و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات تمت قراءة خمسة أجزاء من هذا السفر في فترات بعضها يتصل بطرف بعض و بعضها متباعدة و هي في كلها تباعدت أم تقاربت متصلة أبدا بروح الشيخ...
في هذا الجزء لمست مرض الشيخ و هرمه؛ في كلماته و عباراته و التباعد الزمني لمقالاته كذا في قوتها التي خفت مقارنة بالأجزاء الأخرى و بالظروف المطوقة لتلك الفترة المتمخضة أساسا في ثورة 54 مثل هذه الكتب حين تتمها تختلط عليك المشاعر إذ تحس أنك تفقد وليدا يعز عليك فراقه و ليرحم الله الإبراهيمي في الأولين و الآخرين
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات -أنهيت اليوم ملحمة الإبراهيمي.. الملحمة أو آثار الإمام التى تحكى جهاد - ثلاث أرباع قرن- لم يعرف الراحة، وإصلاح ملأ جزائره فى سهولها وتلالها وأوديتها وجبالها حتى عادت البلد الذى كان ع وشك أن يكون دولة الجزائر الفرنسية، عادت لتكون دولة الجزائر العربية لغة والإسلامية دينا وثقافة، وبيان لم يبلغ شأوه معاصر إلا نادرا فحق به أن يكون شيخ البيان النثري لعرب القرن العشرين.. ومع هذا فالرجل لو تخفف من أعباء الجهاد والإصلاح لرأينا منه عجبا فى اللغة والأدب والبيان، لكنه ما كان ليؤثر على أمته فى أحلك أوقاتها شيئا، وكما قال عن نفسه :"ﻟﻢ ﻳﺘﺴﻊ ﻭﻗﺘﻲ ﻟﻠﺘﺄﻟﻴﻒ ﻭاﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻣﻊ ﻫﺬﻩ اﻟﺠﻬﻮﺩ اﻟﺘﻲ ﺗﺄﻛﻞ اﻷﻋﻤﺎﺭ ﺃﻛﻼ، ﻭﻟﻜﻨﻨﻲ ﺃﺗﺴﻠﻰ ﺑﺄﻧﻨﻲ ﺃﻟﻔﺖ ﻟﻠﺸﻌﺐ ﺭﺟﺎﻻ.. " وكان آخر ما خطه يراع الشيخ بيان دعوة للوحدة بين رجال الثورة وبناء الجزائر الجديدة على أسس هويتها وثقافتها لا على أسس من كادت أن تفنى الجزائر فى سبيل التحرر منه، وحدث ما كان يخشاه.
-أظن هناك شىء من التقليل من قدره فى المشرق حتى أنى أرى فى ترشيحات القراءة للأدباء المعاصرين يوضع فى مرتبة متأخرة. -هذه الآثار ليست كل ما خطه القلم الإبراهيمي لكن يوجد ما هو مازال مخطوطا وقد ذكر كامل تصنيفاته فى هذا الجزء.
تزامنت الأحداث التي احتواها هذا الجزء مع اندلاع الثورة التحريرية المسلحة و كذلك مع مرض الشيخ الإبراهيمي الذي أجرى عملية جراحية لعلاج كسر على مستوى العمود الفقري أقعده الفراش شهورا طويلة ولكنه لم يقعده عن الجهاد بقلمه، وبقول كلمة الحق التي كان يصدع بها في مقالاته و مراسلاته و كلماته التي كانت تبث في الإذاعات، وتُلقى في المؤتمرات، وتُكتب في المجلات عمل الشيخ على جلب المساعدات المالية و المعنوية، وجذب الرأي العام العربي و العالمي لتسليط الضوء على القضية الجزائرية، وقد قامت السعودية بإخراج القضية الجزائرية إلى الرأي العام الدولي عن طريق ممثلها في هيئة الأمم بطلب الشيخ من الملك السعودي. خلال قراءتي لهذا الجزء، شعرت بحرقة الإبراهيمي على بلده، و عجزه عن العودة بسبب المرض الذي أقعده الفراش، و منعه من السفر و أخر عودته إلى فجر الاستقلال، و قد شكر اللهَ الشيخُ الإبراهيمي أن رزقه نعمة العيش تحت سماء وطنه حرا من قيد الاستعمار، الذي كرس حياته لمحاربته مع رفقائه من رجال الجمعية بعد شيدوا حجر الأساس للجهاد، بتحرير العقول و الأرواح من المستعمر بالعلم و الدين، وبناء أكثر من أربع مائة مدرسة، و تشييد أكثر من سبعين مسجدا في مختلف مناطق الوطن،حتى يسهل تحرير الأجساد والأرض فيما بعد. لم يكن سهلا فراق آثار البشير الإبراهيمي وعلمه و لقد ترك في نفسي أثرا لا يُمحى، رحمه الله تعالى و أحسن إليه و رزقه جنة الفردوس الأعلى