مما عنِيَ به الشيخ عبد الحميد الفراهي رحمه الله الحديثَ عن نظام القرآن وتناسُبه، فألَّف هذا الكتاب. وكلامُه فيه يلتقِي مع ما كتَبَه الشيخ عبد القاهر الجرجاني رحمه الله في «دلائله» من الحديث عن النظم وسرِّه في بيان المعنى، وتعلُّق الإعجاز به, وما إلى ذلك. وافترقَ عنه بما أوردَه الشيخ عبد الحميد فيه من النُّكت التي وقف عليها، والفوائد التي اهتدى إليها.
Hamiduddin Farahi (18 November 1863 – 11 November 1930) was an Indian Islamic scholar known for his work on the concept of nazm, or coherence, in the Quran.
He was instrumental in producing scholarly work on the theory that the verses of the Quran are interconnected in such a way that each surah, or chapter, of the Quran forms a coherent structure, having its own central theme, which he called umood. He also started writing his own exegesis, or tafsir of the Quran which was left incomplete on his death in 1930. The muqaddimah, or introduction to this is an important work on the theory of Nazm-ul-Quran.
لئن أعلن الجرجاني في دلائله أن سر إعجاز القرآن في نظمه، فإن الفراهي يدلل لك على ذلك ويؤصله. فعليك بدلائل الرجلين فإن فيهما علما وكنزا.
هنا استعرض الفراهي -تغمده الله بواسع رحمته- دلائل نظام القرآن، وأشار إلى دلائل الوصول لذلك، وقد سجلت معه بعض الأسرار وهي: ١- النظر في نظمه. ٢- الاستدلال باللوازم. ٣- النظر في محل السورة.
وهو مع قوة تدليله -كما شبهه البعض بابن تيمية في ذلك- لم يكتف بالتنظير، ففي نهاية الكتاب استعرض عمود كل سورة وموضوعها استدلالا يجب أن ينال اهتمامك لا سيما إن كنت من المهتمين بمسائل "التفسير الموضوعي للقرآن الكريم".
أشعر بالخزي أمام هذا العالم النحرير لأمرين: الأول: حداثة معرفتي به وبعلومه. الثاني: عجمتي كعربية أمام فصاحة ذلك العالم الهندي.
ويكفيك أن تعرف أنه متقن للفارسية والإنجليزية والعبرية إتقانا منحه حق الترجمة والإشراف على بعض الكتب المترجمة في المناهج الدراسية! ناهيك عن سعة علمه فقد تعلم الفلسفة والترجمة وعلوم الشريعة والعربية، وهو مع ذلك حينما تقرأ له تجد في كتاباته الشرعية نفسا أصوليا غير متأثر بالعلوم الأخرى بل مستخدما لها في خدمة هذا العلم (مثال: استفادته من معرفته باللغة العبرية في ترجمة التوراة والاستفادة منها في فهم بعض القصص القرآنية، أو بيان انحرافها في مجال الدعوة).
الرجل عالم نحرير ولا يضره كونه مغمورا بل يضرنا ويؤذينا، أجد في مؤلفاته مجالا للانطلاق في تأسيس نظريات وتوسيع لكثير من المدركات. أختم بنقل لإحدى مقدماته التي أدهشتني أيما إدهاش! وكأني أسمع خطبة للنابغة أو لبيد:
"الحمد لله الذي خلق من ذوات الأجنحة ما عوج مناقيرها وحدد مخالبها أشرا . صقرا وأجدل ونسرا . وعقابا تأخذ في شماريخ الجبال وكرا . ومن رواقصها وسواجعها ومكللة الرؤوس ومزينة الريش كأنها كسيت يواقيت وتبرا . هدهدا وطواويس و قمرا . وصلصلا وحماما خضرا .. فكل يحمد الرب وكل قد علم صلاته وتسبيحه برا . والحمد لله الذي حسر الماء عن وجه الأرض فجمعه بحرا . وخلق فيه سمكا ذوات زعانف و جردا، وما ألبسها عظما، وما ألبسها قشرا . سلاحف وتماسيح تشمس على الرمال إذا أحست قرا ، وما يمج مرجانا وما تجن في بطونها درا ...."
هذا الكتاب رشّحه الأستاذ عمرو الشرقاوي في كتابه الدليل إلى القرآن، والذي نتناوله الآن في البرنامج المبارك "الارتباط بالقرآن المشوّق إلى رمضان" .. أذكر هذا بدءاً من باب الشكر وكذلك لأرشّح للمهتمين كتاب (الدليل إلى القرآن) الغنيّ بترشيحات كتب جليلة في علوم القرآن. عنوان "دلائل النظام" لفتني .. وشدّني موضوعه .. فكان أن ابتدأت بقراءته فوراً بعد الدليل إلى القرآن والتهمته في أيام معدودات .. فوجدت فيه ما قرّت به عيني.
قرأت من قبل في إعجاز القرآن وفي علم تناسب الآي والسور وكذلك في معالم السور .. لكن لم أقرأ من قبل كتاباً مثل هذا الكتاب في هذا الباب .. الشيخ الأستاذ الفراهي من السابقين إلى تبويب هذا العلم "نظام القرآن" فصاغ أصوله وفصوله التي أوردها في كتابه .. صحيح أن الكلام فيه يلتقِي مع ما كتَبَه الشيخ عبد القاهر الجرجاني رحمه الله في «دلائل الإعجاز» من الحديث عن النظم وسرِّه في بيان المعنى، وتعلُّق الإعجاز به، وما إلى ذلك .. لكنه افترق عنه بأنه لم يكتفِ بوضع الأصول بل قام بعدها بتوضيحها عملياً فالكتاب مختوم بأمثلة غنية، وكذلك بنظرات أثيرة في نظم بعض السور، وكذلك تميز عنه بما توقّف عليه وما اهتدى ووُفّق إليه من معاني عزيزة لن تجدها في غير هذا الكتاب.
نأتي إلى لغة وأسلوب الكتاب .. الكتاب بنيانه اللغوي لا تميّزه عن كتب العرب الخلّص أمثال ابن القيم وابن تيمية. ذوق الشيخ الفراهي عربيّ خالص لا تشتبه في أنه من أصل غير عربي؛ فالإمام رحمه الله بدراسته العميقة للغة العربية وآدابها وعلومها قد صار عربيا في التعبير والتحبير. وله اطلاع واسع على أساليب الأدب والبلاغة من علم البيان والمعاني والبديع، ودراية بتعبيرات الصحف السماوية والأحاديث والآثار، وتضلُّع من اللغات الأجنبية. وهو فوق ذلك يتميز بقدرة فائقة على الشرح والتحليل والتطبيق، وجرأة نقدية تجدها في الكتاب في عدة مواضع. انظر تعليقه هذا: (وظن بعض العلماء كالباقلاني رحمه الله تعالى أن الغرض من تبديل الأسلوب إظهاء الإعجاز. وعندي والله أعلم أن الإعجاز ليس من أغراض الكلام إنما هو من لوازمه. فالغرض من اختلاف الأسلوب ليس إلا زيادة فائدة غير ما كان، لأجل ما ينبغي في الكلام من الحسن والصيانة عن التكرار. فإن الشيء الواحد إذا تراءى لك مراراً بأطوار كثيرة لا بد أن تفهمه تماماً. فإن فاتتك منه لمحة ستأخذ بك منه أخرى .. كما قال تعالى: "انظر كيف نصرّف الآيات لعلهم يفقهون" سورة الأنعام آية ٦٥).# هكذا تجده يطرح نقده وما لديه في هدوء وأدب واحترام للمتقدمين.
بعض الفصول الجليلة في هذا الكتاب مات عنها المصنّف رحمه الله ولم يكملها .. وقد أحالنا جامع الكتاب إلى تفسير نظام القرآن وتأويل الفرقان .. وأرجو أن أجد فيه ما يسير تتمةً لما هنا فتكمل به المنفعة. فالروح تعطشت لتتمة ما قرأت .. رحم الله الشيخ الفراهي.
هذه بعض الكلمات النفيسة سأحتفظ بها هنا:
** في نظم القرآن دليل على نظم الديانة كلها .. فإذا تدبرت في القرآن هديت إلى حكمة الدين ونظام أموره.
** فإذا كانت الحقائق توافق بعضها بعضاً؛ فكل حق ينكشف لك يكشف لك عن مناسبة جديدة بين هذا وبين ما عندك من الحقائق المعلومة من قبل، فكلما ازددت علماً واحداً ازددت علوماً فيما علمت. وهكذا الأمر في القرآن .. فإنك كلما ازددت علماً رفع لك ستر عن معانيه ...
** فإن علمتَ أن كل حق يوضح لك وجهاً آخر لمعاني القرآن مؤيداً ومثبتاً وموضحاً لما عندك من الحقائق الثابتة؛ وجب لأجل فهم القرآن طلب كل علم صحيح!! وهكذا هدانا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال: "الحكمة ضالة المؤمن" ..
وكأن هذا الرجل أعطي جوامع الكلم ،وكأنه فسر القرآن تفسيرا كاملا فهذا القطع اليسير درة كامنة حري بنا أن نرشد إليه ونسترشد به ، ونعيد طباعته في حلة تليق به.
فبهذا اللسان الأنيق والمنطق الحكيم يحق لهذا الكتاب أن يكون في مصاف كتب المتقدمين فأزعم أنك ستخرج بقلب وعقل ولسان جديد ريثما تنتنهي منه.
فمن أراد أن يشرب ولا يسكر ويغوص ولا يغرق فعليه بهذا الكتاب.. أحبوا هذا الرجل... "إن القران ذات وجوه كجوهرة ذات جوانب ترمي بالشعاع من جهات شتى ومع ذلك يهدي إلي سبيل واحد" الفراهي
دلائل النظام عبد الحميد الفراهي "الحمد لله الصانع الخلق على أكمل نظام وأحسن قوام'' هكذا افتتح الفراهي كتابه دلائل النظام الذي أراد من خلاله الاستدلال بوجود نظام متسق في القرآن، وسعى أن يرشدنا إلى طريقة معرفته واستنباطه، وقسم الكتاب شقين شق نظري كلام في دلائل النظام ورد الاعتراضات عليه،وشق عملي يضرب صاحبه الأمثلة بسور متفرفقة في المصحف على نظامها واتساقها جملة مع سباقها ولحاقها من السور وتفصيلا بين الآيات فيما بينها . 1.الشق النظري 1.1 اعتراضات القائلين بعدم نظام القرآن 1.1.1 النظام لا يمكن إدراكه النظام يستحيل إدراكه وليس من مهمات الدين والقرآن للعمل به لا للاستنباط والاستمتاع بلطائفه ونكات بلاغته. ورد الفراهي أن صاحب الاعتراض يظن أن لطائف البلاغة و وجوه الاعجاز ومعرفة النظام مقصودة لذاتها، بينما المقصود التدبر والنظام ستدركه تبعا للتدبر. 1.1.2 تفرق الأمة تفرق الأمة طوائف شتى يجعل كل طائفة تتمسك بما يؤيدها من ظاهر الكتاب وتأويله تأويلا خاصا 1.2 دلائل النظام 1.2.1 القرآن نفسه يدلك على تنظيمه جميعنا نسلم بالتنيظيم في الآية وما جاز في الآيات جاز في طوال السور وقصارها 1.2.2 الربط الذي تجد في موضع تلقاه في موضع آخر وضرب أمثلة على ذلك 1.2.3 طي الأمور في موضع ونشرها في موضوع آخر 1.2.4 نظم الديانة دليل على نظم القرآن الذي هو أصل الديانة وضرب مثالا على ذلك أن الشكر هو أصل الإيمان 2الشق العملي 2.1 التدبر "من تدبر الكتاب ونظمه الحكيم اطلع على اعجاز بلاغته ودقائق حكمته " 2.2 إدراك أن للقرآن ظاهر وباطن وأن ظاهر القرآن نهتدي به ونسير من درجة إلى درجة وما تنقضي عجائبه، وباطنه لا يعارض ظاهره ولا يحرف الكلم عن مواضعه. 2.3 الإيمان بالآخرة ''إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذي لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا..." فليلتمس المرء إيمانه بالآخرة فهو سبب لادراك نور القرآن 2.4 النظر في الطرق النظر في الطرق التي تكشف عن طرق الآيات بين آيات السورة الواحدة وبعض السور ببعض وزيادة الجزء ،وضرب على ذلك أمثلة. 2.5 الاستدلال بالآية و المناسبة والترتبيب وفتح قوسا عقب ذلك حديثا عن ترتيب السور واعجازه وخفاء معناه،واختلافه وحكمة اختلافه، وقران الأمور وتقابلها و وجوب التركيز على الحذف الذي نمط من الأنماط العربية في الكلام فخير الكلام عندهم ما قل ودل، وإذ�� أخطأ المرء تقدير المحذوف فاتته حلقة من حلقات النظام 2.3 فن النظم لابد للمتدبر أن يكون على دراية بفن النظام مميزا بين النظام والمناسبة فتناسب الآيات والسور جزء لكنه غير النظام،وقسم فن النظام قسمين 2.3.1 أجزء إجمالية : العمود -التمهيد -المنهج-الخاتمة العمود: وهو جماع مطالب الخطاب وإليه مجرى الكلام وليس شرطا فيه الترتيبية ولكنه يسري فيه كالروح، وربما يحسن اخفاؤه فلا يُطلع عليه إلا بعد استفاء الكلام والتدبر فيه. التمهيد:وهو مقدمة لإلقاء ماهو مقصود وهو باب له ولا تستحسن إطالته «قلت :كذلك الفاتحة كانت تمهيدا للمصحف "والحمد لله رب العالمين " تمهيد لما نحن مقبلين عليه من النعم بإقبالنا على المصحف، وما نحن فيه من النعم ببعثته صلى الله عليه وسلم ونزول الكتاب عليه.
2.3.2أجزاء تفصيلية : التعليل : لإثبات إو تفنيد التفريع ببيان الفروع:ويدخل في الشرائع كثيرا التأصيل ببيان الأصول : والاستدلال البرهاني التفصيل المجمل:لتوجيه النظر التمثيل:للتوضيح أو للدليل إيراد المشابه:من البيان وفي هذا يضم قرين بقرينه إيراد المقابل والضد :ليدل على مقامها كالشرك مع الزنا والتوحيد مع بر الوالدين وصلة الرحم التنبيه بالوعد والوعيد التحسين والتقبيح :وهو خطاب القلب كما أن الاستدلال خطاب للعقل. وبعد ذلك تحدث عن نظام السور ومقاديرها والحكمة في ذلك وضرب الأمثلة بالفاتحة مبين عمودها الذي هو اقليد نظام السور كما عبر. ختاما ستجد مثلي عناءا في تنظيم الكتاب لدرجة أني أثناء محاولتي تلخيصه قدمت فيه وأخرت وفي صفحات كثيرة ستجد بياضا في الأصل يبدو أنها فراغات تركها الكاتب عازما العودة إليها فيما بعد ضاربا الأمثلة على ما ذكر، ولكن شاءت الأقدار غير ذلك، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته