يدخل الكاتب علي عبد الله سليس باب الإبداع السردي بثقل ذاكرته وثراء ما تحتويه تجربته وعمق ما تنطوي عليه من رؤى ونقود وتأويلات لمختلف مظاهر الحياة الاجتماعية في مجتمع عربي بعينه، ويأتي العنوان الذي اختاره من مجموع حكاياته "مسافة بين" و نشرته الدار العربية للعلوم"ناشرون" ليرسم المسافة اللاشعورية التي خطها السارد بين "أناه" وإبدالها، بين هوية الصحافي (المهنية) التي تبحث عن مادة مفيدة للقارئ وبين المشهد الخارجي غير المشجع على الكتابة. "لا شيء يستفز الإبداع في هذه البقعة القائمة من الكرة الأرضية.
فيقول :كل الناس متشابهون، كلهم يولدون، يتعلمون، يعملون ويتكاثرون.. ويموتون" هذا ما استقرت عليه قناعة بطل القصة الذي امتهن الصحافة وحاول تغيير ما يراه في الواقع من تناقضات ومآسٍ عبر الخط الفاصل بين الحياة والكتابة؛ ولكنه لم يستطع فمن سيهتم بـ"مقتل متسولة دهساً فيما يبدو حادثاً عرضياً عن إشارة"، أو الاقتراب من حدود الشريعة في القصاص من رجل قتل زوجته بتهمة الخيانة "يقترب السيّاف... يرفع سيفه في الهواء، يهوي به على رقبة المُعدم.
يسقط رأسه (...)، انصرفتُ عنه وأنا أضحك. بالطبع لن أورّط نفسي في قصة دموية كهذه، خصوصاً في مجتمع لا يعترف بحرية الصحافة". هذه الصورة ومثيلاتها مما يشهده واقعنا العربي في السياسة والإعلام والاجتماع تحضر بين مجموع حكايا الكاتب/ الصحافي في سياق ربما أراده المؤلف لإثبات الانفصام بين الذات الرائية وإبدالها المرئي.. الأنا المالكة للخبرة المهنية والثقافية.. والأنا الإنسانية التي تشعر بالمسؤولية تجاه ما يحدث ويستمر وفي هكذا حالات.. يكون الصمت في مستوى الكلام حين يجدّ. ويضم الكتاب ثمانية عشر قصة قصيرة جاءت تحت العناوين الآتية: "صدأ، صديد.. وصدى"، "قاب كونين؛ أو أبعد"، "ناهد"، "مُرجِيحْة"، "يا حبيبي.. كل شيءٍ بقضاء"، "أسْمَر عَبَرْ"، "بعض"، "نصف"، "هُما.. أنت"، وعناوين أخرى.
لم أضع أي توقع للمجموعة القصصية، لم أرفع سقف التوقعات ولم أخفضه، لكنني قلت في نفسي قبل أن أبدأ في القصة الآخيرة، يجب أن تكون مختلفة، وكانت! ادهشتني فكرتها، أحببتها صدقًا، راقني هذا المزج الابداعيّ، وهذه الترابطات الواقعية. على كلٍ؛ اللغة سلسلة ومُنسابة بصورة جميلة، والوصف -حتى في القصص التي يكون هو فيها سيد الموقف (أي زائدًا عن الأحداث)- لا يبعث على الملل بتاتًا. القصص متنوعة برسائلها وقضايها وتفاوت أهميتها، أما ترابطها النهائي المفاجئ/المُذهل بالنسبة لي قد يحمل بحد ذاته نظرة ما تؤكد على صورة الغلاف/ والكلام الذي في ظهر الكتاب.
قرأت أَوْبَة قبل عام، ولا يخفى على قارئ منتبه أن مسافة بين أعمق، وأكثر نضجًا.
عشرون يومًا و هذا الكتاب لصيقٌ لي.. ينامُ بجانب رأسي و يلتحف الليل معي.. قضيت عشرون يومًا و أنا أتأمل هذا الغلاف الرمادي المُتبرج بكلمتين قرمزيتين.. "بين" كبيرة، ممتدة و دافئة.. تضم "مسافة" بأكملها، أرقام مبعثرة و عين يتيمة، غاضبة و أشعر بأنها تنظر إليّ بحنق كلما التقت عيني بها و لا أدري لماذا!
يبدو أنّي أرتكب الآن خطأً و أنا أحاول عبثًا أن أختزل _____شهقات صدري على "قاب كونين؛ أو أبعد" و ضحكاتي و استهزائي في "ناهد" و قلبي الذي اتسع و تحوّل لقلبِ طفلٍ حتى يتماشى مع قلب "مُرجِيحة" و يتسّع لآلامها التي كان على الكون الحقير أن يقف للحظة.. يقف ليحتضنها، ليطمئنها و -ليصغي لنداءاتها قبل أن تختفي- و دهشتي الكبيرة و حبي مجهول السبب لـ"أسمر عبر" و -عيني التي أمطرت- في مكانٍ عام على صفحات "هما.. أنتَ" و "هما.. أنتِ" و شفقتي على "خُفّاشة" و أسفي على براءة ماهر التي انتُهِكَت في "الغبي" و الأمل الوليد الذي شعرتُ بأنّه ينبض في صدري أنا.. في "معبر حياة" و انبهاري الشديد بذكاء الحبكة في "مسافة بين"_____ في عدّة سطور!
كان كتاب "مسافةُ بين" صديقي في النهار و حتى أوقات متأخرة جدًا من الليل، فأستيقظ صباحًا متأخرة و أهرع كالمجنونة لعلّي أصل لعملي بأسرع ما يُمكن، معطفي و هاتفي في يدي اليمنى و بالطبع "مسافة بين" في يدي اليسرى.. عشرات السيّارات هي التي كانت هذه "المسافة" تسبقني في الركوب إليها.. لطالما ضحكتُ على نفسي لتصرفٍ أبله كنتُ أكرره كل يوم، حيث أنّي في البُعد الذي أمرّ به في نزولي من السيارة و حتى مقر عملي -أتعمّد- أن أجعل الغلاف الأمامي هو الظاهر للناس -كعمل خير- من وجهة نظري، لعلّ أحد المارّة يلتقط اسمه.. لأني و كما رأيت، هذه المسافة جديرة بأن تُعاش.. لا أن تُعبر.. هي التي عبرتنا، عبرت أرواحنا عوضًا عن أن نعبرها نحن.. هذه المسافة امتدادها أبدي.. و لن تنتهي.
بدءًا من الغلاف و توشحهِ بالسواد في اجزائه المتناثرة فيك ، الأرقام و دلائلها و بؤبؤ العين المنكفئ على ثقوبٍ سوداء تجعلك ضحيتها عند الاقتراب أو التلامس . و الإهداء المترامي على أطراف قلبك و تم الإيشاح عنه بأبلغ السبل إلى ذلك ، و الاعتذار الذي ينقضُ عهدك بأنك فتحت - مسافة بين - لتتصفحها فقط ، و لم تفيّ بذلك قط لتجعلها اقتطاعًا من منامك و رؤيا أحلامك المشتتة و صباحيتكَ المُثلى فكأن بها أن تفتح ريقكَ على كوب قهوة ممتلئ بالكافيين ليكنّ الخِدر لصداعك المزمن ، و أقدارُ شفراتِ أحاديث نفسك التي تقاعست عن الإفشاء عنها .
رهنتني بين مسافاتك التي تضيق بي كلما حاولت أن أتجرد من ثقل ذاتي الحتمي ، و فضاءاتك الشاسعة التي تُدثرني ، تخاف عليّ كأمٍ رؤوم ، و تمسح ذلك الماء الرقراق من مقلتيّ الذي حينها أشيحُ بوجهي عن صفحاتِ الكتاب خوفًا عليها من البلل و أن تهترء و تحفظُ ذاكرتها تلك الانفعالات و المشاعر العارمة التي غمرتني حينها ، أخافُ عليها عندما أقلبها خشية الوصول إلى التتمة التي تتجاوزك بسيلٍ جارف لتُدفن في عباراتها الحنون .
موصوفاتٌ تتجلى في كل حكاية أو أقصوصة - إن أردنا أن نكون أصحاء لغويًا في التعبير - ، و إن أردنا التعدي وصفناها برياحٍ صرصر عاتية تبعثركَ في مجرياتها ، أحداثها الشتى تتوالى و ستجعل ارائك و نظارتك الخاطفة دكًا دكا، بعدها سيتجلى تأملٌ مُهيب فيك و شخوص الآخرين ، ستنظرُ للعباءات السود ، تحركات الأطفال ، و تتحسس صرخاتٍ مكتومة . مقارناتها المتناقضة و إسقاطاتها اللامتناهية على مجتمعاتنا الثُكلى ، تتابعاتٍ تكمل بعضها الآخر فنقطةُ النهاية لجملةٍ ما هي بذاتها فاصلة في محطّ آخر ، لا تعيّ أبدًا بالانفصال أو استقلالية كلًا من هذه القصص ليُثبت لك اليقين آخرًا بصحة توقعاتك المرهونة بانكساراتٍ للمبادئ الرتيبة .
في يوم حفل التدشين ، ساعة إلقاء و تحليق الفكر، قد باءت محاولاتي فاشلةً في أن لا يستثار سمعي لأبقي لحظة الدهشة الأولى في اعتكافي . و ذاك عصيّ عليّ ، فلا أنسى صوت حسن و نبرته عند مقطع " أما ليلى ، و آه من ليلى !" ، يلاحقني الصوت آنٍ بآن.
تركنُ على قارعة الطريق بعد استيفائك لأكوامِ الأوراق التي تدس بداخلك زمنًا طويلا. تستنشق عبق الكوفية التي تلثمت بها هاربًا من غيظ الدنيا فتلوحُ عليك صورة محمد الدرّة ، و عندها تصبح لائذًا بالرؤية فقط لتلك العينين الخضرواتين في محيطها تغدو غريقا. ترواحكَ التأملات في من جُعلت الملاءات البيضاء رحمةً سماوية منزلة لهم . و تتراءى طيفًا ثالثًا بين نفسين امتزجتا كروحٍ واحدة ، فتخافُ على إفشاء الأسرار و انتهاكِ حرمة الأعذار و استرسالات أحاديث الخفاء . هنا يحدثُ ما لا يحمد عقباه ، الحائط يستشعر أنفاسك المتوجلة التي تؤول إلى عدم الانتظام ، و ضربات قلبك المتسارعة، همساتك و قهقهتك حتى ، و تنهيدتك الأخيرة .
البراعة في اللغة ، ولادة الكلمات المُستعسرة هنا تتيسر ، تشدك العبارات التي لا تخلو من رغباتك العارمة في اقتناصها لتكنّ اقتباساتك التي تحفظها عن ظهرِ قلب و تتيقن بعدها أن النص بأكمله محطّ اقتباس . أعدك أنك ستتوقف مرارًا لتقرأ الجملة مرة ، مرتين ... و ثلاثة عشر ، تستلُ جزءًا منك حتمًا لتتدبر في ماهيتها .
ستعيشُ في رحم الكتاب و تتغذى من ذلك ، ستنسى و تحاول أن تتناسى ذاتك ، لأنك ببساطة ستغلبُ على أمرك ليحُل عليك ذاك السلام الداخلي و تتوجسُ خيفةً ، خيفة الأثر الذي سيطبعُ على جواز عبورك من كلمة - بعد منتصف الليل - .
نقلة نوعية باهرة بين مسافة بين و أوبة ، بونٌ شاسع بينهما و على ذلك تبقى لأوبة حلاوتها المُبسطة ، و -مسافة بين- تفردها بصبغةٍ مميزة . و لا أخفيكم الأمر بأن علي سيجعلك تستشعر الموت مرة و ألف مرة ، تتذوق لذةّ الموت و مراراته في الوقت آنه .
....هذا كان تعليقي على القصة الثانية "قاب كونين. أو أبعد"....
ماهذا؟؟ رائعة بدرجة تخبط وضياع بطلها
أتذكر رواية الغريب لألبير كامو وأنا أقرؤها..كلا البطلان غريبان..كلا البطلان ضائعان..ومثلهما الكثير ممن حولنا.
أعتقد أنه من الصعب جدا أن يكتب كاتب غير فلسطيني الوجع والهم الذي يعيشه الفلسطيني..وها أنت تكتب مثل غسان الذي نسي بطلك اسمه الأول
لكنك لم تكتب الألم والوجع لفلسطيني عادي..كتبت مايدور في عقل فلسطيني غير مستقر .. عقل لايعرف لأي جانب هو..ولم يكن أي فلسطيني .. كان من عرب48 .. وأنا متأكد أنه من الصعب جدا أن يُكتب عنه
...............
أعتقد بأن هذه القصة ظلمت الكتاب بوضعها في البداية..رفعت سقف توقعاتي بما أضر باستمتاعي ببقية القصص.
بشكل عام كتاب رائع وقفزة واضحة في مستوى الكتابة لغة جميلة بسيطة شاعرية
لا أريد أن أنسى أيضا روعة "ظاهرة.. لاصوتية" كانت بمنتهى الجمال..خير نهاية.
وأخيرا "مسافة بين" نهاية رائعة بربط القصص جميعا في قصة واحدة بل في يوم واحد لشخصية واحدة.. مليئة بأحداث هي مثل ماقلت قد لاتعني شيئا للكثير منا لكنها في هذا الكتاب .. كل شيء
"ماذا لو أننا قِسنا تلك المسافة، بين ما أقصده، وما يصل إليك؟" تتمحور فكرة الكتاب عن تلك المسافة التي لا يمكننا قياسها بالسنتيمترات، وإنما هي مسافةٌ بين الأفكار والمشاعر أو حتى الكلمات. لا أبالغ إن قلت إنها فكرةٌ عظيمة! مسافةٌ ل�� تقاس بالوحدات العادية. جعلتني أعيد ترتيب حساباتي البينية بين ما أحسه وما هو حقيقة. صوّر الكاتب أقسى ما يمر في حياةِ أحدهم وهاجسه الوحيد، بينما يكون ذاك الهاجس الذي راوده بمثابةِ صفرٍ أمام آخر. كنت أرى القصص وأشعرها، لم يخطر ببالي -ولو لوهلةٍ واحدة- أنها في نهاية المطاف مجرد هامشٍ نسمعه كل يومٍ في مجتمعنا. يكمن مربض الفرس في قصة الختام -الخلّاقة بحق- التي تلخص كل شعورٍ وكل فكرة، وما لفتني هو قدرة ربط الكاتب واستجلاب الأحداث بطريقة مذهلة!
أسلوب الكاتب: يمكن لأي شخص قد قرأ "أَوبْة" من قبل، أن يلاحظ جليًا تطور أسلوب الكاتب -للأفضل واقعًا- إما في السرد أو الأفكار، وهذه نقطة دعم كبيرة يثبت بها مرونة قلمه. دائمًا ما تبهرني لغة الكاتب، فهو يختار المفردة بعناية ويوظفها بشكلٍ جيد جدًا في نظري، ومن الأمور التي تلفتني في كتاباته هو اختياره للبداية قصةً كانت أو نصًا، ووجدت هذه الإيجابية في كتابه هذا حيث كانت بداية القصص هي العامل المحفز للانغماس في القصة. بالرغم من أن الكاتب وظّف السرد بشكل جيد إلا أنه لم يوفق في بعض الحوارات، بجعلها واقعية زيادة عن اللزوم وبالتالي جعلها مملةً بعض الشيء، وفي بعض الأحيان كان يسهب في الوصف وهذا مما لا أحبذه في الكتب، من جانبي.
تظل الفكرة سيدة الموقف، إلى جانب تدعيمها القوي بالتركيبات التي ذكرتها سلفًا، أربعة نجوم ونصف نجمة.
بإختصار مجموعة قصصية مُدهشة وعميقة،انهيت بعضها بخِفة وسهولة وأخرى كنت انهيها بشق الانفس ولا اغفل عن تلك التي لا أكاد أستوعب أنها إلى هنا تكون قد انتهت ،قضيت وقتًا ممتعًا وأنا أتنقل من قصة إلى أخرى دون أدنى ملل ،علي سليس أبدعت .