في السادسة والنصف من هذا المساء لن يعبر غراب الربع الخالي فوق مبنى البنك المركزي في الحي التجاري بروي؛ لأنه لسنوات طويلة تلا وصاياه وصرخ في وجه الكارثة، وقال للبلاد والعباد ما يقوله الشاعر للقصيدة، ما تقوله الرصاصة للقتيل، ما تقوله الشجرة لناي الصوفي ما تهمس به الجبال للرعاة والجفاف، ولكن البلاد والعباد اتهموه بالجنون والحسد والخيانة.
لقد كان مقرُّ عملي سابقاً لأكثر من عامين في "روي" لكنني لم أجد هذا الكم الهائل من الوصف والتفاصيل كما سرَدَها الكاتب "حمود سعود" في كتابهِ: "غُراب البنك ورائحة روي" نعم فلروي رائحة مميزة تنتشلك من "الحي التَّجاري" صعوداً إلى "بيت الفلج" ماراً بالإشارات والازدحام والذكريات.
عندما تتصفح هذا الكتاب وتغوص في كلماته، سترى مسقط الساحرة من منظور آخر، سيُدخلك في بعض ولاياتها وأزقتها وحاراتها، ستصقلك شمسها القوية، ستكلمك بعض حيواناتها، كالصقر مسلوب الارادة، الذي يقبع صامداً في دوار العامرات، وحمار مسقط الحزين، الذي يهوى سرد الحكايات، والخيول التي تجر مدفعاً أسود لا مغزى له في دوار البجرية في العامرات، والظبي الذي هرب عندما اجتاح الاسمنت صحاري وسيوح العامرات.. .. يجب أن تستيقظ مبكراً، لترافق الكاتب في رحلته إلى روي، التي تحولت إلى مدينةٍ تحتلها الجالية الهندية، فأصبحت لا ترى فيها موضع قدمٍ إلا ورأيت أحدهم.. ثم سيعود بنا الكاتب إلى العامرات، حيث سننطلق من مدينة النهضة، مروراً بجبال الحجر الشرقية، ندور في بعض الدوارات ونصل إلى وادي عدي ذات الجبال الفريدة.. وفي وقت آخر سنصعد إلى عقبة العامرات- بوشر على ظهر حمار مسقط الحزين، وسنرى من خلال عينيه بعضاً من ملامح مسقط الحديثة، كالعمارات والموانئ والشركات والبنوك، ثم يعود بنا إلى العامرات فنرى القوافل القديمة والحروب الاهلية الازلية، ونعود إلى حيث بدأنا ولا يعود الحمار.. .. سبق وأن أبديتُ رأيي في أسلوب الكاتب حمود سعود في ملخص كتاب "المرأة العائدة من الغابة تغني".. أسلوب جميل ومبدع، وأتمنى بأن أحظى بفرصة لقراءة إصدار آخر من إبداع الكاتب.. .. وأشكر من له الفضل في التعرف على هذا الكاتب العماني الذي يستحق بأن نقرأ أعماله ونشيد بها في المحافل..