أجمل ما في هذا الكتاب هو مقدمته القصيرة، لأنها تتضمن اقتباسات من رسائل سعد الله ونوس الأخيرة فقط لا غير، واختباره الهزيمة، الكبري مع حرب الخليج، وانتهاءًا بهزيمة الجسد الشخصية مع السرطان.
هزني توصيفه لمرارة الهزيمة بقوله:
"كنت أتخبط في شعور مرير بالهزيمة والهامشية وبأن زمني زمننا يضمحل ويختفي، ورأينا أحلامنا كلها تنهار وعيوننا جاحظة .. انهارت أوطاننا وانهار المستقبل الذي كنا نأمله وانهار العالم الذي كنا نستند إلى صلابته برغم يقيننا أنه مملوء بالثغرات، انهار حلمنا الشخصي الذي هو المسرح، انطفأت جذوته وتداعى في غياهب القمع والشمولية وانسداد الحوار في المجتمعات وغياب كل ما هو مدني في حياتنا .. إننا مهزومن حتى العظم .. وحتي الحفيد الرابع أو الخامس، أقصى حدود الإيجابية هو أن نقبل الهزيمة لا أن نراوغها أن نواجهها صراحة لا أن ندفت رؤوسنا في الرمال .. ومن كوجيتو (أنا مهزوم) ينبغي أن أبلور حقيقة (أنا موجود) أن أتدرب على تحمل هذا الوجود ومفارقته في آن واحد. لقد انهزمنا دون عزاء .. دون تظليلات، وكان من قبيل تحصيل الحاصل أن ينهزم الجسد ... بعد ذلك لم يفاجني السرطان!"
عدا ذلك فالكتاب محاولات نقدية من قبل عبلة الرويني لكنها لا ترقي لدراسة أكاديمية، فهي مجرد ملاحظات وانطباعات. وكل ما جعلني أرفع من تقييمي للكتاب هو الاقتباس السابق.
ما الذي يُمكن أن تعثُر عليه في رسائل سعد الله ونوس المتناثرة والمتقطعة أحيانا؟ ما الذي يمكن أن تخبرنا به السطور؟ كيف تبدو صورته من قُرب؟ كان أندريه يتصور أن يجد إلهاً في رسائل دوستويفسكي لكنه وجد إنساناً متعباً ومريضاً، وكان كافكا يفترض أن الأشباح تسكن الرسائل! في رسائل سعدالله ونوس لا أشباح ةلا آلهة. ثمة إنسان شقي ووحيد يفترسه إحساس مرير بالغربة؛ غربة سرية يعانيها ويرعاها داخله كأنها حقيقته الوحيدة. إنسان حبيس صورته وسجين مراياه، وحيد أمام نفسه طوال الوقت، يفرغ ما في جوفه ويغوص في دخيلة نفسه، يلاحق وساوسها وهواجسها وتشققاتها، منتهياً إلى حقيقة واحدة، أن الكتابة هي الفعل الإنساني الوحيد القادر على لملمة شظاياه، ومصالحته مع نفسه.