السيرة الذاتية الحبيب السائح كاتب جزائري من مواليد منطقة سيدي عيسى ولاية معسكر. نشأ في مدينة سعيدة، تخرّج من جامعة وهران (ليسانس آداب ودراسات ما بعد التخرّج). اشتغل بالتّدريس وساهم في الصحافة الجزائرية والعربية. غادر الجزائر سنة 1994 متّجها نحو تونس حيث أقام بها نصف سنة قبل أن يشدّ الرّحال نحو المغرب الأقصى ثم عاد بعد ذلك إلى الجزائر ليتفرّغ منذ سنوات للإبداع الأدبي قصة ورواية. § صدر لـه : - القرار : مجموعة قصصية، سوريا 1979 / الجزائر 1985. - الصعود نحو الأسفل : مجموعة قصصية، الجزائر، ط 1، 1981، ط 2، 1986. - زمن النمرود : رواية، الجزائر 1985. - ذاك الحنين : رواية، الجزائر 1997. - البهية تتزيّن لجلادها : مجموعة قصصية، سوريا 2000. - تماسخت : رواية، دار القصبة، الجزائر 2002. - تلك المحبّة، الجزائر 2003. - الموت بالتّقسيط : قصص، اتحاد الكتاب الجزائريين 2003. § ترجمت لـه إلى الفرنسية : - ذاك الحنين 2002. - تماسخت 2002. الوصف الحبيب السائح الذي يعيش بين سعيدة التي احتضنته صغيرا، وأدرار التي احتضنته كبيرا، أشبه ما يكون بالساعي بين الصفا والمروة،على اعتقاد لا يتزعزع، بأن قارئه، يسكن هناك في جهة المستقبل.
زاوي حمودة 22/07/2023 رواية تلك المحبة، ليست لجميع المستويات!
تلك المحبة،رواية اللازمن والتي تحمل قضية كل الأزمنة.
لقد أبدع الحبيب السائح في طرح العقد النفسية والجنسية كاشفا عن واقعنا الحقيقي المعيش؛ الذي نرى فيه حرجا وتخوّفا وعيبا للحديث عن عالم الجسد والجنس في الأماكن الخاصة، أو بين المملوكة وصاحبها، هذا العالم الذي يُبغض ويُهان فيه المخنّث، وينكر فيه اللقيط الذي ليس له الحق في البحث عن هويته ؛ بل يتجهون إلى أنّ هذا الفعل خطيئة وعار وفضيحة وأشياء قذرة وبديئة، وهذا ما نلمحه فيما بعد في شخصية سلو وتبو.
هذه الرواية هاربة من الزمن العباسي، فهي عملية نقل مضنية من مستويات لغوية متداخلة إلى مستوى لغة السرد التي هي تلك اللغات جميعها والتي ليست في تشكلها النهائي سوى لغة اللغة، أي اللغة السليمة البكر التي لم تشوه، فالهاجس الأول للكاتب الحبيب السائح هو الحفاظ على سلامة اللغة وتخليصها من الشوائب واللهجات والدارجات، التي نراها تسيء للمتن اللغوي وحتى البنائي، فالقارىء الغير جزائري سيجد صعوبة في الفهم والربط بين الأحداث إن كثر اقحام اللغة الدارجة الدخيلة، ويمكننا القول أن المتن الجزائري، اكتشفت هذا التفاعل، بين تلك المستويات اللغوية، الذي تنتجه الرواية الجزائرية بوعي غالبا، وبغيره تحت ضائقة فقر القاموس ومحدودية البدائل التعبيرية، ولكن لسنا بحال سيئة مثل الكتاب في المشرق الذين يكادون يكتبون كما يتكلمون مع الأم مع الأصدقاء، في العمل في خارجه في الحافلة في المقهى في الطائرة، ومن غير أدنى شعور بالاغتراب والبذنب تجاه هذه اللغة! إن كتابة الرواية في الجزائر يؤرقها التوفيق بين لغة اليومي الضاغط الراكض المنزلق الزئبقي وبين اللغة الشعرية المبحوث عنها، المنقول إليها، التي وحدها تعطي الرواية شرعية النصية الروائية، لكن الحبيب السائح كان استثناء، فلقد نجح في التوفيق بشاعرية بين اللغة العربية القوية والأصلية و بواقع معيش يحتاج لاقحام مصطلحات جديدة، فراهن على إنشاء استعارة وليس على إقامة مرآة عاكسة يكفي خدش فضتها كي يزول كل شيء، تجنب التنزول إلى مستوى الصعلكة والرداءة.
وأما المسافة الزمانية بين بناء النص، أي تشكيل هيكله وبين تأثيثه، أي تصفيته من جميع نفاياته، فإنها من الاستغراق الذي يفوق كل تقدير مسبق لوضع نقطة النهاية، فالنص، بعد أن اكتسب ملامحه الأساسية، صار كائن زماني لا يوجه الكاتب فحسب، إلى مسارات أصبح النص يطلبها وإلا حرن أو انحرف ومن ثمة تشوه، ولكن يحتل ذات الكاتب ويتحرك فيها بالوجع حينا وبالنشوة حينا وأحيانا كثيرة بالقلق الدائم على لحظة استكمال وجوده، لقد مرت الفصول في ثنائيات جميلة، تزاوجت فيها المغامرة والشوق والإشباع، بلغة ممتنعة مرنة أسطورية، وكأنك، حين تقرأ، تمر في دهاليز ألف ليلة وليلة، تتلذذ اللغة والمشاهد الإيروتيكية أحيانا والموغلة في تفكيك المحبة أحيانا أخرى، و عبر الفصول، يمكن للقارئ ملاحظة أو شم رائحة الصراع النفسي العميق والحاضر بعذاباته الدائمة، بين الدين والأشواق / الرغبات وفتنة الجسد؛ جبرائيل و مبروكة، بليلو وماريا. في العتبات؛ كانت العنونة سيدة المقام. " تلك المحبة " وفيها كل شيء؛ مركز الكون وتيه الإنسان؛ بحثه الدائم عن تاوزن وسكينة تكفيه عناء الإرتباك والقلق، وكان الخيام وأبو حيان التوحيدي مقامين مهمين لدخول عوالم المحبة، وكانا مفتاحين لقارئ حقيقي يجيد فك شفرة القراءة، فيكون له شرف الكرسي والدخول والإنصراف، سمرا وسهرا على نغمات تجتذب نعومتها من نوافير الأندلس، وتاريخها من مشارف القدس إلى باب المغاربة، هناك أيضا تأثر واضح، من جهة الكاتب، بعربية القرآن؛ التي ظهرت عبر جل مراحل النص، وكذلك النص الشعري الشعبي، الذي طعّم النص من وقت لآخر، و الذي أضفى بهاء وروحا دافئا، اعتماد الكاتب عبر كل محطات الرواية على تقنية سرد، تركت النص حيا ومنتعشا، لم يبعث على الملل بل كان يلح كل مرة ويذكي الفضول لمعرفة البقية. بدأ السارد النص بضمير المتكلم القائم على المكان والزمان، ثم لم يكد يستقر على الطريق ( محور السرد) حتى لبس ثوب الغائب والمخاطب بمرونة وموسيقى اختفت وراءها الضمائر ورقصت في حواريات صهدت أرواح النص على لوحة المحبة، كما استعمل السائح تقنية الإسترجاع أو الاستذكار بلغة ساحرة ومثيرة، عرج بها الكاتب على الحروب التاريخية الدينية، وأشار إلى الإنتقامية التي تولدت عنها، كما استعمل " الفلاش باك " في ربط مراحل مهمة من حياة الرواية، بشكل مرن وجميل، بعبارات دقيقة ومدروسة، وهذا ماجعلنا نقر أن الرواية تجريبية بلغة جاحظية معطاءة وغزيرة، غنية بالصور المختلفة، والتشبيهات الجميلة، كما ظهرت نوستاجيا الصحراء والرمال والنخيل، فنادرا ما نقرأ أعمالا بهذه الصنعة والاحترافية، دارت أحداث الرواية في حيز غلب عليه الإستقرار، بالرغم من أن معظمها كانت في أرض توات، لكن ذلك لم يمنع من الإنتقال إلى أماكن مختلفة من ربوع الجزائر، كالإنتقال إلى كردان، بعين ماضي مهد التيجانية بولاية الأغواط، تعرض النص أيضا للتراجيديا التي يحدثها صدام الحب مع الدين وممارسة الخطيئة، وكان ذلك عبر لوحات أتقن الكاتب ألوانها ومنحنياتها.
يعالج الكاتب الحبيب السائح حالات كثيرة في الرواية متعلقة بالجسد مستخدما التورية والتلميح في سرد المشاهد الجنسية، موضّحا في ذلك أنواعه، كما أنّه يكثر في وصف الجسد الأنثوي بوصفه جسد المتعة، إذ نجد الرجل مرة يروي عن جسد الأنثى وانفلاته و مرة أخرى عكس ذلك تماما. نلتمس من قراءتنا لنص "تلك المحبة" عدة ثنائيات على شاكلة الجسد بين الطهارة والرذالة، أو بين عالمي الدناءة والطهارة (السمو)، أو بين الجسد /الدّين، فهو يخضعه إلى سلطة الدّين والمجتمع، ويصوغ ذلك ضمن المربع السيميائي باعتباره مجموعة منظمة من العلاقات المبرزة لتمفصلات الدّلالة والذي يهتم بتمثيل المعنى ودلالات النصّ وإظهار العلاقات الإنسانية المعقدة، يبقى كل من المصطلحين المتمثلين في "الطهارة والرذالة (النجاسة) حاملين لشحنتين متعارضتين تخّولان لأحدهما أن يجدب والآخر أن ينبذ، وتجعلان الأول شريفا يبعث على الاحترام والحبّ والتقدير، والثاني خسيسا يثير النفور والرعب والاشمئزاز"، والملاحظ لنص تلك المحبة يدرك تماما أنّ محور السرد هو الاحتفاء بالجسد "الأنثوي والذكوري" كونه محمّلا بإشارات كثيرة )الإغراء، اللذة، الرغبة، الشهوة، الانصهار، التلاحم، المحبة. العشق..) ؛ إلاّ أنّ الكاتب لا يظهر الجسد فقط على أنّه "مجرد جسد يفيض لذة وشهوة"[11]، بل يعلن عنه مشيرا إلى الجانب الفكري والثقافي والفلسفي لدى المرأة (المرأة الصحراوية) في ذكائها ودهائها وفي حبّها ومكرها، وأسرارها، تمثل المقابلة بين الطهارة والرذالة المولّد لمقابلات أخرى تهدف إلى تنظيم الدلالة والمعنى عبر نص تلك المحبة، فهي تتضمن تيمة الطهارة على النبل والشّرف والمودّة، والحياة والاحتواء والاستمرار، وتتضمن أيضا تيمة الرذالة على موت الجسد، والألم، واللاشرف، والمكر والخداع واحتقار الذات واللاإنتماء والمثلية والاغتراب والتهميش، عند التوغل في الرواية نكتشف عوالم كثيرة للجسد (ذكورة، أنوثة)، حيث يطرح الكاتب الدّلالة العميقة للجسد وعلاقته بالآخر وبهويّته، وبالمكان محاولا الكشف عن التركيبة النفسية للعلاقة الجسدية ليتعرّض إلى الجانب الفيزيولوجي لكلّ من الذكورة والأنوثة، إذ يرمز هذا المفهوم إلى عالم تؤججه "علاقة فعل وانفعال إيجاب وسلب، ومن ثمّ سيطرة ورضوخ"، إنطلاقا من هذا سنتحدث عن أنواع الجسد بين عالم الذكورة والأنوثة. يأخذ عالم الذكورة في النص بعدا أسطوريا، لنلمحه في شخصية إسماعيل الدرويش، وبعدا لا أخلاقيا، فنلمح الشذوذ في شخصية لدباري وتبو وسلو، وبعدا آخر يعبر عن القلق والحيرة والارتباك وقمع الجسد (الرغبة) في شخصية القسيس جبريل، حيث يتنوع حضور الجسد المتمثل في الجسد الذكوري المتسلط، وهو جسد يتعامل ويتصّرف مع الآخرين بالقوة والعنف في اكتساب المواقف، ومن بين الشخصيات نذكر شخصية لدباري، يمثّل هذا الأخير الشخصية غير السويّة، يستغل الآخرين لصالحه ولنزواته المستمرة، محكوما بالشهوة، لا يهتم بالدّين ولا بالعادات ولا بالقيّم، إذ تغريه أجسام الرجال أكثر من جسد المرأة، فيسعى إلى إخضاع كلّ من تبو وسلو تحت سلطته وأوامره، يفتقد إلى الضمير والأخلاق، منغمسا في ممارساته الجنسية، محاولا إشباع رغباته بطرق إباحية مع الذكور، فهو يفضل المثلية الجنسية ولا يأبه للإناث، تعتبر المثلية الجنسية من المواضيع المسكوت عنها في النصوص العربية بشقيها الذكوري والأنثوي، إذ تعدّ من المواضيع المثيرة والمحرمة في ديننا الإسلامي، على الرغم من تواجدها في تراثنا العربي الإسلامي، فيمكننا القول أن ثنائية الجسد/الهوية الركيزة الأساسية التي ينطلق منها الكاتب، ليتضح الحضور القوي للغة الجسد والمشاهد الجنسيّة ولغة الإغواء، لتنفلت اللغة والسرد، وتنهمك في رسم تفاصيله، وتوجهاته واستيهاماته، فيكون مثيرا للإعجاب والحفاوة والرغبة، وهي حفاوة تقود إلى ظهور نوع من السرد الكثيف الّذي ينشغل بالجسد ورغباته وخفاياه. أحداث “تلك المحبة" إعادة لإنتاج الواقع الجغرافي والتاريخي والبشري. فشخوص الرواية عاشت وتعايشت مع الواقع المعاد ترتيبه حتى في الجلسات العادية “كقعدة العيش"؛ إحدى الجلسات التي لها طقوسها ومنها وظيفة “سمّار اللحم" ومكانته الاجتماعية، في إشارة من الكاتب إلى أن المجتمع الأدراري محافظ على تراتبيته حتى في أبسط الجلسات.بالمناسبة، أضيف للروائي إنه بالإمكان أن نلاحظ هذه التراتبية حتى في نوعية أجزاء اللحم ولمن تعطى. إنه تقسيم خاضع لطبيعة الجنس امرأة/رجل؛ فهناك أجزاء مميزة تعطى لجلسة الرجال دون النساء، كما تعطى للنفساء، التي تلد ذكرا، أكلها الخاص؛ عكس أخرى تلد أنثى فتعطى “عيش" الشعير ولحم الرأس، في “تلك المحبة" تتداخل عليك المرأة الرمز والمرأة البشر؛ فالمرأة الرمز كانت أدرار بامتياز؛ تبسط غوايتها على الكاتب بلا منازع. يصفها وصف الهائم في عدة مواقع من الرواية، بنخلها وعجاجها وأيام شمسها الطويلة، وصفا عجيبا، كما في فصل “خطي بشفتيك على صدري صبر النخيل" ص 15، فتحتار كيف اختار له الروائي تلك الدلالات. وفي ص 25 تأخذ المرأة معالم النخلة ذات القدم في الماء والرأس في النار، بصبرها وعطائها اللامتناهي، أما المرأة البشر فهي حاضرة في النص، بحسب التراتبية الاجتماعية؛ فللعرافات وأمثالهن ترتيب ووظائف ومهام أحيانا قذرة. ولنساء المجتمع المخملي ترتيبهن الخاص وممارساتهن العلنية والخفية. يعرض ذلك بغرائبية سردية تعلي من قيمة المرأة المكان والمرأة البشر، أما الرجل فكان له النصيب من الوصف والأحداث أيضا، إنهم رجال يتنبت الصبر من أنفاسهم. ب��اة الحضارة المادية، من بين معالمها الفقارات. إنهم الخلاسيون، كما يصفهم الكاتب. ورجال الدين والقضاء. وشخصيات أخرى ظاهرها يبعث على الهيبة والاحترام وخفيها الرذيلة. ورجال الحرب والتاريخ: الشيخ المغيلي. القاضي العصنوني، والمبشر المسيحي الأدب دو فوكو، الذي أصيب بإحباط، لما لم يستطع رد الطفل امبارك، المسلم بالنشأة، إلى المسيحية، إنه موقف يشبه كثيرا حال مستر سعيد في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال" وعند الحبيب السائح مواسم الهجرة إلى الجنوب ، الذي خاطبه البريطانيون: “أنت يا مستر سعيد خير مثال على أن مهمتنا في إفريقيا عديمة الجدوى، فأنت بعد كل المجهودات التي بذلنها في تثقيفك كأنك تخرج من الغابة لأول مرة". رواية تلك المحبة، ليست لجميع المستويات، إنها رواية القراء الصابرين، الذين يفتشون هنا وهناك، الذين يقرؤون ويعيدون القراءة، إنها رواية اللغة العربية القديمة/الحداثية، رواية الدهشة والمتعة.