ولد الطاهر بن علي بن بلقاسم الحداد سنة 1899 بتونس العاصمة، حيث استقر مع والده بعد نزوحهما إلى العاصمة من حامة قابس مسقط رأسيهما، نشأ في وسط متواضع، تلقى تعليمه في الكتّاب، ثم بجامع الزيتونة وله من العمر اثنتا عشرة سنة بعد وفاة والده سنة 1920م غادر الحداد جامع الزيتونة إثر حصوله على شهادة التطويع ليشتغل ماسك دفاتر وكاتبا بالجمعية الخيرية. في عام 1921م التحق بمدرسة الحقوق العليا التونسية وكان مهتما بالنشاط السياسي والنقابي في إطار الحزب الحرّ الدستوري القديم حتّى عام 1930م.
بدأ حياته كاتبا في جرائد «الأمة» و«مرشد الأمة» و«أفريقيا»
حسبُنا أن نعلَمَ ما نحنُ. كتمهيدٍ لاتّخاذِ ذواتِنا أبعادها الحقيقية داخل الكون، واحتلال مواقعها الصحيحة من تضاريسه. تمهيدا لأنْ نَسَــعَ ما نعلمُ دون تضخُّمٍ عادٍ أو تصاغُرٍ جبانٍ. كمن عرف قدرَ نفسِه فأكبر في نفسهِ العَظيمةَ وصرَفَ عن نفسهِ الخَبيثة. فنحنُ الوارِثونَ. نرثُ الأرض وعَرَقَ السابقينَ، يترُكون لنا الفكر والأمانيَّ والآمال ويرحلون، جَمحَ خيالهم ذات تاريخ وارتقت رُآهُم لِـمُثُلِهم فرأوْ في الأوطان التي نسكنُ خيْرَها ورَأوْ في سواعد أجيالها الصِّدق والقوة. ُوتملّكهم الحنين. انطفأت الشعلةُ داخل صدورهم أو أُطفأت قَسْرًا. بينما تتشكل الأجنةُ في الأرحامِ مشاعِلاً، تتهيأُ وتُهيِّئُ للقبس الآخر وللنَّفس الجديد.
ونَحنُ مشاعلٌ. أوقد الله فيها بأمره التّوق فحملنا همَّهُ واحتملنا لظاهُ. وما علمنا أنه احترقَ وأحْرَقَ صُدورا كصدورنا. صدورا تعرف صدورنا جيدا، تعرفُها معرفة المُطابقة لا المُعاشرة، معرِفةَ التَّشابُهِ لا التزامُنِ، وتستودعها أنفاسها. نحن الخلفاء الذين نسوا أنهم خلفاء. المُثقلون بالتاريخ ولم يقرأو التاريخ. المعتزون بالهوية ولم يُدركوا الهوية.
نحنُ الذينَ قََــدَرٌ لَهُمُ المَسيرُ، أوكِلت لهم المهمة المناسبة، فلم يكونوا من المتناسبين. سائروا الطريقِ الطويلة، الطريق الوحيدة التي حُقَّ لها المسير، يستثقلونَ خطوهم فيميلون نحو الطرق المختصرة وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا.
وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك. نحنُ الخليفة الذي ينسى ثم يتذكر ثم ينسى ثم يتذكر مُصابون بالدَّوار، وبالذاكرة الضعيفة، والعقل الكليلِ الثقيلِ...
يحدثُ أن هذا الكتابَ غيضٌ من فيضٍ، ويحدثُ أن الطاهر الحداد فردٌ من بين كثيرين تركوا لنا أثرا لنعلم - على الأقل- منْ نحنُ! ويحدث أن أمثال هؤلاء لم يحملوا في أيديهم غير عقولهم الفذة وأقلامهم الثائرة وكلماتهم الصادقة فكان الردُّ الرادعُ لهم حذفهم من سجلات الأحياء. ولكن فلنقِس على هذا الغيضِ علنا ندرك الفيضَ، ولنغُص في الفردِ علنا نستوعب الجمع فنَشعُر بفداحة موقفنا هذا اليوم. فكأن تاريخَ الانحطاط يعيدُ نفسهُ وكأن الداء هو ذاته وكأنّ الذي يخادعنا مايزال يردد "فبعزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينْ" وكأنَّ شعوبنا مجبولة على الفصامِ هَربًا من ماضٍ لحوح وتكليفٍ لا يقل غلاضة وثمنا عن غليضِ قولِ الحقِّ. ما كل هذا الصداع؟ أليست الحياة بسيطة؟ ألسنا أفضل هكذا دون ذاكرة؟ كلا.
كُتيّب عتيقٌ أجده في يدي بينما أقلب مجموعة من كتب أمي القديمة، غلاف أزرق داكن يلفه الغموض. لا عنوان ولا حرف. غلاف جلدي وحسب كأغلفة المدونات التي يَرُوج بيعها هذه الأيام. ببساطة، كتابٌ منسيٌّ بداخله جواهر. أفتح دفتيه فضولا فإذا بها خواطر للطاهر الحداد. جمعت بحبٍّ وأمانة شديدين. حتى أن جامعها لم يبخل بإضافة المخطوطات الأصلية بقلم صاحبها. تصفحته ثم وضعته داخل مكتبتي وقد أبطنت نية استخراجه وقراءته في أول فرصة تسنح. وكان..
في 1933، قبل سنتين من تاريخ وفاته، انكب الحداد على تدوين خواطره، والتي سيستودعها روحهُ. تجدُ أحيانا من خلال حرفه ميلا إلى تلك السُّخرية اللاذعة المرة، ولعلها آخر حيل من اصطدم طويلا بجدار غفلة قومِه، فالتجأ للعلاجِ بالضحك المُرِّ، وبالصّدمة اللطيفة. وتجدُ في أصول ذلك روح دُعابة وشخصية مبهرة وقدرة عالية في خلق الصُّورِ وابتداع المجازِ واجتراحِ الحكمِ. كتيبٌ لا يسهبُ في الحرفِ، ولا تطول بداخله النُّصوصُ. إلا أن فيه معنى عظيما