض ما كتب: هل كان عملي طول حياتي في التاريخ أم في الأدب؟. ولكنه سرعان ما يجيب ويقول: “التاريخ هو مهنتي، والأدب هو هواية عمري” ومن هنا جاءت كتبه في التاريخ قطعاً أدبية لا أجمل ولا أعذب فإذا بالشخصيات التاريخية التي يحدثك عنها تتحول بقلمه البارع إلى شخوص روايات وملاحم يتحركون أمامك وكأنهم يتحركون على مسرح ==================== 1945 نال الإجازة في التاريخ من جامعة القاهرة عين مدرسا في درعا ثم دمشق ثم أصبح مديرا للمعارف في حوران 1955 أمين عام جامعة دمشق 1956 مستشار ثقافي في السفارة السورية بالقاهرة تنقل في عمله الدبلوماسي قائماً في الأعمال في “السودان” عام 1957، ووزيراً مفوضاً في “بوغوتا”- عاصمة “كولومبيا” 1958، وبين عام 1961-1963 كان قنصلاً في البرازيل، وخلال هذه الفترة أتقن اللغتين الأسبانية والبرتغالية، إضافة إلى الإنكليزية والفرنسية اللتين كان يتقنهما من قبل. وبعد هذه الجولة عاد إلى سورية عام 1964 فأصبح مديراً عاماً للشؤون السياسية في وزارة الخارجية، فأميناً عاماً بالوكالة، إلى أن اختير عام 1965 وزيراً للإعلام وبقي فيه حتى عام 1966 التاريخ الذي أعفي به من منصبه سافر فيه إلى الكويت ليعمل أستاذاً للتاريخ العربي والإسلامي في جامعتها، وظل في هذا العمل خمساً وعشرين سنة مرت كأنها “حلم ليلة صيف” على حد تعبيره. عام 1970 نال شهادة الدكتوراه من جامعة “جنيف” في سويسرا، بأطروحة موضوعها “مؤرخو العصر السلجوقي الأيوبي”، أصبح بعدها عميداً لكلية الآداب في جامعة “الكويت”، ثم انتدبته دولة “الكويت” ليشغل منصب الأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية في “تونس” للجنة التخطيط الشامل للثقافة العربية، وبعد انتهاء مهمته أصبح مستشاراً في الديوان الأميري، بدولة الكويت. وحين أحيل إلى التقاعد عاد إلى “دمشق”، بعدما داهمته أمراض الشيخوخة، ولكنه لم يلق القلم جانباً، ولم يستسلم إلى الراحة، وظل عاكفاً على العمل حتى وافته المنية في 31/3/1997 وهو في السادسة والسبعين من عمره.
فور قراءة عنوان الكتاب خطر ببالي أن لا مصادفة في هذا الكون الذي يملكه ربٌ عادل حكيم.. لا مكان لقول "لو".. ولا دور للنّدم أو التّحسّر – طبعاً بعد أخذ الأسباب. ولكن مع ذلك.. عندما يقرأ الإنسان كتاباً كهذا ويعاين نتائج مصيريّة كبيرة.. ويرى كيف كان مسبّبها حدث بسيط قد لا يعبأ له.. ولكن تأتي النّتيجة كبيرة ومصيريّة.. منها ما يقلب مصير شخص رأساً على عقب.. ومنها ما يغيّر مسار بلاد مائة وثمانين درجة.. وتأتي الإنسان وقتها الأفكار الشّيطانيّة موسوسة لتقول له: ليته لم يفعل.. ليتك لم تقل تلك الكلمة.. ليتهم لم يمشوا في ذاك الدّرب.. ولكن يأتي الإيمان بالله تعالى وبالغيب ليحسم النّزاع الذي يدور في ذهن أحدنا ليقول له: قدر الله وما شاء فعل.. لا تفتح على نفسك هذا الباب؛ لأنّه لا نهاية له، (فإنّ "لو" تفتح عمل الشّيطان).. وإلّا ستتداعى عليك أبواب النّدم والحسرة طوال عمرك وتعيش أسير اللّحظة الماضية، والفرص التي فاتت، أو لنقل تظنّها فاتت، ولكن إن كنت قد أخذت بالأسباب قدر وسعك وجهدك.. ومشيت في دربك مستعيناً بالله تعالى مستخيراً له في كلّ خطوة، فلا ريب أنّ ما حصل هو محض الخير لك – إن عاجلاً أو آجلاً. ولا شيء في حياة من يتّكل على الله يمكن أن يقال عنه أنّه فاته.. ولكن أعود فأقول: تبقى فكرة الكتاب تدغدغ عقل الإنسان من حين لآخر.. وتراه – لا شعوريّاً – يقول: ماذا لو؟َ!! جيد.. وهذه طبيعة النّفس البشريّة.. ولكن عليه هنا أن لا يتماهى مع الأمر، ولا ينساق بقوّة وراء فكره الذي شرد في "لولوته"، ويبني الأمجاد على شيء لم ولن يحصل.. هو قدر الله الذي ساق مجريات الأمور للوصول إلى تلك النّتيجة.. وإلّا سيدخل في اكتئاب لن يخرج منه إلّا مع آخر نَفَسٍ قدّر له في هذه الحياة.. هذه رؤيتي لهذا الكتاب.. أو لنقل لعنوانه قبل معرفة تفاصيل ما ورد فيه.. وإذا شئنا التوغّل في تفاصيله.. فليست كلّها بسارّة.. كم وكم أبحرت مع الآحداث وعدتُ بمخيّلتي إلى تلك السّنين الموغلة في القِدَم.. وأتساءل يا ترى من هم هؤلاء الذين قضَوا في تلك المعركة؟!! ما أسماؤهم؟! كم تركوا خلفهم من الأطفال؟! ما مصير عائلتهم من بعدهم؟! من حزن عليهم من أهلهم؟! كيف كان الوداع الأخير مع زوجاتهم؟! وهل كانوا يأملون بالعودة إلى بيوتهم وذويهم؟! أم كانوا على علم أنّه اللّقاء الأخير، وموعدهم لاحقاً عند ملك الملوك؟!! البشريّة في نزاع مستمر من يوم خلق الله الإنسان.. ليميز الخبيث من الطّيب.. دار ابتلاء وفتنة وتناحر، وبالمقابل أيضاً فيها الكثير من الجمال والحب.. عبارة عن أقدار يصارع بعضها بعضاً.. وما على المؤمن إلّا أن يصلح نيّته في كلّ حين، ويبذل أقصى ما يمكنه ويسعى، ويستثمر ما أوتي من مواهب وقدرات.. ولا يترك نفسه في مهبّ ما نسميّه "مصادفة" ثمّ يقعد ليندب حظّه متحسّراً على ما ضيّع وفوّت من فرص.. سرّ السّعادة والنّجاح – كما أقول دائماً – يكمن في الرّضى والتّصالح مع النّفس يكلّل ذلك كلّه توفيق من الله يرزقه لعبده.. ففيهما مفتاح اللّغز.. ولا شيء غيرهما..
"المصادفة في التّاريخ" للأديب والمؤرّخ السّوريّ شاكر مصطفى. يتألّف الكتابُ من 113 صفحةً، ويضمُّ جملةً من القصص التّاريخيّة التي كان للمصادفةِ طرفٌ في وقوعها. يفتتحُ الكاتبُ كتابَهُ بمقدّمةٍ عن المصادفة فيعرّفها، ويشرحها، ويبيّن رأيه بها. المصادفةُ كان لها حيّزٌ واسعٌ في تفاصيل حياتنا، فحياتنا عبارةٌ عن التقاء مصادفات. فاسمكَ، وطولكَ، ولونكَ، وجنسكَ، وعائلتك، ودينك، وبلدك، وغيرها الكثير هي مصادفاتٌ متواليةٌ حدثت معك، وكوَّنَـتْ حياتك وشخصيّتك. وكم من مرّةٍ كنتَ ستفعلُ شيئًا لكنَّ أمراً طارئاً مفاجئاً حدث معك، فغيّرْتَ خطّتك، وفعلتَ شيئاً آخرَ، ووجدتَ نفسكَ سعيداً في نهايته. يضربُ الكاتبُ قرابةَ عشرين مثالاً لقصصٍ لعبَتْ فيها المصادفةُ دوراً حاسماً في رسمِ نهايتها، فالمصادفةُ هي التي جعلَتِ البرازيلَ تحت الحكم البرتغاليّ، وبقيّة دول أمريكا اللّاتينيّة تحت الحكم الإسباني، ووضعتْ بينهما غاباتِ الأمازون ونهرَ الأمازون. والمصادفةُ هي التي جعلَتْ لينين يركبُ قطاراً ألمانيّاً إلى روسيا ليقودَ مع تروتسكي وستالين الثّورة فيها. والمصادفةُ كذلك أدّت إلى أن تزِلَّ قدَمُ حصانِ عبدالرّحمن الغافقيّ في معركةِ بلاط الشّهداءِ بسبب الدّماءِ، فسقط، فأصابوه بسهمٍ، فاستُشهدَ، وانتهى المدُّ الإسلاميُّ في أوروبا. واكتشافُ قبرِ الفرعون توت عنخ آمون في مصرَ كان مصادفةً أيضاً. والمصادفةُ أيضاً جعلَتْ نابليون يُصابُ بألمٍ في المعدةِ في موقعةِ واترلو ممّا أدّى إلى هزيمتهِ وتقرير مصير فرنسا وأوروبا لسنواتٍ طويلةٍ. وهذا غيضٌ من فيضِ القصص التي ذكرها الكاتبُ، والتي كانت لا تتجاوز الواحدةُ منها خمسَ صفحاتٍ. تقييم الكتاب: 5/4