في هذا النص يدون الشيخ أبو طير ذكرياته عن هذه المسيرة الطويلة، جندياً وقائداً وأسيراً، في سيرة يتماهى فيها الخاص مع العام، وتتجاوز التأريخ للشخصي لصالح المجموع ، لتقدم إضافات مهمة لدارسي العمل الإسلامي، وتأريخ المقاومة الفلسطيني، من ذلك: - الإضاءة على التحولات التي شهدتها الثورة الفلسطينية، فالشيخ أبو طير يشكل نموذجاً لهذه التحولات، إذ إنه بدأ عمله المقاوم في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) ، كرد فعل على احتلال عام 1967، ثم كان من مؤسسي الجماعة الإسلامية في السجون، فقيادي في الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وتسجل هذه الذكريات هذا التحول وتقرأ أسبابه. - التأريخ للجماعة الإسلامية في السجون، ولرجالها، وبيان دورها في تأسيس العمل الإسلامي الوطني في فلسطين ، وصراعها مع فصائل منظمة التحرير. فالشيخ أبو طير أحد مؤسسي "الجماعة"، وأبرز رموزها، وستكون ذكرياته عن هذه الجماعة، والتي سجلها في باب من أكثر أبواب النص تفصيلاً، من أبرز ما كتب عن هذا التاريخ . - تأريخ العمل العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، ففي النص تسجيل لمسيرة هذا العمل، من خلال مسيرة الشيخ أبو طير، الذي رافقه من لحظة التأسيس إلى لحظة الذروة، ويورد النص آراء جديدة في قضايا حساسة في هذا التاريخ، كتفاصيل الجهاز العسكري، الذي أسس أواسط التسعينيات [من القرن الماضي] في الضفة، ودور الأسرى في التأسيس لهذا العمل وتطويره، وروايته عن ملابسات استشهاد المهندس محيي الدين الشريف. - التأريخ للحركة الفلسطينية الأسيرة بعين جديدة، فالنص يفتح أفقاً جديداً في هذا التاريخ، بتسجيله رؤية أحد أقدم أسرى الحركة الإسلامية، ويبين نظرته لتفاصيل الحياة الداخلية لمجتمع الأسرى في فترات زمنية مختلفة، كما يبرز دور أسرى الحركة الإسلامية في الصراع مع السجان، خصوصاً في "الإضرابات"، التي خاض الشيخ أبو طير أبرزها، وساهم في قيادة بعضها . - الكشف عن أدوار، والتأريخ لرجال ونساء، اختفت أدوارهم بسبب ظروف العمل المقاوم وسريته، أو لتطاول الزمن وعدم حفظ سيرهم وتدوينها في كتب التاريخ، كوالدته، والمهندس حسن القيق.
باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، منشغل حاليًا بالبحث في تاريخ الفعل العسكري الفلسطيني خلال حرب 1947- 1949، كجزء من اهتمامه البحثي في تاريخ المقاومة الفلسطينية المسلحة، وتاريخ الحركات السياسية الفلسطينية المعاصرة. مرشح دكتوراة علوم اجتماعية، جامعة بيرزيت. ----- Researcher in Arab Center for Research and Policy Studies, His current research interests concentrate on the history of the Palestinian military action during the 1947-1949 war, He is a PhD candidate in social sciences, Birzeit University.
تحفة تاريخية ثمينة تضيء على جوانب منسية من حياة الأسرى والمقاومة الفلسطينية...
في هذه الذكريات، كما أحب الشيخ أبو طير تسميتها باسمه الحركي "سيدي عمر" نسبة إلى القائد الشهيد المجاهد عمر المختار رحمه الله، يتحفنا الشيخ أبو طير حفظه الله بسرد ماتع وبديع لأبرز أحداث حياته ومواقفه، وخصوصا عن الجانب النضالي والجهادي في حياته.
يتناول فيها الوضع العام ما بعد حرب النكسة، وأوضاع الثورة الفلسطينية حين كانت في بيروت، ودوره في تشكيل الخلايا الأولى في القدس والعمل النضالي عموما، ويتدرج إلى أن يصل الى الاعتقال الأول الطويل (13 عاما)، ويستفيض في حديثه عن نشأة الجماعة الإسلامية في السجون والتي هو كان مؤسسها في سجن الرملة. ويتطرق الى حالة الرفض من العموم الاعتقالي لظاهرة وجود حزب أو جماعة إسلامية، عدا عن أنها خارج منظمة التحرير، ويسير بنا مع أحداث فرض من خلالها مع إخوانه الأوائل وجودًا ولو ضعيفًا للإسلاميين داخل السجون وذلك وسط المد الشيوعي في سبعينيات القرن الماضي.
ويأخذنا في حديثه لاحقًا عن فترة ما بعد الإعتقال الأول بعد خروجه في صفقة تبادل 1985، والدأب المتواصل للنهوض بحالة نضالية مقاومة في فلسطين، مما يودي به إلى السجن مع أخوة كانوا معه في الاعتقال الأول، وتستمر دائرة المواجهة والاعتقالات من أبو طير والمحتل، إلى أن تصل لمرحلة الانتخابات في منتصف العشرية الأولى من الألفية الجديدة، ويترشح أبو طير عن كتلة حماس البرلمانية لمنطقة القدس ويفوز بعضوية المجلس التشريعي، لتبدأ سلطات الاحتلال بتدفيع حماس ثمن اختيار شعبها لها!!
يمر أبو طير في ذكرياته بمحطات مهمة، كان حديثه عنها بارزًا ولافتًا نظرًا لقلة من كتبوا عنها وتناولوها في كتاباتهم، كما تنضح كلماته عزًا ورفعةً في وجه المحتل، ولا تزال معركته مشرّعة مع هذا الاحتلال إلى هذه اللحظة، فهو كالزائر بين أهله، فسرعان ما يعود إلى لهيب القيد الذي يمكن أن يكون قد نال من جسده بعض الشيء، ولكن قطعًا ليس من روحه وعنفوانه بإذن الله.
حفظ الله الشيخ محمد أبو طير - أبو مصعب الخير - وجزاه عن المسلمين والدعوة خير الجزاء. كذلك الشكر موصول للصديق والباحث في تاريخ المقاومة الفلسطينية المسلحة: الأستاذ بلال شلش على إثراءه المميز لحواشي النص وتاريخ الشخصيات المذكورة، وملحق الصور والوثائق، ولا ننسى مركز الزيتونة للدراسات، والذي يثبت يومًا بعد يوم، أنه حريص على كل حرف يُكتب عن فلسطين.
وختامًا أقول: أبو طير له فضل كبير بعد الله عز وجل على كل أسير فلسطيني، فجهوده مع إخوانه أثمرت حالةً معيشية أفضل مما كانت عليه السجون سابقًا، وجهوده في فرض وجود الإسلاميين على كافة الفصائل وإدارة السجون لا ينكرها عاقل أو منصف.